المراهقة 15-18 سنة

في بيتنا بركان!!

كانون الثاني 07 , 2019
معتز الجعبري

منذ طفولتي بهرتني عوالم القراءة التي أغرتني بالكتابة، احترفت هذه الصنعة بشغف منذ ١٩٩٣ عبر بوابة الصحافة الورقية، ومنها إلى الكتابة والتأل...المزيد

ينصحُه والداه بالمذاكرة جيدًا فيقول: لا تضغطوا عليَّ، حاسبوني عند النتائج، ثم يحصل على درجة متدنية فيبرر ذلك بقوله: كان يجب عليكما أن تضغطوا عليَّ أكثر!

ترفض الخروج مع أهلها وتقول: أنا كبُرت ولا أخافُ البقاء وحدي، وبعد أن يخرجوا بقليل تتصل مذعورة بأمِّها: أمي هناك أصواتٌ غريبة آتيةٌ من المطبخ! أرجوكم تعالوا بسرعة أنا متسمِّرة أمام التلفاز!

يُجادل والديه لساعات في البديهيات ويتمرد عليهما بطريقة فجَّة، لكنَّ صديقَهُ قادرٌ على عكس قناعاتِه خلال دقيقة!

هي تتصرف كأنها تعرف أكثرَ من والدتها فإذا وقعت في مشكلة قالت لأمها: كفّي عن لومي، لا أزالُ صغيرة!

هو يتعامل بمنتهى الفظاظة مع إخوته وينتصر لكرامته دون هوادة، وإذا حصَلَ الأمر نفسُه مع غرباء، فإنَّه يتحوَّل إلى كائنٍ وديع أمامهم، ويتنازل عن حقوقه متناسياً أمرَ كرامته المزعومة.

 

ذلك هو المُراهق وتلك بعضٌ من تناقضاتِه، لكنها طارئة؛ إذ لم نكن نعهدُها فيه من قبل، بمعنى أنَّ تغيُّرات سلوكِه هي اضطرابات ناجمَة عن اقترابه من النُّضج الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي لكنه لم ينضج بعد؛ إنَّه يعيش نوعاً من النموِّ البُركاني مما يفجِّرُ انفعالاتِه وردود أفعاله بشكلٍ ملحوظ.

 

والمسألة ليست تغيراتٍ نفسية فحسب، فالتغيرات الحيوية (البيولوجية) والمستويات الهرمونية المرتفعة تؤدي لتفاعلات مِزاجيَّة على شكل غضبٍ وحدة في الطباع عند الفتية، وغضبٍ واكتئابٍ عند الفتيات.

إن أحبتنا وهم يتخطون عَتبَة الطفولة إلى عالم الكِبار يعانون في هذه الفترة الانتقالية -التي قد تمتد لسنوات- قلقاً وارتباكاً وتناقضاتٍ شتى؛ فالمراهق بين الخمول الذي يتطلب ساعاتِ نومٍ أكثَر وبين النشاطِ المُفرط والسَّهر في الليل، والمراهقة بين الفرح بظهور علامات الأنوثة عليها، ومرتبكةً إلى حد الاكتئاب بسبب العلامات ذاتها!

المراهق يشقُّ طريقه للتحرر والاستقلال عن سُلطَة الوالدين، وهو في الوقت نفسه يحتاجُهما لتأمين الملاذ الآمن والعلاج والطعام والشراب والإحساس بالتقدير.

 

المراهق يَشعر بأنه أرفعُ منزلةً من الأطفال، ويزدري اهتماماتهم وعوالمهم الجميلة، لذا فإنَّه يتعالى عليهم، في المقابل هم يهابون تلك التغيُّرات الجسديَّة المفاجئة الباديةِ عليه؛ فصوتُه الطفولي الناعم صار أجشًّا وخشِناً بطريقةٍ مزعجة. والطفلة المراهقة باتت فارعة الطول وقد كبُرَ أنفها بطريقة تنفِّر صديقات الطفولة الأصغر سنا منها.

إذًا فإن المراهق خَرَج من نادي الطفولة بقرارٍ ذاتي من جهة وعدمِ ترحيبٍ من أعضاء النادي من جهةٍ أُخرى. فإذا انتقل إلى نادي الكبار شارك بمشاركاتٍ غير ناضجة جرَّت عليه التهكُّم، أو لاذَ بالصَّمت حين لم يفهم أحاديثهم ولا تشدَّهُ اهتماماتهم فآثر الانسحاب، والنتيجة أنَّ المراهق غير مُنتمٍ لمجتمعي الصغار والكبار على السواء، أو أنَّه المطرود وغير المرغوب فيه من الجهتين.

 

الخلاصة أن المراهق يعيش خلخَلة نفسيَّة مُزعِجة له قبل أن تكون مُزعِجة لغيره، والتغيرات الجسدية والنفسية الضرورية لوصولِه إلى النُّضج ودخول نادي الكبار لها ضريبة كبيرة، فإذا عرفنا كل تلك المبرِّرات الجسدية والنفسية لسلوكياته الغريبة، وأدركنا أن جزءاً كبيراً منها لا يملك له دفعاً، فكيف يَطيب لنا أن نتركه يدفع هذه الضريبة الباهظة بنفسِه، فنزيد من معاناته بأن نحصُرَ علاقتنا معه بالتوبيخ واللوم والشدَّة.

 

عن أدوارِنا كآباء وأمهات ومربين في تجاوُز المراهقين تلك المرحلة البُركانية بسلام ستتحدَّث المقالات القادمة بإذن الله.