أسس تربوية

هل تعتقد أن حماية طفلك من المشاعر السلبية هو واجبك كأب أو أم؟

تشرين الثاني 05 , 2018
م. رلى زيد الكيلاني

رلى الكيلاني أخصائية تواصل وذكاء عاطفي محترفة ولديها حماسٌ دائم بنشر الوعي. تحمل الجنسيتين البريطانية والأردنية....المزيد

هل تعتقد أن حماية طفلك من المشاعر السلبية هو واجبك كأب أو أم؟

لنفكر مرة أخرى!!

 

قد يكون من الخطأ أن ندعو للإيجابية بشكل مطلق، فالحياة فيها من الأودية والقمم ما يكتب قصصاً أشبه بالخيالية. ومن أنت اليوم إن لم تكن قد مررت بنفسك في تلك الأودية واكتشفت ضعفك وضعف من حولك، واستأت ورفضت وقاومت أو حتى استسلمت؟! فهل من الذكاء أن ننكر ما فينا من مشاعر قوية حتى لو كانت مشاعر غير مستحبة؟؟ وهل من الحب الواعي أن نمنع عن أطفالنا هذه المشاعر السلبية؟

عندما ننكر على الطفل ما يشعر به بقولنا: "لا يجب أن تغضب من بابا!" أو "الأخ لا يغار من أخوه"! أو "لماذا تقلق وأنت صغير"؟ أو نحاول أن نفرض الشعور الإيجابي على الطفل حتى في أصعب المواقف:"لا تحزن"، "لا تغضب"! "فلتشعر بالرضا بدلاً من أن تنظر لغيرك"!

فإننا نوجه الطفل ونبعده عن بذل الجهد العاطفي الخاص فيه، والذي يعتبر ضرورياً في تطوير قدرته على فهم ذاته وعالمه، وبالتالي نخطيء كمربين لأننا نبني طفلا هشاً، يتكسر مع أول رفض يتعرض له، فلا يعود يؤمن بوجود الخير في الدنيا، ولا يحب بذل الجهد، ويكبر غير قادر على مواجهة تحديات زمنه، وتحقيق ما فيه من قدرات كامنة يمكن أن تساهم في تطوير مجتمعه وعالمه.

الغضب، الحزن، الخوف، الذنب أو اليأس

نطلق عليها جميعها اسم المشاعر السلبية إلا أنها مشاعر جيدة ولها قيمتها مثل المشاعر الإيجابية

 

لماذا نحمي أطفالنا من الشعور السلبي؟

  • لنشعرهم بالأمان.
  • لنشعر نحن الأهل والمربين أننا مسيطرون على مجريات الأمور.
  • لنحميهم من الإساءة العاطفية.
  • لأن سعادة الطفل من سعادتنا.

إن إشراك الشعور بالتفكير لمن أهم مهارات الوعي العاطفي، لأننا نستغل المعلومات التي تمنحنا إياها المشاعر، وهي معلومات إضافية لا يلتقطها الكثيرون، وقد تساعد في منع مشاكل من الحدوث، وفي حل بعض المعضلات الصعبة، بالإضافة إلى أنها تساعدنا في اتخاذ القرارات وإيجاد الحلول الواقعية والتي تنعكس بإيجابية على الجميع، ما يعزز المهارات الاجتماعية ويرفع من كفاءة الشخص وقيمة علاقاته بمن حوله.

الأمان العاطفي لا يكون بحماية من تحب من المشاعر السلبية، بل هو بالسماح لمن تحب بأن يشعر بالراحة والحرية في إطار العلاقة، بحيث يكون قادراً على التعبير عن حاجته وأفكاره دون أحكام أو عقاب.

