قصص حقيقية

أخي سعد.. أجمل ما حدث لعائلتنا

نيسان 18 , 2019

بقلم: ليان، شقيقة سعد ذو طيف التوحد

"لا بد من أنه يعاني من مشكلة في سمعه"
أذكر أن هذا هو أول ما خطر في بالِ والدي عندما تأخر أخي في النطق.

كنت في الثالثة من عمري عندما رزق والداي بأخي سعد، وكأي طفلة سعدت كثيراً لوجود أخٍ رضيع جديد في عائلتنا، ولد سعد وكان يبدو كل شيء طبيعياً في السنة الأولى، ولكن ما إن أتم الثماني عشر شهراً حتى بدأ والداي بالقلق لما ظهر عليه من أعراض مثل عدم نطقه لأي كلمة أو حتى التفاته لأي صوت يصدر من حوله. فما كان منهم إلا أن أخذاه إلى طبيب سمع ونطق، ومن هنا بدأت رحلة سعد مع التوحد!

استغرق تشخيصه ما يقارب الثلاثة أعوام وكان التشخيص الأولي أنه توحد شديد، ثم وبعد الذهاب إلى عدة أطباء أعيد تشخيص سعد على أنه (سمات توحد مع فرط الحركة)

كان عمري ما يقارب سبعة أعوام حين بدأ الوعي لدي يتكون حول سعد، فقد كانت تراودني العديد من الأسئلة: هل سعد مريض؟ وهل سيشفى يوماً؟ كيف ستصبح حياتنا؟ هل سيعتني به والداي وينسوا أمري أنا وأخي البكر؟ هل التوحد يعني أن سعد سيجلس دائماً وحيداً لا يتحدث مع أحد؟


أنا وأخي سعد

والعديد من الأسئلة التي قد تراود أي طفل كان بعمري. والسؤال الأهم هنا هو هل توصلت إلى إجابات لهذه الأسئلة؟ نعم توصلت، والذي أجابني عن هذه الأسئلة هو أخي سعد، كل ما كان علي فعله هو الاقتراب منه ومحاولة احتوائه، لا شك بأن حياتنا دون سعد ستكون مملة! لقد أضاف لنا الكثير من البهجة كبهجة أول كلمة نطق بها، كان يبلغ سعد حينها تقريباً أربعة أعوام وكنت أرمي له الكرة ليلتقطها ويرميها لي بالمقابل 

وفي كل مرة كنت أرميها كنت أردد كلمة "طابة" إلى أن قام برمي الكرة لي وتكلم! نعم قال: "طابة" كانت أولى كلماته وأجمل ما سمعت.. لم أصدق أذني حينها، وشعرنا ببهجة لا تضاهيها بهجة، فمهما كانت فرحة الأمهات بكلام أطفالهن أول النطق كبيرة.. فقد كانت فرحتنا مضاعفة!

وكما مررنا بلحظات فخر وسعادة مع سعد، مررنا بلحظات شدة، من وجهة نظري كان أصعب ما واجهناه هو نظرة الناس إليه، وعدم تقبله كشخص طبيعي أو حتى عدم قبوله في المدارس عدا عن مراكز التربية الخاصة.
قام والداي بجهد كبير لا تحمله الجبال من أجل سعد، ولم يقصرا في حقه مثقال ذرة، كانا يؤمنان به وبقدراته فيذللان الصعاب من أجل أن يعيش سعد في المجتمع كغيره من الأولاد لا يمنعه شيء!


أنا وأختي مع سعد

فعندما أرادوا إدخاله إلى المدرسة أذكر في بادئ الأمر رفض العديد من المدارس له لأنها لا تستقبل ذوي الاحتياجات الخاصة، إلى أن عثر والداي على مدرسة لا بأس بها، كانت مدرسة خاصة وليست مركز تربية خاصة وهذا ما أراده والدي لسعد أن يدرس كباقي الأطفال، ولكن سعد كان متأخراً ثلاثة أعوامٍ دراسية، فأراد له والداي أن يتقدم أكثر، فهو مدرك ولديه عقل ذكي وذاكرة قوية!

