مقابلات

كيف تحدت نانسي طيف التوحد مع أطفالها الثلاثة؟

كانون الاول 05 , 2019

بقلم: لين مخيمر، من فريق أمهات360

"بحبهم.. بحبهم.. بحبهم.."

كلمات مشبعة بالحب سمعتها وقد خرجت من فم أم وهي تتحدث عن أطفالها الثلاثة المصابين بطيف التوحد..

نانسي الطويل.. صاحبة واحدة من أكثر التجارب بسالة في عالم الأمومة وأعظمها سمواً ونبلاً..

استطاعت وهي التي تعيش في فلسطين وتحديداً في مدينة رام الله أن تصنع حكاية جميلة مع أطفالها، برغم الاحتلال وظلمه وبرغم كل العقبات استطاعت أن تعبر، وأن تفتح عيونها وعيون من حولها من أجل أطفالها فقط، ليفهمهم العالم ويحتضنهم ويتقبلهم أكثر.

فقد انتشر في الآونة الأخيرة فيديو قصير لها في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، كانت تسرد فيه قصتها بشكل مقتضب. استمعت إليها جيداً، كان حجم الرضا والحب في حديثها عن أطفالها كبيراً جداً، لقد كانت تجربتها تجربة ناجحة تماماً تستحق أن نرويها هنا وفي كل مكان في هذا العالم..

فقمت بالتواصل معها وطرحت عليها مجموعة من الأسئلة، أجابت عليها جميعها بصدر رحب وزودتني بتفاصيل جعلتني أقف مبهورة أمام ما يمكن أن تتسع له كلمة "أم" من الحب والعطاء..

وهنا أسرد لكم إجاباتها، لربما يكون فيها ما يلهم أمهاتٍ وآباء آخرين يعيشون ذات التجربة وذات التحديات.. إلا أنهم يقدرون اختلاف أبنائهم وتميزهم عن غيرهم، وكأنهم أثمن هدية وهبها الله لبشر!

1. بداية، حدثينا عن نفسك وعن عائلتك.. كم ابن/ابنة لديك؟ وما هي البوادر التي لاحظتها على أطفالك في البداية؟ وكيف كانت رحلة التشخيص؟

اسمي نانسي عثمان الطويل، تزوجت في عام 1990 وأنجبت خمسة أبناء (3 أولاد وابنتين)، ثلاثة منهم (بنت وولدين) يعانون من طيف التوحد والإعاقة الذهنية واضطراب نقص الانتباه مع فرط الحركة (ADHD)، يتفاوتون في شدة الإصابة بين الشديد والخفيف.

بدأت البوادر بالظهور على طفلتي وهي في عمر السنتين، فقد لاحظت أن استيعابها أقل من أقرانها بشكل كبير، وكانت استجابتها للأوامر بعيدة تماماً عما يطلب منها، فإذا طلبت منها أن تجلب لي لعبة ما تأتيني بشيء آخر مختلف!

يسألني الكثيرون عندما أصيبت أول طفلة لي: لماذا أنجبت بعدها؟ والحقيقة أنني أنجبت أطفالي الخمسة متتابعين، والإعاقة الذهنية لا تكون واضحة في البداية، هي إعاقة خفية بحيث يكون الطفل في البداية عادي جداً ثم تبدأ أعراضه بالظهور.

وهي تختلف من طفل لآخر، فطفلي الآخرين كانت البوادر التي ظهرت عليهما في البداية هي الحركة والنشاط الزائدين ومن ثم بعده ظهرت عليهما أعراض طيف التوحد والإعاقة الذهنية، بعكس أختهما.

أما رحلة التشخيص والعلاج فقد كانت صعبة جداً جداً.. عمر ابنتي الآن 27 سنة وقد شخصت في عمر السنتين، أي أن المدة التي قضيناها في هذه الرحلة هي 25 عاماً!

خاصة وأن الأوضاع في فلسطين بوجود الاحتلال قد زادت كثيراً من صعوبة الأمر والتضييق علينا، فلم يكن لدينا قبل 25 عاماً الخبرات اللازمة للتشخيص، حتى أن الناس لم يكونوا يتلفظون بكلمة "توحد" فيستعيضون عنها ببعض المصطلحات مثل "تخلف عقلي" أو "بطء تعلم".

لكنني لم أيأس، بل بدأت أتعلم وأثقف نفسي لأستطيع أن أفهم حالة أطفالي ولماذا يعانون من بطء في التعلم والاستيعاب.

2. كيف استطعت أن تواجهي كل هذا أنت وزوجك؟ وما الذي يعطيك القوة للاستمرار؟

استطعنا أنا وزوجي مواجهة ذلك بإيماننا القوي بالله، أولادنا هدية من الله أكرمنا بها لنقدم رسالة سامية. ورسالتنا أن نرعى أولادنا بالحب والرحمة، وأن نكرس لهم من أيامنا ومشاعرنا وجهدنا الشيء الكثير.

