أسس تربوية

وثائقي "ليفينغ نيفرلاند": ماذا نتعلم كأهل؟

آذار 10 , 2019
حنان زين الدين
أتمت حنان الماجستير من الجامعة الأردنية عام ٢٠٠٥، حيث كان موضوع رسالتها التي أعدتها لنيل الماجستير يتناول التعلق لدى المراهقين وعلاقته بتقدير الضغوط ا...المزيد

منذ بداية هذا العام، بدأ الجدل حول عرض فيلم وثائقي بعنوان "ليفينغ نيفرلاند" (مغادرة نيفرلاند) قبل البدء بعرضه. وهذا الفيلم يتناول شخصين يقولان إن مايكل جاكسون تحرش بهما جنسياً في طفولتهما، رغم أنهما كانا قد شهدا في المحكمة لصالحه عندما كان متهماً بالتحرش في قضيتين مختلفتين، حيث شهد كلاهما في المحاكمة الأولى، وأحدهما في المحاكمة الثانية. وفور أن ظهر الإعلان التشويقي لهذا الفيلم، حتى انقسم الناس بين مؤيد ومدافع عن شخص مايكل جاكسون.

كاد الأمر أن يمر بالنسبة إلي مرور الكرام لولا عملي على عدد من المواد المتعلقة بحماية الطفل مع عدة منظماتٍ تعنى بحماية الأطفال وأمنهم وسلامتهم. لذا وجدتُ لزاماً عليّ أن أدلي بدلوي في الموضوع وأن أتطرق إليه لأخذ العظة والعبرة منه من ثلاث زوايا مهمة، وفيما يلي شرح مختصر لها:

الاستمالة من قبل المعتدي

حسب كلام المخرج في لقائه والضحايا مع أوبرا وينفري؛ فـ"الموضوع ليس عن مايكل جاكسون، بل استمالة الأطفال وصولاً إلى التحرش الجنسي". وعند مشاهدة الفيلم، يمكنك مشاهدة كيف يتم الإيقاع بالضحايا (بغض النظر عن شخص جاكسون) ونفسية الضحايا آنذاك وتعلقهم بالشخص وظنهم بأنهم مميزون، بل وحتى حبهم لذلك الشخص، وكيف أن هذا أثَّر فيهم نفسياً بشدة وقتها، ويستمر في التأثير على حياتهم لاحقاً حتى حين كبروا وأصبحوا أمهات وآباء.

إن الاطلاع على عملية الاستمالة (Grooming) هذه مهمة جداً؛ لكي يفهم الناس كيف يعمل المعتدي على كسب ثقة الطفل ومن حوله لفترة طويلة حتى يصل إلى هدفه، حتى لو كان شخصاً قريباً من الأسرة، أو كان من المحارم. لذا، من الضروري الحذر ثم الحذر ثم الحذر.


نيفرلاند فالي رانش
المصدر: https://www.welt.de/english-news/article2731240/Michael-Jackson-has-sold...

كثيرون يتخيلون أن الإساءة الجنسية تعني الاغتصاب والأخذ عنوةً وأنها من شخص غريب وتحدث فجأة. إلا أن كل من يعمل في مجال الدعم النفسي لمن تعرض لمثل هذه الخبرات يدرك أن الأمر ليس كذلك بالضرورة. كما أن المعتدي قد يظهر في ثوب حملٍ وديع، لكن إساءته تلك يمكنها أن تدمر حياة أشخاصٍ وأسر بأكملها، إن لم يكن الآن فلاحقاً، بما فيها حياته هو.

الحالة النفسية للمعتدى عليه

الاطلاع على الفيلم يفتح أعيننا أيضاً على طريقة تفكير المعتدى عليهم ومشاعرهم في مرحلة الاستمالة قبل التعرض للإساءة، وفي أثنائها، ولاحقاً بعدها في الطفولة وفي الرشد. ونستطيع أن نرى مشاعر الإعجاب والشعور بالتميز ثم الألم والاستغلال والغيرة، ثم الحيرة وإنكارهم لما حدث أمام الناس بل وشهادتهم بأن الإساءة لم تحدث أبداً، وتصديق الكذبة أنفسهم؛ لأن الإقرار بالحقيقة سيؤلمهم هم قبل غيرهم وسيدمر نفسياتهم وحياتهم وكل وجودهم، وشعورهم القاتل لاحقاً بالذنب والحيرة والوحدة والغضب وتفريغ ذلك على من حولهم من أحباء وأقارب.


صورة لمايكل جاكسون وأحد الضحايا جيمس سيفتشاك
المصدر: https://mjandboys.files.wordpress.com/2016/05/2030427_orig1.jpg

كل هذه المشاعر المتناقضة تؤثر في رؤية الضحية لنفسها ولما حولها وللمحيطين بها. توجد كتب ومصادر متنوعة حول نفسية الضحايا، إلا أن الاستماع إليها في الفيلم مهم للتوعية وللانتباه للخطر الذي يأتي من مأمن.

العلاج النفسي

كثير من المستنكرين للفيلم يتساءلون: لماذا الآن بعد أن مات؟ لا بد أن السبب مادي! ما الذي يريدونه؟ انظر كيف يتكلمون بهدوء رغم هول الموضوع، لا بد أنهم يريدون الشهرة فقط.

مرة أخرى، لنجرد الأشخاص من أسمائهم، ولننظر إلى الأمر من زاوية العلاج النفسي. من عملي على الترجمة النفسية وإعداد مواد مختلفة لحماية الأطفال والوقاية من التحرش وإطلاعي على عدد من الحالات والمصادر، يمكنني أن أقول إن هنالك عدة أسباب لتحدث الضحايا بعد مرور هذا الزمن الطويل:

  1. هذه الجرائم لا تسقط عادةً بالتقادم. حتى لو كبر الضحايا فإن لهم الحق في طرحها في أي وقت.
  2. عندما يخضع الشخص للعلاج النفسي، قد يوصي المعالج في مرحلة متقدمة من العلاج باللجوء للمحاكم والمطالبة بالحق لإتمام العلاج النفسي تماماً. لذا فهم في رحلةٍ مستمرة من السعي للعلاج ولن تنتهي حتى لو حصلوا (أو لم يحصلوا) على تعويضٍ مادي عن الضرر النفسي، ولن يكفي أبداً.
  3. الهدوء والثقة التي يتكلم بها الضحايا تبدو نتيجة العمل النفسي المستمر على حل أزمتهم النفسية وما حل بهم من ضرر. إن الوصول إلى هذه المرحلة من الهدوء والثقة في تناول الموضوع ليس سهلاً وليس وليد يومٍ وليلة، بل هو نتيجة جلسات طويلة من العلاج.
  4. حين يكسر أحدهم محظور الكلام ويبدأ بالحديث، فإن الأمر يصبح أسهل على غيره لأن يصيح: "لقد حدث ذلك معي أيضاً" وهذا ما حدث هنا، وهذا ما جعل الكثيرين يتوقعون أن يظهر المزيد من الضحايا قريباً.

وإذا لم تريدوا مشاهدة الفيلم نفسه تجنباً للتأثير النفسي للموسيقى والإنتاج والإخراج، فيكفي أن تشاهدوا لقاءهم مع أوبرا وينفري وتكونوا انطباعاتكم الخاصة، مع أني أوصي بمشاهدة الفيلم على صعوبته وصعوبة التفاصيل الواردة فيه؛ لأنه فعلاً قوي في التوعية بالمصائب التي قد تحدث بينما الأهل يظنون أن أبناءهم في أيدٍ أمينة.

وفيما يلي رابط اللقاء: