قصص أمهات

رُزقت بطفل..ماذا بعد!

رُزقت بطفل..ماذا بعد!
يناير 04 , 2021
رؤى سمارة رؤى سمارة
أم عاملة لطفلين، تحاول جاهدة التوفيق بين عملها وحياتها والحفاظ على روتينها اليومي، تحب أن تعيش حياة زاخرة بالأنشطة والمهام التي تأمل... المزيد

اللحظة المنتظرة لاستقبال روح تشكلت بقدرة الخالق تبدأ بأوجاع خفيفة تستمر بالتصاعد إلى حد لا يتخيله إلا من جربه، يرتفع الأدرينالين عند الأم وتشعر بأحاسيس ممزوجة بين الحماس لمقابلة جنينها والخوف مما ينتظرها من آلام المخاض والإنقباضات التي تُشعرها بأن روحها تنتزع من جسدها مع كل انقباضة.

تتلاحق الأحداث وتمر الساعات.. تلحقها صيحة تُطلقها الأم معلنة بها وصول الجنين المنتظر. بعد ظلام استمر لتسعة أشهر، يستقبل هذا الجنين شعاع الضوء ويقبل على هذا العالم الغريب.

يبدأ مشواره هو الآخر ببكاء يعلن فيه عن بداية التقاطه لأنفاسه الأولى. سبحان الله على هذه المعجزة التي تتكرر كل يوم بقدرته.

ولكن ولادة الجنين ما هي إلا البداية لحقبة جديدة من التحديات والمغامرات التي قد تكون من أكبر الإنجازات أو من أكبر خيبات الأمل في المستقبل.

لاحظت أن العديد من الأزواج المقبلين على استقبال مولود يشعرون بالقلق حيال العبء المادي الذي يترتب على قدومه، بدءاً من احتياجاته الأساسية من الحليب في أول عمره، وانتهاءً بالأقساط المدرسية التي أصبحت خيالية وصعبة المنال بالنسبة للكثير.

ولايمكن لوم الأزواج على هذه المشاعر التي تنتابهم فمع صعوبة الأوضاع الاقتصادية، أنا أتفهم هذه المخاوف التي يشعر بها العديد، إلا أن هذه الأعباء المادية جميعها ليست بشيء أمام التحدي الأكبر.

كيف ننمي هذه البذرة التي زرعناها لتغدو شجرة مثمرة يستفيد منها الجميع ويحبون التواجد بقربها؟ كيف نغرس القيم ونجعل من هذا الطفل فرداً صالحاً؟

برأيي التربية من أصعب الأمور التي تواجه الأهل على الإطلاق.

فبين مفاهيم التربية القديمة والحديثة، يجد الأهل أنفسهم في صراع بين طرق الأجداد القديمة التي كانت ترتكز بشكل أساسي على سياسة الترهيب في تهذيب الأطفال وتوجيههم للسلوك الحسن، وبين التربية الحديثة التي تنظر إلى الضرب كوسيلة قمعية عبثية تدمر نفسية الطفل وتقلل من ثقته بنفسه.

كيف لنا أن نوازن بين الترهيب والترغيب؟ وكيف نصل إلى معادلة تكون نتيجتها طفل أخلاقه عالية وشخصيته قوية؟

في الحقيقة لا يوجد معادلة واحدة للتربية ولا يوجد معايير معينة تنطبق على الجميع، فكل طفل له طرقه وله مداخله.

من أبرز طرق التربية الحديثة التي أثبتت جدواها في معظم الأحيان هي زاوية العقاب التي يقوم من خلالها الأهل بتحديد زاوية من زوايا المنزل شريطة أن لا تكون غرفة المعيشة أو غرفة نوم الطفل وإجبار الطفل على الوقوف في تلك الزاوية في حال ارتكابه لفعل مشاغب، على أن لا تزيد مدة العقوبة عن وقت محدد.

تنتهي العقوبة بمواجهة الطفل وسؤاله عن سبب وقوفه في زاوية العقاب مع الحفاظ على اتصال الأعين يلحقه اعتراف الطفل بخطئه وحضن ناعم يتلقاه من الأهل.