بصراحة أنا أشعر أن وجودي في هذه الحياة مرتبط بأولادي.. أحبهم.. أحبهم وأحمد الله لأنهم هنا.. وهذا حقاً ما يعطيني القوة للاستمرار..

3. كيف هيأتِ طفليك الآخرين؟ وكيف كان تفهمهما وتعاملهما مع إخوتهم المصابين بطيف التوحد؟

ابني الأكبر كان طفلاّ عادياً، أما أخته التي جاءت بعده فقد كانت مصابة بطيف التوحد والإعاقة الذهنية، في البداية لم تبدُ عليها أي من الأعراض، كانا يلعبان معاً، إلا أنها مع الوقت لم تكن تتجاوب معه في اللعب، فكان يتساءل "لماذا لا تلعب معي؟" فنجيبه بأن أختك لا تعرف كيف تلعب.. أنت الأكبر فعلمها..

بعدها رزقت بطفلي الثالث الذي تبين أنه مصاب بطيف التوحد ونقص الإنتباه مع فرط الحركة، وبعده رزقت بابنة ثانية كانت عادية يليها أخوهم الأصغر الذي كان مصاباً وشخص مثل أخويه الأكبر منه. 

بالطبع كانت ابنتي الصغرى تتساءل كثيراً: "لماذا لا تأخذني اختي الكبرى إلى البقالة كما تفعل أخوات صديقاتي" وغير ذلك الكثير من الأسئلة.. فكنا نوضح لها أن بعض الأطفال يكونون مختلفين عن غيرهم، وأنه عليك أنت أن تساعدي أختك وتتفهمي اختلافها.

كانت الأمور صعبة جداً على الأخوين العاديين، لكننا كنا قدوة لهما في التعامل مع اخوتهم، فلم نتذمر أو نتكلم بطريقة سلبية عن اخوتهم في أي مكان وأمام أي كان.. كنا دائماً أقوياء أمامهم وأمام الجميع

ابني الأكبر تزوج قبل فترة، وفي يوم عرسه اقترح علي البعض أن أبقي أطفالي المصابين في المنزل، إلا أنني رفضت فجهزتهم للمشاركة بالعرس وألبستهم أجمل الثياب، وفي ذلك اليوم رقصوا وغنوا واحتفلوا جميعهم.. أولادي الخمسة.. كانوا جميلين جداً، لا أستطيع أن أصف لكم حجم المشاعر التي اختلجت في نفسي.. كانت لحظات أكثر من رائعة..

فسعادتي من سعادتهم.. وما يحزنهم يحزنني.. لقد حاربت كثيرا أنا وزوجي من أجل الدفاع عنهم وعن كل ما يخصهم.. وأحمد الله مئة مرة لأننا استطعنا أن نرعاهم ونحميهم من كل شيء في هذا العالم، فهم أجمل الهدايا وأثمنها..

4. ما هي سبل العلاج والدعم التي لجأت إليها مع أولادك؟ وكيف كان تطورهم واستجابتهم لها؟

للأسف كان الدعم قليلاً جداً ووسائل العلاج قليلة جداً، فنحن نعيش تحت الاحتلال، فلا يمكن لكل الأدوية والعلاجات أن تمر بسهولة عن طريق الحواجز، بالإضافة إلى أنه في منطقتنا تحدث الكثير من المواجهات وضرب لقنابل الغاز الأمر الذي انعكس سلباً على حالة أطفالي.

لذلك، قررت أن أساند أطفالي بنفسي، فلم أعتمد على المعالجين بشكل كامل، فمنهم من كان يغير مكان عمله أو يرحل لظرف خاص، لكنني كنت أتعلم منهم.

فتعلمت من أخصائية النطق كيف أتعامل مع أطفالي ومن أخصائي العلاج الوظيفي تعلمت الطرق التي علي أن ألاعبهم عن طريقها.

كما أنني تخصصت في التربية الخاصة، فقد حصلت بحمد الله على درجة الماجستير بالتربية الخاصة بهدف رعاية أطفالي وأطفال غيري من ذوي الاحتياجات الخاصة 

وأنا الآن موظفة في وزارة التربية والتعليم في دائرة التربية الخاصة، أي أنني اخترت أن يكون عملي متعلق بذوي الإعاقة لأستطيع أن أقدم للأمهات في فلسطين خلاصة تجربتي وكل ما تعلمته في هذا المجال.

