الحياة المجتمعية

الأطفال ذوي طيف التوحد.. ما أجمل عالمهم!

نيسان 25 , 2019

بقلم د. زينة مهدي العلمي، أستاذ مساعد علوم بيولوجية 

شهر نيسان.. شهر التوعية بالتوحد كما اتفق عالمياً. شخصيًّا لستُ خبيرة بالموضوع كما أنني لستُ متخصصة به. ولكنني وكمُحاولة بسيطة مني في المساهمة في حملة التوعية العالمية، سأخبركم بما تعنيه لي "التوعية بالتوحد" وسأغوص بجزءٍ من أسرار أولئك الذين أحبهم جداً: ذوي طيف التوحد. أحبهم لأن أحد أطفالهم "حبيبي" وهو جزء من حياتي وجزء من عائلتي.

التوعية بالتوحد هي ليست شعارات مرفوعة، كمعظم الشعارات التي اعتدنا على قراءتها وعدم الاكتراث في تطبيقها. فالمتوحدون جزء من مجتمعاتنا، جزء من عائلاتنا، ومن مدارسنا وشوارعنا.

فالتوعية بالتوحد تعني أن يجلس بجانبنا في أحد المقاهي أسرةُ طفل مُتوحّد، وأن نتقبّل الضجيج والصوت الثابت ذو الوتيرة الواحدة، وربما الصراخ والدوران.

كما تعني، أن نتحمل رحلة جوية بجوار طفلة متوحدة، دون أن تضطر أمها أن تُلبسها سترة، مكتوبُ عليها: أنا لست مشاغبة بل متوحّدة. وتعني كذلك أن بعض الأطفال الذين يرمون أنفسهم على الأرض في المولات ويصرخون وهم يضعون أيديهم على آذانهم، لم تهمل أمهاتهم تأديبهم، بل إنهم يفضلون عدم العيش في عالم مليء بالفوضى كالمول أو المتاجر.

وأن تلك الأُسرة ليست مهوسة بحديد الحماية على الشبابيك ولا تخاف من اللصوص، بقدر ما تخاف من أن يهرب طفلها المتوحد، أيضاً ليبحث عن عالمه المريح! وهي ليست أُسرةٌ بخيلة لا تشتري الثياب لطفلتها المتوحدة، فالطفلة هي من تصمم على ذات الملابس والحذاء وتسريحة الشعر يومياً.

والتوعية تعني أن تتهيأ المدارس ببنية تحتية وفوقية، وبتأهيل أكاديمي وطلابي، لاستقبال بعض المتوحدين ذوي الأطياف التوحدية البسيطة، وأن يتقبل الأهالي أن وجود طفل متوحد بصف أبنائهم (عادي) بل عادي جداً.

إن المتوحدين وإن كانوا غريبي الأطوار، هم غير مخيفين، هم بسيطون جداً، عاشقون جداً، وأوفياء جداً، يعشقون الأحضان ويستمتعون بها، وإن كان بعضهم حساساً جداً لأن تلمسه. فلنرفرف ونصفق بأيدينا معهم كلما رفرفوها وصفقوا فرحين، ولنرتب لهم أفكارهم بخط طويل من السيارات أو الألعاب، تماماً كما يفضلون. ولنصدقهم إن نادوا علينا بالـ (فخمين) أو بالـ (مية مية) لأنهم صادقون. ولنحيِّهم ونشجعهم كلما تسلقوا عالياً فوق الأشجار؛ اطمئنوا فهم لن يسقطوا، فمهاراتهم فريدة!

ولنحبهم ونتقبلهم ونتقبل أُسرهم، فيكفيهم ما يعيشون به من ضغوطات من نوع مختلف، تزيد عما نعانيه نحن من قصص وحيثيات يومية. فأنتم إن فقدتم السيطرة على أبنائكم أو أبناء إخوانكم لساعات خلال الشهر وشعرتم بالعصبية والضيق، فهم كذلك على مدار الساعة!

والله إني لأشعر أن عالمهم مثالي، مرتب، منظم، مستقيم، عالٍ، مشرِّف، بسيط، منفتح، وصادق... يا ليتنا نعيش معكم يا أحبائي، لنفهمكم أكثر بكثير! لأنكم تعيشون في عالم مميز وفريد، وأنا متأكدة أنه أجمل من عالمنا المؤلم.

أن نضع شعار التوعية بالتوحد على صفحاتنا الالكترونية، يعني أننا سنبتسم لأمهات المتوحدين إذا صادفناهم هنا أو هناك ويعني أن نرفع "كف يدنا" نضرب الكف مع طفل التوحد، فإنهم "أهل الجنة" يمشون بيننا...