قصص أمهات

أرضعت طفلتي لعامين وأرضعت طفلين آخرين!

آب 05 , 2019

بقلم: أسماء أبو الذهب، أم لطفلة.

دعوني أخبركم قصتي من البداية، تربيت في بيئة لا تشجع الرضاعة الطبيعية فأمي لم ترضعنا أنا وإخوتي إلا حليباً صناعياً، وذلك لقلة الدعم ممن حولها! فكبرت وتربيت على أن الطبيعي هو أن نعطي حليباً صناعياً وليس شيئاً آخر! فلم تكن الرضاعة الطبيعية أمراً مطروحاً من الأساس وإنما غريباً ومستبعداً.

قبل الحمل وخلاله قرأت العديد من الكتب عن الحمل والولادة والرضاعة، فأنا أعاني من السكري النوع الأول (أي أنني معتمدة على الإنسولين) فكان لزاماً علي أن أقرأ وأثقف نفسي وأن أكون واعية لأدق التفاصيل من أجل صحتي وصحة طفلتي، ومع كل معلومة كنت أقرؤها كانت أفكاري تتغير وتتسع مداركي أكثر حتى عرفت أموراً لم أكن أعرفها من قبل، خاصة بعد قراءتي لكتاب The Womanly Art of Breastfeeding والذي أعتبره مرجعاً في الرضاعة الطبيعية.

فعزمت أن أعطي صغيرتي أفضل بداية في هذه الحياة، وعلى الرغم من قناعتي التامة بالرضاعة الطبيعية إلا أنني اشتريت زجاجات للحليب، وبحثت عن أفضل نوع حليب لأشتريه إذا لزم الأمر، على أن يكون عضوياً وغير معدل جينياً مثل معظم الأنواع في الأسواق وبأقل كمية مواد حافظة. لكن بحمد الله لم أشتر علبة يوماً ولم أدخله إلى بيتي.

ولادتي كانت قيصرية وغير مخطط لها، ونتيجة لخطأ طبي في العملية حدثت معي مشاكل كثيرة ومضاعفات حرمتني أن أرضع طفلتي مباشرة في غرفة العمليات. لكن هذه كانت مشيئة الله.

كنت مستعدة تماماً لأي سيناريو، فأوضحت في خطة الولادة (وهي ورقة تعطيها الأمهات للمستشفيات في الولايات المتحدة حيث أعيش تشرح بها الخطوات التي تود اتباعها معها ومع طفلها خلال الولادة وبعدها) أنه من غير المسموح أبداً إعطاء طفلتي الحليب الصناعي تحت أي ظرف، وفي حال انخفاض مستوى السكر (كوني مصابة بالسكري) فيمكنهم إعطاء الغلوكوز فقط، وبحمد الله لم ألجأ لذلك.

بالطبع فإن الأمهات في الوطن العربي يستطعن تبليغ المستشفيات مسبقاً بكل ما يرغبن به فيما يتعلق بولاداتهن، إذا لم تكن ورقة "خطة الولادة" متوافرة في هذه المستشفيات.

بقيت لفترة طويلة في غرفة الإنعاش، إلا أن صغيرتي انتظرتني لست ساعات مع والدها بدون حليب صناعي حتى خرجت، فأحضرتها لي الممرضة ومباشرة وضعتها على صدري لأنعم بوجود معجزتي بين يدي.

في البداية لم أكن أعلم ماذا أفعل، وكنت خائفة أن أعيد تجربة أمي، لكني بقيت أقول لنفسي أن جسمي الذي استطاع بقدرة من الله أن يُهديني هذه المعجزة برغم المرض والحمل الصعب لابد وأنه يستطيع أن يعطي أكثر وأكثر

بقيت طفلتي معنا في الغرفة طوال الوقت، كانت تنام لساعات وبشرتها الناعمة تلامس جسدي، أرضعتها باستمرار وكنا نتعلم معاً يوماً بعد يوم. ساعدتني في ذلك بعض الممرضات بالإضافة إلى أخصائية للرضاعة الطبيعية أرشدتني ودعمتني هناك. لم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق، إلا أنني كنت مستمتعة بكل لحظة، وكنت قد أخرجت فكرة إعطاء الحليب الصناعي من رأسي تماماً، وفي وسط كل هذا كان علي أن أهتم بجرحي ومعدلات السكر في جسمي وآلام الولادة.

جاءني الحليب بعد أربعة أيام من ولادتي، وكانت طفلتي طوال هذه الأيام ترضع حليب اللبا (أول الحليب)، لم أرَ في ذلك أي قسوة أو جنون كما قد يعتقد البعض، وإنما هذا هو المجرى الطبيعي للأمور كما هيأها الله لنا نحن الأمهات، كنت أعلم في ذلك الوقت أن اللبا سيكون كافياً وأن درة الحليب تحتاج إلى بعض الوقت، وأن الطفل لديه الدهن البني الذي يغطي حاجته في الأيام الأولى ريثما يأتي حليب أمه، وكنت على دراية أيضاً ببعض مضار الحليب الصناعي الذي استبعدته تماماً.

عانيت من التشققات وحمى النفاس والفطريات، إلا أن كل ذلك لم يقف عائقاً أمام إرضاعي لطفلتي، حتى في أصعب الأيام وسط البكاء والألم كنت مستمتعة بأمومتي وبعلاقتي بطفلتي ومتمسكة بالرضاعة الطبيعية المطلقة كخيار.