أعطيت أطفالي بعض الأدوية التي كانت تريحهم لبعض الوقت لكنها لم تكن معالجة لهم، وكنت أتابع حالتهم مع أحد الأطباء في عمان الذي دعمني وساعدني في متابعة حالة أطفالي بشكل كبير، فكنت أصور أطفالي قبل استخدام الدواء وبعده ثم أسافر إليه في عمان كل شهرين ليتابع حالاتهم ويقدم لي المشورة والدعم.

5. كيف كان تعاطي المجتمع ومن هم حولك مع أطفالك وما يعانون منه؟ وما هو مقدار الوعي المطلوب من المجتمع؟

للأسف وكما قلت لكِ سابقاً، أتعبتني نظرة المجتمع كثيراً، فمفهوم "التوحد" في حد ذاته لم يكن معروفاً أو متداولاً خاصة لدى الجيل القديم، كنت أسمع الكثير من الأوصاف والعبارات التي يطلقها الناس على أطفالي دون أن ألقي لها بالاً.

في المقابل طبعاً كان البعض الآخر متفهماً ومتقبلاً لأطفالي، وهم من قال لي بأن معاملتهم لأطفالي هي انعكاس للطريقة التي يرونني أتعامل بها معهم، فأيقنت أن المجتمع هو مرآة لأفعالنا وتعاملنا مع أبنائنا ليس أكثر.

فأنا لم أعتبر أطفالي عائقاً أمامي في أي مكان أذهب إليه، فكنت آخذهم إلى الخباز واللحام وإلى المولات والمحلات التجارية دون أن أشعر بأي حرج أو ضيق، فقد كانت فكرة الدمج ضرورية بالنسبة لي، ألا يشعر أطفالي بأن المجتمع مكان موحش وغريب عليهم!

طبعاً الوعي في أيامنا أفضل مما كان عليه قبل 25 عاماً، إلا أننا نحتاج إلى المزيد من الخطوات من أجل زيادة الوعي والدمج لذوي الإعاقة بشكل أكبر.

6. هل من الممكن أن يكون لما أصاب أولادك الثلاثة علاقة بأي عامل جيني؟ هل قمت بإجراء فحص البصمة الوراثية DNA للتأكد؟

في الحقيقة قمنا بعمل فحص للجينات في كندا لنا جميعاً أنا وزوجي وأولادي، ولم يتبين وجود أي مشكلة جينية لدينا، لكن الطبيب قال لنا بأن هذا لا يعني عدم وجود مشكلة، فربما مع تقدم العلم يصبح الفحص أكثر تطوراً ودقة ليكشف عن مشكلة قد لا تكون ظاهرة الآن.

أما فحص ال DNA فلم نقم به أنا وزوجي، ببساطة لأننا لم نشعر بحاجتنا لذلك، فإذا كانت المشكلة من طرفي فزوجي لا يريد أن يعرف ذلك، وإذا كان العكس فأنا لا أريد أن أعرف أيضاً، ومهمتنا الآن أن نكرس حياتنا وطاقتنا كلها من أجل أبنائنا ورعايتهم.

7. ماذا تعلمت من تجربتك هذه؟ وهل هناك رسالة ما تودين إيصالها للناس وللمجتمع ولكل من يمر في مثل تجربتك؟

هذه التجربة علمتني الكثير، وجعلت علاقتي بزوجي وبكل من هم حولي ممن دعموني أقوى وأفضل، هذه التجربة جعلتني أدرس وأتخصص في التربية الخاصة، وهو ما لم أتخيل نفسي أفعله في يوم من الأيام.

جعلتني أكتشف مكامن للعطاء في داخلي لم أعلم بوجودها من قبل، حتى صار هدفي في عملي وحياتي كلها أن أساعد باقي الأمهات في تعاملهن مع أطفالهن من ذوي الاحتياجات الخاصة.

أما الرسالة التي أرغب بإيصالها للمجتمع والناس، فهي أن ما حدث لأطفالي قد يحدث لأي طفل آخر من حولكم، لذلك أرجو منكم أن تتقبلوا هؤلاء الأطفال وأن تتوقفوا عن إلقاء المسميات والألقاب عليهم جزافاً.. فكلمة إحسان واحدة كفيلة بأن تغير مجتمع بأكمله.

ولكل من يمرون في مثل تجربتي، أقول لهم أن هذه هي الرسالة العظيمة التي اختاركم الله من بين باقي الناس لحملها وإيصالها.

لكل أم تشعر باليأس الآن، لا بأس، اصرخي عبري عن حزنك وتعبك ومخاوفك فهذا حقك، لكن بعد هذا كله قفي مجدداً على قدميك أقوى من قبل، وتذكري أنكِ موجودة هنا لأجل طفلك أو طفلتك.. لحمل الرسالة.. ولا شك أنك ستنجحين في ذلك...