 

ولذلك نسأل: لماذا المشاعر السلبية جيدة؟

 وهل نعي حقاً أهميتها في تطوير وعي طفلنا ونضجه العاطفي وفهمه لعالمه؟

 

  1. المشاعر السلبية هي محفز قوي للسلوك والتغيير للأفضل. فالشخص لن يفكر في تطوير سلوكه أو تغيير أسلوبه في الكلام أو التعاطي مع من حوله إن هو شعر بالارتياح والسعادة. لماذا التغيير إذن؟

ليس أقوى من المشاعر السلبية (كالغضب) التي تشعل فينا طاقة هائلة تجبرنا على اتخاذ موقف أو سلوك معين وتحفزنا على تغيير الوضع الراهن وصولاً إلى التغيير الإيجابي.

  1. المشاعر السلبية تحمي الشخص من خطر أو أذى قد يحيط به وهي منذ بدء الخليقة تساعد الإنسان في الحفاظ على حياته والبقاء. فالخوف من خطر محدق، يساعدك في تقييم طريقة هروبك من أو هجومك على الخطر. وكذلك عندما تشعر بالضيق، لابد أن يكون هناك سبب، والذكي هو الذي يستمع لذلك الصوت الذي بداخله والذي يحاول أن ينبهه لوجود شيء لا يناسبه أو قد يؤذيه، وبالتالي يبحث عن السبب، "لماذا أشعر هذ الشعور؟!".

 

  1.  المشاعر السلبية هي مصدر نفسي مهم جداً وهي ضرورة للحفاظ على الصحة العقلية، فهي تجعلك تبحث عن حلول فعالة أكثر تناسب فطرتك وتجعلك تشعر بالرضا عن حياتك. إن كبت هذه المشاعر ومحاولة عدم التفكير فيها يؤدي عادة إلى عكس النتائج المرجوة وبعدنا عن الرضا عن النفس وإيجاد المتعة فيما هو متوفر بين يدينا من أسباب السعادة.

 

  1. المفارقة الواضحة بين المشاعر السلبية والمشاعر الإيجابية يعطينا القدرة على فهم قيمة الأشياء والتجارب، ويمنحنا القوة للتمسك بما هو ذو قيمة في حياتنا، ويساعدنا في الابتعاد بل والتخلي عما يقلل من القيمة في حياتنا، وبالتالي تقييم خبراتنا وخبرات من حولنا بعمق وحكمة.

 

  1. المرور بالمشاعر السلبية والإيجابية يجعلنا أقوى في تحسين حالتنا النفسية وانتشال الذات من اليأس في حالات ضعفنا. وجدت دراسة نشرت عام 2011 لجامعة نيو ساوث/ سيدني أن الإنسان إن حاول إنكار الشعور السلبي وكبت التفكير بموضوع معين، قد يظل عقله الباطن عالقاً به، بما يعرف بظاهرة ارتداد الحلم، حيث يلاحق الموضوع الذي يحاول الشخص كبته، ويظهر له في أحلامه أكثر من غيره.

 

ومن هنا وجب التنبه إلى أن المشاعر السلبية هي أمر طبيعي وليس طفرة، فلا نتجاهلها حتى لا نضغط على نفسية أطفالنا وصحتهم العقلية كما الجسدية، لأن المشاعر تجعلهم أوعى، فالله خلقها فينا لسبب، فالخوف يساعد الطفل في التعامل بذكاء مع الخطر، والذنب يساعده في إعادة التفكير في سلوكياته الخاطئة التي قد تؤذي من حوله، أو قد تؤذيه هو أيضا، والغضب الذي يشعره بأن شيء أخذ منه بغير حق، مربوط بإحساسنا بالعدل، ويجعله أقوى في التفكير في حلول لتحقيق العدل.

وبالتالي وجب علينا أن نهتم بتطوير فهمنا وفهم الطفل لمشاعره السلبية والإيجابية، وتشجيعه على التعاطي مع لغة المشاعر، ذلك أن سر الرضا يكمن في تطوير قدرتنا على تحقيق التوازن الفكري والعاطفي، بالاستماع لمشاعرنا سلبية وإيجابية، فهم الحاجة العاطفية وراءها، وتنظيم شدتها بما فيه خير لنا ولمن حولنا، وبما يظهر النسخة الأفضل لكل طفل من أطفالنا!