قصص حقيقية

أنا وخزامى في رحلة مع التوحد

نيسان 05 , 2019

بقلم: أحزان السرحان، أم لثلاثة أطفال

أن تكوني أماً يعني أن تعطي من نفسك ووقتك الكثير.. وأن تصنعي من المستحيل المعجزات إذا عاكستك الأقدار!

أكتب قصتي هنا لأقول لكل الأمهات المتعبات المثابرات المؤمنات بحصول تلك المعجزة.. أنهن قويات ومميزات.. وأن "خروج" أطفالهن من تلك البلورة التي أسميناها بالتوحد أمرٌ ممكن.. يدنو ويبتعد بمسافة صبرهن وإيمانهن وثقتهن بالله وبأنفسهن!

اسمي أحزان السرحان، عمري ٣٤ عاماً، تزوجت في عمر الثامنة عشر ورزقت بولد وطفلتين إحداهما كانت طفلتي الجميلة "خزامى".

منذ عمر الشهرين كنت أشعر أنها مختلفة وبأنها ليست كباقي الأطفال، فقد كان حجم رأسها يكبر فيما كان جسمها ومناعتها ضعيفين، كما أنها لم تكن تسمعني.. أناديها فلا ترد وكأنها في عالمٍ آخر! لكني ومع هذا كله حمدت الله وشكرته على وجودها في حياتي.. هذا ما كان يميزني ومازال..

رحلة التشخيص

أخذت طفلتي إلى الطبيب ليفحصها ويكشف عليها، فكان منه أن قال لي بأن طفلتي لا تسمع ولديها ماء في الرأس ومشاكل في القلب!! حينها احتضنت طفلتي وبكيت بحرقة ودعوت ربي أن يحميها ويعافيها. لكني لم أيأس، فأخذتها إلى أكثر من مستشفى حيث أجرينا لها صورة طبقية وتبين أنها سلمية تماماً، بالإضافة إلى فحوصات للقلب والسمع وكانت النتائج عادية ومطمئنة.

لكن طفلتي خزامى كانت تصرخ وتضحك وتعض بطريقة هستيرية، ولم أكن أعلم ماذا يمكن أن أفعل حيال ذلك! حتى أنه إذا أراد أحدهم أن يحملها عني ليريحني قليلاً كان يحرص على ارتداء ملابس تغطي جسمه حتى لا تعضه! تأخرت بالجلوس وتأخرت بالمشي.. وكان حجم رأسها كبير.. كلها أعراض لم أفهمها بادئ الأمر...

وعندما بلغت طفلتي ال ٣ أعوام كان وضعنا المادي قد تحسن، واستطعنا أخذها إلى مستشفى خاص للحصول على تشخيص سليم ومتكامل، طلب منا الطبيب عدد من الفحوصات بما فيها تخطيط للدماغ والسمع وصورة رنين مغناطيسي، وعندما قرأ النتائج قال متعجباً: "كلها سليمة وحجم رأسها طبيعي هذا شيء وراثي، ابنتكم لا تعاني من شيء!"، ومن ثم صمت لبرهة وأردف قائلاً: "يجب أن تأخذوها لمركز تشخيص الإعاقات".. عندها أصابني الجنون..

ماذا؟ كيف؟ كل فحوصاتها سليمة ولم تعاني من نقص أوكسجين وكانت ولادتها طبيعية؟ لماذا نذهب هناك؟ أعطني أي شيء يجعلها تتكلم وتتجاوب معي.. هذا كل ما أطلبه! لكنه رفض وقال بأن صحتها ممتازة وأعضاؤها سليمة ولا تحتاج إلى أي دواء.

وبالفعل توجهنا إلى المركز، وهناك جلسنا مع أخصائيين قاموا بمعاينة خزامى واختبار تصرفاتها، حتى خلصوا إلى أن طفلتي تعاني من التوحد ومن الدرجة الشديدة أيضاً!

أما العلاج فلا علاج يرجى إلا أن تدخل مركزاَ للتربية الخاصة في محاولة لتأهيلها واسترجاعها بعد أن غابت في عالمٍ آخر لا نعرفه ولا كيف نصل إليه!

طريق العلاج!

ذهبنا إلى أحد المراكز وعمر طفلتي ٤ سنوات، أخبرونا بعد مرور شهرين بأنهم لا يستطيعون استقبال طفلتي أكثر في مركزهم لأن حالة التوحد لديها شديدة جداً، وبأن قوانين الحكومة تدعم خيارهم هذا! لم يستقبلوها أيضاً بالمدارس الخاصة أو الحكومية أو حتى الروضة.. حتى ضاقت بنا الدنيا بما رحبت، وكان اليأس حليفنا في تلك اللحظات!

خزامى أحلى الورود.. لا يمكن لحضورها الجميل أن يكون هامشياً ومهملاً.. أرفض أن تكبر طفلتي دون أن تكون شيئاً مهماً في هذه الحياة!

أبقيتها عندي فازدادت حالتها سوءاً، كنت أستيقظ في ليالي الشتاء لأجدها تلعب بالماء البارد دون أي إحساسٍ بالبرد، وتهجم على الطعام الوسخ والخضراوات دون غسلها، وتمسك أشياء ساخنة دون أي إحساسٍ بحرارتها، أما التواصل البصري فقد كان معدوماً، لم تكن تقبل أن تنظر في عيني مباشرةً مهما حاولت!

دخلت في حرب مع المجتمع ومع كل ما يحول دون تقدم حالة طفلتي، خاصة وأنني أعيش في مجتمع قروي! فسمعت الكثير من التعليقات اللاذعة والجارحة، فقال لي البعض بأن طفلتي مجنونة وبأنه يجب علي ان أقفل عليها الباب وأحبسها، وقال لي آخرون أنه قد أصابها المس أو العين وهي بحاجة إلى شيخ لمساعدتها! ناهيكم عما كان من رفض المدارس والمراكز لها..