اعتمدت طفلتي على الرضاعة الطبيعية وحدها لمدة ستة أشهر، وفي عمر السبعة شهور تعلمت الأكل بطريقة Baby Led Weaning (طريقة لإدخال الأطعمة التكميلية بالإضافة إلى حليب الأم)

قمت بإرضاعها في كل مكان من الممكن أن تتخيلوه باستخدام غطاء الرضاعة، في الشارع والمتحف والقطار والحديقة والمطعم ومحل الخضار والطائرة وأمام أهلي!

عدت إلى عملي وأكملت الرضاعة الطبيعية بسحب الحليب بالرغم من ساعات العمل الطويلة و ظروفه، فالسحب كان أولويتي وأفهمت الجميع رجالاً ونساءً في المستشفى الذي كنت أعمل فيه عن أهمية ذلك بالنسبة لي ولطفلتي بكل صراحة.

إلا أنه وفي معظم الأوقات كانت طفلتي ترفض أن تأخذ الحليب المسحوب في الحضانة، فكنت أعوض لها الرضاعة ليلاً برغم التعب.

فصرت أخزن الكثير من الحليب، لأني لا أستطيع التوقف عن سحبه حتى لو لم تأخذه طفلتي لأن ذلك سيؤثر على إنتاج جسمي له. هذا الأمر أعطاني الفرصة -بحمد الله- أن أتبرع به لطفلين هما: أيمي وهارون، كانت أيمي متبناة ومع ذلك استطاعت أن ترضع رضاعة طبيعية مطلقة بمساعدة عدد من الأمهات في الحي كنت أنا واحدة منهن، أما هارون فكانت والدته تعاني من بعض المشاكل وكانت بحاجة لتدعيم حليبها وبمساعدة الجميع استطاعت أن ترضعه طبيعياً دون اللجوء إلى الحليب الصناعي.

بالطبع أنا حزينة أن طفلتي ليا لم تأخذ الحليب الذي كنت أسحبه، إلا أنني سعدت حين استطعت أن أفيد غيري، أي أنه لم يذهب هدراً بل كان كله خير و أصبح لدي طفلان بالرضاعة بحمد الله أنا على اتصال دائم بهما.

وبعد مرور سنة ونصف، فطمت طفلتي عن رضاعة الليل، فكان زوجي يحملها ليلاً ويعطيها الماء لتعود إلى النوم، بعدها فقط استطعت أن أستمتع بالنوم من جديد! ثم قللت عدد مرات الرضاعة من مرة إلى ثلاث مرات في اليوم، وقد تزيد في أيام عطلتي، كما أن ليا كانت منطقية في رضاعتها فلا تأخذ إلا حاجتها.

أنا سعيدة جداً بما حققت مع طفلتي، وصدقوني ليس هناك أجمل من اللحظة التي أضعها على صدري عندما أعود من العمل!

الآن طفلتي تبلغ من العمر سنتين، وقد قمت بواجبي تجاهها، وأنا مستمرة معها في الرضاعة الطبيعية إلى أن تفطم نفسها برفق وهدوء و حب، فأنا وهي لسنا مستعدتين للفطام بعد.

الكثير ممن حولي نصحوني بالتوقف، لكني لم أجد مبرراً لذلك، فليس هنالك أية مشكلة في أن أرضع طفلتي لبعد السنتين، فالفائدة مستمرة ومناعة طفلتي في مرحلة التكوين وهي لازالت بحاجة لهذا النوع من الدعم. الرضاعة الممتدة خيار رائع، وإن إرضاعك لطفلك لأي فترة ولو كانت ساعة واحدة هو هدية لا تقدر بثمن!

العبرة من قصتي هي أن وعي كل من الأم والأب هو ما يزيد من فرص نجاح الرضاعة الطبيعية، وبالطبع هذا ينعكس على صحة الطفل ونموه بشكل أفضل.

صحيح أني أنجبت طفلتي في مستشفى داعم للرضاعة الطبيعية في الولايات المتحدة، لكن هناك عوامل كثيرة أخرى توفرت أهمها الإرادة والوعي.

لكل أم تعاني من أجل إرضاع صغيرها، أنا وعلى الرغم من العملية والمرض والغربة والعمل وغير ذلك الكثير من العوامل استطعت أن أرضع طبيعياً، وأنت أيضاً تستطيعين ذلك مهما كانت تجاربك السابقة صعبة أو غير موفقة.. لم يفت الأوان بعد!

أتمنى أن يمنحني الله وكل الامهات القوة دائماً.


اقرئي أيضاً:

كيف استطعت إنجاح الرضاعة الطبيعية بوجود طفلة عمرها أقل من عامين في المنزل
١٣ حالة خاصة أو صحية يمكن أن تؤثر على الرضاعة الطبيعية
أساسيات الرضاعة الطبيعية: كيفية البدء
السبب الخفي وراء الألم الشديد الذي تشعرين به أثناء الرضاعة الطبيعية
عانيت مع طفلتي في الرضاعة الطبيعية.. وهذا هو السبب!
نصائح خاصة لرضاعة طبيعية صحية ومثلى
٨ عوامل تساعد على إنجاح الرضاعة الطبيعية منذ ولادة طفلك