وعلى الرغم من نجاح هذا الأسلوب في العديد من الحالات، نجد أن هنالك أطفال لا ينساقون بسهولة لتلك الأنواع من العقاب، مما يدفع الأهل للضرب أو الصراخ من أجل توجيه أطفالهم إلا أنهم سرعان ما يكتشفون أن تلك الطرق أيضاً لم تعد تجدي نفعاً مع أطفال هذا الجيل المنفتح والذي يطلب منك إقناعه بسبب العقوبة أو سبب منعه عن تصرف معين، الأمر الذي يتطلب من الأهل التحلي بالصبر الذي نفتقد إليه بسبب وجود العديد من الضغوطات والمسؤوليات التي تلاحقنا في كل وقت.  

كما ننسى كأهل اتباع أساليب التعزيز والتحفيز لدى الطفل، لأننا ننغمس في فرض العقوبات لدرجة تجعلنا نغفل عن الأشياء الرائعة التي يقوم بها الأطفال.

لذلك فيجب أن نذكر أنفسنا باستمرار بضرورة شكرهم عندما يقومون بعمل صحيح ولو كان بسيطاً مثل السلام واحترام الكبير، المشاركة في أعمال المنزل وإن كان ذلك عبء يضاف إلى أعباء الأم، طلب الأشياء بأدب، ومشاركتهم أطفالاً أخرين اللعب.

في الواقع، لا يكفي توجيه الأطفال نحو التصرف الجيد ومعاقبتهم لردع السلوك السيء، سواءً كان ذلك باستخدام زاوية العقاب أو باستخدام الضرب الذي يجب تجنبه في جميع الحالات، بل إن المهمة الأصعب التي يمكن أن يواجهها الأهل تتمثل بضرورة لعبهم لدور القدوة الصالحة على الدوام.

لنكن صادقين مع أنفسنا، هنالك العديد من السلوكيات والممارسات السيئة التي نمارسها كأهل وتستحق أن نعاقب من أجلها كالتدخين وإمضاء وقت مبالغ فيه على الهاتف واستخدام ألفاظ غير لائقة أو الشتم عند الغضب وغير ذلك الكثير.

فكيف لهذا الطفل المنفتح على العالم أن يتقبل ما تمنعه عنه وتسمحه لنفسك أو أن يتقبل ما تأمره به وأنت تتجنبه.

هذا التناقض بين التوجيهات التي يعطيها الأهل لأطفالهم وغيابها في تصرفاتهم، تجعل الطفل في حالة من الضياع والاستغراب.

فبدلاً من أن يتجنب الطفل فعل شيء لأنه خطأ، يتجنبه خوفاً من العقاب الآني، الأمر الذي لا يؤثر في تهذيب الطفل على المدى البعيد.

فإن أردت مثلاً طفلاً هادئاً قليل العصبية والصراخ، وجب عليك أن تهدأ وتخفض من نبرة صوتك وأنت تخاطبه، وجميعنا ندرك مدى صعوبة الأمر، خاصة عندما يخطئ الطفل ووالده أو والدته في مزاج عكر.

ربما كانت التربية القديمة فعلاً مجدية عندما كنا صغاراً وكان لها أثر فاعل في نهر الأطفال، إلا أن مدة صلاحية هذه الأساليب قد انتهت الآن، وحل محلها ما هو جديد يناسب هذا العصر ومعطياته.

ملخص القول، إن تحدي التربية يلاحق الأهل إلى الأبد ويتطلب التحلي بالعديد من الصفات التي قد لا نمتلكها أصلاً كالصبر والتحلم، إذ لا توجد هنالك قاعدة عامة يجب أن نلتزم بها لكننا قد نتبع أسلوباً له جدوى لمدة بسيطة قد تستمر لسنوات أو حتى لأشهر، ثم يكون علينا أن نجتهد ونبحث باستمرار عن طرق وحلول أخرى أكثر جدوى تناسب أطفالنا..  

وأود التنويه هنا بأنني لست مختصة تربوية ولا أملك الحلول السحرية والوصفة المثالية لكل معضلة، إلا أنني أم أجاهد في هذه الحياه لأربي طفلي تربية حسنة على أمل أن يكون نتاجها طفل صالح منتج سعيد في حياته الدنيا والأخرة...

رُزقت بطفل...تهانينا فقد بدأت حياةً تملؤها التحديات ويتخللها لحظات من المتعة والمغامرات!

مواضيع قد تهمك

اسألي خبراءنا مباشرة الآن!

الأكثر شعبية