بعد صد المجتمع لنا...  لم استسلم بل تصرَّفت!

بكيت كثيراً ودعوت الله مراراً.. لكني لم أستسلم أبداً، قلت في نفسي أن خزامى هي ما يميزني، وطلبت من زوجي أن نبني بيتنا الخاص -بعدما كنا نعيش في بيت أهله- ليكون مملكة لطفلتنا تعيش فيها براحة وسلام.

بقينا في بيت أهل زوجي ريثما ينتهي العمل في منزلنا، كنت أبدأ نهاري عندهم من الصباح حتى الظهر ثم آخذ أولادي وأذهب إلى منزلنا فأفرش لهم بطانية ليجلسوا ويلعبوا عليها حتى أنهي ما يمكن إنهاؤه من تنظيف وترتيب للمنزل من آثار العمال والبناء، كنت أقوم بكل ذلك لأستقر في بيتي الخاص أنا وأطفالي وأوفر لهم البيئة التي أتمناها لهم..

صبرت واحتسبت وبعد مرور عام على ذلك سكنت في منزلنا بدون أبواب أو مطبخ، لكن ذلك كله لا يهم.. وما يهم حقاً هي خزامى، تستطيع الآن أن تجول وتمرح في مملكتها.. بيت كبير وأرضٌ واسعة.. المهم أن تكون طفلتي مرتاحة..

بدأت العمل في الأرض وبتجهيز المنزل، وأذكر أنني سمعت تلك المقولة على التلفاز: "أكون أو لا أكون"، فصرت وعلى الرغم من كل التعب والجهد الذي كنت أبذله أردد في نفسي: "سأكون بإذن الله وستكون معي طفلتي.. فهي سر تميزي!".

لن تصدقوا كيف ساعدتها لاحقاً...

كان أطفالي كلما غادروا إلى المدرسة وركبوا الحافلة، تركض خزامى خلفهم تريد الصعود ثم تبكي فأبكي معها وأحاول إشغالها بأعمال الزراعة معي! عدا عن الصراخ والعض ونظراتها التائهة غير المستقرة.. كانت لحظات تفطر قلب أي أم، لكني بقيت متماسكة ودعوت الله كثيراً حتى حسبتني سمعت صوتاً يهمس في أذني: "ادعي فدعاؤك مستجاب" فقلت: "خزامى يا رب.. خزامى".

بعدها وجدتني أحاول كل جهدي الدخول إلى عالمها.. جذب انتباهها.. فصرت أقلدها فإذا صرخت أصرخ، وإذا بكت أبكي، وإذا عضت أعض وإذا ألقت بنفسها ألقي بنفسي مثلها، وإذا ركضت أركض، فعلت ذلك بدون ملل، وبعد أيام معدودة بدأت تنتبه لي وتضحك وتسكت وتفعل أي شيء بروية، حتى انعكست الصورة فصارت هي من تقلدني.. كان ذلك إنجازاً كبيراً بالنسبة لي..

لاحقاً دخلت عالم الإنترنت، فتعلمت الكثير عن تعديل السلوك وغيرها من الأمور التي تفيدني في التعامل مع طفلتي، فاحتجت مبلغاً من المال لتنفيذ الأفكار التي تعلمتها، لكن زوجي كان ما زال في حالة إنكار للفكرة من أساسها أن طفلته تعاني من التوحد! فاضطررت أن ألجأ إلى قروض المرأة.

بالفعل أخذته واشتريت أرجوحة وطاولة وكرسي ومجموعة من الأدوات والألعاب التي تنمي التركيز، وبدأت برنامجاً كاملاً لطفلتي، كنت أدربها على الكثير من النشاطات كأن أبني أحواض في الأرض وأمشيها عليهم، أو أن أقوم بتلوين العجلات لنزرع فيها وتقوم هي بتلوينها معي وغير ذلك الكثير، حتى بدأت أمورها تتحسن تدريجياً.

سمعت عن مركز متخصص قيل لي بأنه افتتح جديداً، فأخذت طفلتي إليه وتم قبولها والحمد لله، وبقيت هناك لشهرين لكني اضطررت أن اخرجها منه لصعوبة المواصلات والظروف المادية، لكن وعلى الرغم من كل هذا لم أيأس، فصممت غرفتها على شكل زهرة الخزامى وقمت بكثير من الأشياء التي لم أحسب نفسي أستطيع القيام بها من قبل،

وكان حلمي أن تلتحق زهرتي خزامى بالمدرسة، وأن ترتدي المريول الأزرق وتربط ضفائرها بالشبر الأبيض، وأن تشتري خلال الفرصة ككل الفتيات.. وأخيراً تحقق الحلم، خزامى اليوم وبحمد الله ترتاد المدرسة كغيرها بمراقبة ودعم مني ومن المدرسة.

 

فأنا وإن كان اسمي أحزان إلا أنني لم أسمح للحزن أن يدخل بيتي وأن يعيق رحلتي مع طفلتي! فهي كل ما يميزني وستبقى...

في الختام، رسالتي لكل أم

ارفعوا رؤوسكن فخراً بأطفالكن مهما كانت الظروف، وهذه قصتي دليلٌ حي على ما أقول. مهما كان موقعك كأم عاملة أم غير عاملة، اجعلي طفلك أولويتك ومهما كان ما يعاني منه كوني قوية من أجله، وتخلي تماماً عن دور الضحية فهذا لن يساعد أبداً، عيشي بإيجابية ولا تدخري أي جهد ليكون طفلك أفضل وأقوى على خوض غمار الحياة!