فقاموا بطرح فكرة أن يدرس سعد مقرران دراسيان للصفين الرابع والخامس في سنة واحدة ليجتاز سنة دراسية، وبهذا يكون متأخراً عامان دراسيان فقط.

وفعلاً! فعلها سعد ودرس الصفين الرابع والخامس في سنة واحدة واجتازهما بجدارة، ثم انتقل بحمد الله إلى مدرسة خاصة أخرى أفضل من السابقة، وهو الآن في الصف الأول الثانوي (أدبي) وحصل مؤخراً على معدل متفوق ٩٠٪؜ في الفصل الأول.

يرزق الله أطفال التوحد ذكاءً عجيباً في أمور معينة! يجعلني سعد دائما أتأمل، كيف أنه إذا أصر على تعلُّم شيء ما، فإنه يفعل كل ما يتطلبه الأمر وأكثر لتعلُّمه دون أن نعرف كيف ومتى وأين!!

أذكر أنه كان في مرحلة ما مهتماً جداً بالدول وعواصمها وأعلامها، فإذا سألته عن عاصمة أي بلد وعلمها يجيبني بدون تردد، وأذكر أيضاً أنه بدأ بتعلم اللغة الإنجليزية من تلقاء نفسه قبل دخوله المدرسة، وهو الآن يتعلم اللغة الألمانية دون معلم أو أي مركز يساعده فيأتي إلي ليحادثني بالألمانية فأقول له:" سعد حبيبي أنا ما بحكي ألماني" ليرد علي بالمقابل:"بدي أتدرب على اللغة لازم أحكي".

وقد كنت أظن في البداية أنه لا يتذكر أي شيء مما يحصل حوله، لأكتشف فيما بعد أن ذاكرته قوية جداً! فأطفال التوحد عادةً ما يقومون بانفعالات أو تصرفات غير مفسَّرة، وفي حالة سعد ولأنه كان يعاني من فرط الحركة فكان يهرب من البيت باستمرار فقط ليركض في الشارع، لم أظن أبداً أن سعد قد يتذكر هروبه الدائم فقد كان طفلاً صغيراً!

إلى أن ذكرني يوماً بذلك وكان بعد حوادث هروبه بأعوام، ولأكون صادقة، لا زلت مصدومة حتى الآن. والآن إن قام أي أحد بسؤاله عن سبب هروبه عندما كان صغيراً، يجيب بابتسامة خجولة: "ما بحب أتذكر الأشياء السيئة خلص خلص".


أنا وإخوتي مع سعد

علَّمني سعد أن التوحد ليس مرضاً بل نعمة من الله.. علَّمني كيف أحب وأقدر من يحبني، فلا شيء يضاهي حب سعد لوالداي! لم أرَ في حياتي حباً نقياً بريئاَ كحبه لهما! أعترف بأنه يحبهم أكثر من حبي وحب جميع إخوتي لهما.

علمني سعد الإصرار، فمن كان يظن قبل سنوات طويلة عندما تم تشخيص سعد أنه سيصبح الشخص الذي هو عليه الآن، وهو ليس أقرب للشخص الطبيعي، بل أفضل منه!

علمني سعد ألا أكترث لما قد يظنه الآخرين بي، أو نظراتهم أو كلماتهم التي لا تزيد أو تنقص مني بشيء، علمني فقط أن أفعل ما أريده وأن أكون سعيدة طالما أنني أفعل الشيء الصحيح

لا يمكنني أن أنكر أن الفضل في تكوين جزء كبير من شخصيتي وأفكاري يعود لسعد، أتمنى أن يعرف أن امتنناني له لا تسعه الدنيا بما فيها، وبأني سأكون بجانبه دائماً مهما تطلب الأمر!