أسس تربوية

حماية الأطفال من التحرش: التوعية مسبقاً

كانون الثاني 10 , 2019
حنان زين الدين
أتمت حنان الماجستير من الجامعة الأردنية عام ٢٠٠٥، حيث كان موضوع رسالتها التي أعدتها لنيل الماجستير يتناول التعلق لدى المراهقين وعلاقته بتقدير الضغوط ا...المزيد

لاحظتُ تكرر الأسئلة حول موضوع التحرش الجنسي بالأطفال، سواءً في الواقع أو عبر الإنترنت. ولم يعد مستبعداً أن يأتي طفلك أو طفلتك ليقول لكِ إن فلانة طلبت مني أن ترى مؤخرتي، أو أن فلاناً أخبرني أن "نلعب عريس وعروس" وأن نبقي ذلك سراً.

ومع تعمقي في هذا الموضوع، وبحثي عن بعض المصادر ومقاطع الفيديو، وجدت الكثير من التعليقات من أشخاص يقولون إنهم تعرضوا للتحرش في صغرهم، ويعرضون تفاصيل مؤلمة. لذا، رأيت ضرورة الكتابة عن هذا الموضوع لتوعية الأمهات لما يمكن أن يتعرض له أطفالهنّ، وكيف وسأخصص لذلك مقالين: الأول عن الوقاية، والثاني عن طريقة التعامل مع الموقف في حال حدوثه.

قبل كل شيء، من الضروري أن تكون علاقتك مع أبنائك تتسم بالثقة والأمان، وأن يعرفوا أنهم يستطيعون اللجوء إليكِ والتحدث معكِ في أي وقتٍ يشعرون فيه بالقلق أو الخوف أو الألم، أو عندما يضايقهم شخص ما، وأن يكون رد فعلك متسماً بالتقبل والمواساة أولاً واستيعاب مشاعر الطفل، ثم تستشيرينه في طريقة التصرف التي تحبين أن تكون ملائمة. هذا عموماً وفي أي موقف ومشكلة، ولا يتصل بالتحرش الجنسي تحديداً.

 

بعد ذلك، من الضروري أن تتحدثي مع طفلكِ حول الأماكن الخاصة في جسمه، وأنه لا يجب أن يلمسها أحد أبداً إلا للضرورة وفي وجود الأم أو الأب أو كليهما (مثل ضرورة الفحص لدى الطبيب في وجود الأب). قد تتساءلين عن العمر الملائم لفتح مثل هذا الموضوع، وهنا أقول لكِ إنه أي عمرٍ تتركين فيه ابنكِ وحده في أي مكان: في المدرسة، أو أماكن التدريب المختلفة، أو حتى المسجد أو الكنيسة، وغيرها من الأماكن التي قد يرتادها وحده بعد الوصول إليها بأمان. الأرقام مخيفة حول عدد الأطفال الذين يتعرضون للتحرش في أعمار صغيرة (قبل بلوغ الطفل 5 سنوات)، ولا تنجوا من هذا الأمر دولنا العربية.

 

ومن الضروري أن لا تكتفي بالتنبيه من الغرباء فحسب؛ فالمتحرش يمكن أن يكون شخصاً قريباً، بل وقريباً جداً. وتبين بعض الدراسات أن بعض المتحرشين يمكن أن يظهروا بمظهر الأبرياء ويستميلوا الأطفال مرة بعد مرة حتى يتمكنوا من الوصول إلى ما يريدونه منهم. ويبدؤون بذلك بهدوء وبطلب الاحتفاظ بأسرار بسيطة مثل الحصول على هدية أو قطعة شوكولاتة منهم، ثم اللمسات البريئة، وصولاً إلى التحرش الجنسي. لذا، ركزي على تذكير الطفل بأهمية الشعور بالأمان؛ فإن كان يشعر بالأمان فهذا جيد، أما إذا شعر بالقلق والتوتر والضيق بسبب سلوكيات أي شخص حوله مهما كان مقرباً، صغيراً أو كبيراً، فيجب أن يقول لا، وأن يترك المكان، ويخبركِ بما حدث فوراً أو أن يخبر شخصاً بالغاً في المكان الموجود فيه (المعلم، مديرة المدرسة، حارس الأمن، أو رجل الشرطة لو كان في الشارع).

 

شجعي طفلك على احترام ممتلكاته وجسمه، واحترام ممتلكات الآخرين وأجسامهم، فلا يلمس شيئاً أو يأخذ لعبةً من شخص آخر من دون إذنه، ولا يعانق صديقه وهو لا يرغب في ذلك. ومن الضروري أن تشجعي طفلك على ذلك حتى مع الكبار، ولو كانوا من الأقارب ممكن أن يحرجوا الطفل ويدفعونه للقيام بذلك رغم أنه لا يريد، فكم من طفلٍ مسح قبلةً من عمه مثلاً لأنه لا يريد ذلك! لا أقول المبالغة في هذا الأمر، بل احترام رغبة الطفل لكي يتعلم أن يقول لا ولا يرضخ للإحراج أو الإجبار بالتخجيل طالما الأمر يتعلق بجسمه وممتلكاته. هذا سيساعده أيضاً في تجنب السلوكيات الأولية التي قد يلجأ إليها المتحرش لاستمالة ضحيته، ورفضها وإخباركِ بها.

  

يمكنك أيضاً ربط التصرف المناسب في مثل هذه الأوقات بدلالات إشارة المرور: توقف، استعد، انطلق. فحين يضايقه أحد عليه أن يقول له "توقف"، وأن "يستعد" لمغادرة المكان لو استمر ذلك السلوك، ثم "ينطلق" ويخبر شخصاً آخر من البالغين حوله. انتهزي الفرص والمواقف والحكايات المختلفة لتذكير أبنائكِ بهذا الأمر بدءاً من المواقف البسيطة، مثل: لو دغدغ أحدهم أخاه بصورة تضايقه فيمكنه التدرب على ذلك: توقف، استعد، انطلق. لو حاول ولد آخر مضايقته في الصف: توقف، استعد، انطلق.

 

من الضروري أن أنوّه إلى عدم "إغراق" الطفل بكل هذا التحذير والتذكير دفعة واحدة، بل على مدى عدة مرات، مع استغلال المواقف المختلفة والمتنوعة لتنبيههم. لو وجدتِ قصةً مناسبة تتحدث عن هذا الأمر فيمكنك استخدامها، ويمكنك الاستعانة بهذه الأغنية الجميلة التي تذكرهم بملكيتهم لجسمهم وضرورة إخباركِ لو ضايقهم أحد

 

 

 

في المقال التالي سنتحدث عن طرق التعامل مع الأطفال في حال حدث مثل ذلك الأمر معهم وأخبروكِ به.