أسس تربوية

لماذا لا يشعر طفلك بالسعادة على الرغم من كل ما تقدمينه له؟

أيلول 20 , 2020
نرمين محمود
أم لطفل واحد يُدعى "تميم"، درست الطب وتركت العمل في المجال الطبي بمجرد ولادة طفلها لتتفرغ له، واجهت مع صغيرها الكثير من التحديات التي ل...المزيد

كثيراً ما نعتبر صغارنا دون قصد روبوتات مبرمجة! عليهم أن يكونوا سعداء طوال الوقت مادامت طلباتهم مجابة! وعليهم أن يُظهروا امتنانهم وسعادتهم بما نفعله من أجلهم كل يوم، عليهم أن يبتهجوا لذلك الطعام الشهي الذي نعده ويطيروا فرحاً بتلك الملابس الجديدة التي اشتريناها بكل حب.

نستشيطُ غضباً في كل مرة نأخذهم فيها في نزهة فتنهال علينا الطلبات غير المنطقية وتحاصرنا نوبات الغضب، نُذهل لأنهم يعودون للمنزل أكثر حزناً منهم عندما غادروه! رغم كل الجهد الذي نبذله والعناء والمصروفات التي نتكبدها!

فما السبب! لماذا لا نراهم سعداء أبداً رغم كل العناء!

المشكلة فينا نحن بدايةً!

نحن نتعامل مع الطفل كشخصٍ بالغ، عليه أن يراعي آداب الحديث ومتطلبات المجاملة والذوق، وأن يبدي امتنانه بكل جديد أياً كانت حالته، أن يشكر العطاء وان لم تعجبه الهدية ويمتن للنزهات وإن لم يكن سعيداً!

بينما يتعامل الطفل بفطرته النقية الخالصة، والتي مازالت تختبئ داخلنا، لكننا ننجح في إخفائها تماماً بستار من العيب والذوق والمجاملة.

 

اقرئي أيضاً: 12 خطوة تساعدك في التعامل مع مشاعر الغضب لدى طفلك

 

قد تكون اللعبة التي اشتريتِها لطفلك باهظة الثمن لكنها ليست التي في خياله، فأصيب بإحباطٍ بالغ لم يستطع إخفاءه! ربما تكون الأفضل وقد يسعد بها فيما بعد، لكن ردة فعله الأولى أنها ببساطة "ليست هي التي أريدها"!

قد تقضين وقتاً طويلاً تصنعين طعاماً شهياً، ظناً منكِ أن ذلك لابد سيسعده، فيرفض حتى أن يتذوق لقمة واحدة منه!

بل ويستقبلك بنوباتِ غضبٍ غير مبررة، فتفسرين ذلك بقلة التربية وعدم الامتنان، لكنهُ في حقيقة الأمر وبكل بساطة ليس جائعاً أو ربما مريض وفقد شهيته! وربما حزين لأنه كان يريد قضاء وقتٍ أكثر معك وأنت انشغلت في المطبخ!

قد ترتبين لنزهةٍ رائعة، تزورين فيها مع عائلتك أماكن جميلة وممتعة، وتنتظرين أن يطير طفلك فرحاً، لكنك سرعان ما تتفاجئين بسوء السلوك ونوبات الغضب والبكاء الذي لا ينتهي رغم كل محاولاتك! فيصيبك الذهول والغضب، لماذا لا يشعر طفلك بالسعادة!

ربما هو بكل بساطة لا يحب ذلك المكان! فهو لا يوافق معاييره للمرح ومتطلبات لعبه وحركاته فيشعر فيه أنه غريب ومقيد، ربما هو خائف من المكان الجديد وبحاجه للاطمئنان.

ربما هو مرهق يحتاج إلى قيلولة، ربما هو جائع، ربما قد أعد خطة أخري للنزهة وهو حزين لأن تلك الخطة ذهبت أدراج الرياح ولا يستطيع التعبير بالكلمات عما بداخله!

..

عندما يمر صغيرك بنوبة غضب ترينها غير مبررة وغير منطقية، إلا أنها مبررة تماماً بالنسبة له، فهي تحمل مشاعره ورغباته التي قد لا تكون ظاهرة لك، وهو ينتظر منك احترامها وتفهمهما حتى وان كنتِ لا تجدين لها سبباً واضحاً.

نوبات الغضب هي سلسلة لا تنتهي من الاحتمالات والأسباب الخفية التي لا نراها بالنظرة الأولى، لذا عليكِ الالتزام بثلاثة أمور حتى تمر تلك الزوبعة الصغيرة على خير:

  1. تجاهلي وتفهمي

حاولي دائماً كبح غضبك وتجاهلي كل تلك التصرفات الغريبة غير المبررة، فقط أظهري تفهمك واحتضني صغيرك بصمت وإن رفض، فقط ركزي على أن يفهم بأنكِ تتفهمين حزنه وفي انتظاره حتى يهدأ.

  1. الانتظار والصبر

انتظري حتى يهدأ تماماً وتنتهي ثورة غضبه ليستطيع أن يسمعك بشكل جيد ويتفاعل معك بشكل أهدأ، تذكري دائماً أن الطفل في نوبة غضبه "لا يسمع! لا يرى! لا يتكلم!"> 

فقط يفرغ شحنات سلبية من الغضب والحزن واليأس، ولا يستطيع كبحها ولا يستطيع التعبير عنها بشكل أفضل! فلا طريق أمامك سوى الانتظار!

 

اقرئي أيضاً: ٣ طرق مدهشة للتعامل مع نوبات غضب طفلك

 

  1. الحوار والثبات على المبدأ

عليكِ بدايةً أن تخبري صغيركِ بكلماتٍ قصيرة ومحددة وحازمة أن الغضب مرفوض مهما كان السبب، وأن الصراخ أبداً لن يجدي نفعاً وأنكِ تعلمين أنه حزين، لكن لا يجوز أن يعبر عن حزنه بتلك الطريقة.

لا تستجيبي أبداً لطلب غير منطقي أو سبق ورفضته إذعاناَ لنوبة غضب، بل عليك التمسك بموقفك أكثر والالتزام بقواعدك أكثر وأكثر.

ليتفهم صغيرك تدريجياً أن نوبة الغضب ليست بالوسيلة الصحيحة للحصول على ما يريد وليست الطريقة المثلى للتعبير عن نفسه.

..

في النهاية.. لا تحكمي على صغيرك أبداً في أوقات نوبات الغضب!  فلا يمكنك محاسبة شخص على ما يشعر به، وهو لا يعرف وسيلة أخرى بعد لينفس بها عن إحباطه وحزنه.

فالأطفال تحركهم مشاعرهم وتحكمهم نوبات الغضب!

لا يستطيعون السيطرة عليها وهي تسبق دائما كل كلماتهم و حتي بكاءهم... لذا علينا نحن أن نفهم.. أن ننتظر... أن نصبر.. أن نبحث دائماً فيما وراء نوبات الغضب.. أن ننظر إلى حقيقة التصرف السيء الذي نراه، ولا بد أننا سنجد تفسيراً مقنعاَ.

الصبر والتفهم سلاحنا الوحيد في ذلك التحدي، والحوار هو الدواء الفاعل، الكواليس دائماً تحمل التفسير، ابحثي دائماً عن السبب..

 

اقرئي أيضاً: عرفت منذ اللحظة الأولى أن عصبيتي لن تنفع طفلي بشيء

..

" مهما فعلت لا يكون سعيداً أبداً"

تلك تهمة باطلة، عليك ألا تلصقيها بطفلك أبداً، فهو يسعد بالكثير لكن ليس من الضروري أن يسعد بالأشياء التي تسعدك أو التي تنتظرين أن يسعد بها، هو يسعد عندما تحتضنينه، عندما تسألينه عن رأيه، عندما تلعبين معه كما يريد، عندما تُثنين على فعله، يسعد بطريقته الخاصة بأشيائه التي تثير اهتمامه وفي أماكنه التي تشعره بالألفة.

لذا الحل هو أن:

  1. تتعرفي إلى صغيرك أكثر.

أن تسأليه بكل بساطه عما يحب وما يكره، أن تنتبهي لما يسعده أكثر مهما صغر وأن تسأليه بشكل صريح عن مشاعره، ماذا يحب وماذا يكره، اين يتمنى أن يذهب، وأي الأماكن لا تشعره بالراحة أكثر.

  1. تثقي فيه وفي مشاعره وتقدريها أكثر

عليك أن تتفهمي أن نوبات الغضب تُخفي أكثر مما تظهر، وعليكِ تجاهلها حتى تنتهي، الصغار يحتاجون لوقت ليستوعبوا مشاعرهم وينقحوها، ويحللوا المواقف الجديدة ليستوعبوها.

 

  1. أن تشرحي له كل التفاصيل مسبقاً

الإعداد المسبق لكل حدث جديد أو نزهة أو زيارة عائلية أو حدث غريب على الطفل يساعد كثيراً في أن يمر الموقف بسلام بشكل أهدأ ونوبات غضب أقل.

حاولي ذكر كل التفاصيل أين سنذهب وكيف يبدو المكان وماذا سنفعل، من سنقابل، ماذا سنشتري، وماذا لن نشتري أيضاً، الصغار يهيمون في التفاصيل الصغيرة التي لا نراها، وعندما يعرفون كل شئ مسبقاً يصبح تقبل الأمر أسهل وأسرع والتعامل معه أيسر.

 

  1. ذكريه بالقوانين

احرصي قبل أي حدث أو خروج من المنزل أو استقبال زوار، أن تُذكريه بقوانينكما الخاصة، أخبريه بكلمات واضحة وقصيرة كم تحبينه وكم تثقين فيه أنه سيحسن التصرف.

 ذلك يرفع من معنوياته كثيراً ويعزز لديه ثقته بنفسه ويؤكد له أنه محبوب وأنك تكترثين له ولمشاعره كثيراً، لذا ليس بحاجة إلى جذب انتباهك أكثر بأي طريقة أخرى مزعجة.

...

في النهاية..

تذكري دوماً أن صغيرك هو إنسان كامل المشاعر قليل الخبرة غير مكتمل النضج، له مشاعره وأفكاره ومخاوفه، فلا تشعري بدلاً عنه ولا تصدري أحكاماً بدلاً عنه، عالمك ليس عالمه، ومشاعرك ليست مشاعره، وبالطبع ردود فعلك لن تكون مثله.

تذكري أن طفلك يحتاج لوقت أكثر ليحلل مشاعره ويتعامل مع الجديد فيحبه أو يكرهه، نوبات الغضب تتحكم به وتكون ردة الفعل الأولى لكل جديد أو تغيير رغماً عنه!

...

فقد تمر تلك النزهة الكئيبة في نظرك المليئة بالبكاء ونوبات الغضب، لكنك تتفاجئين مساءً في وقت النوم بقبلةٍ كبيرة مع ابتسامةِ شكرٍ كبيرة تخبرك أن تلك النزهة كانت رائعة وممتعة!

لا تندهشي حينها.. فذلك هو عالم الصغار، قانونه الأول والأخير:

"اخلع عباءة منطقك خارجاً وتأهب للإبحار في الخطر"