قصص أمهات

كوني أم لطفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة لا يعني نهاية عالمي!

كوني أم لطفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة لا يعني نهاية عالمي!
النشر : يناير 23 , 2022
آخر تحديث : مايو 22 , 2022
رشا الطاهري رشا الطاهري
محبه للحياة، مهتمة بالعلوم الإنسانية وعلم النفس والأزياء والتصميم. كاتبة مقالات حُرَّه في صحيفة صدى السعودية، درست إدارة الأعمال وعلوم الحاسب، عملت في... المزيد

 

قصص أمهات

قصة الأم: حوريه، أم زينب

نعمة الأمومة من النعم العظيمة التي لا تقدر بثمن، والأطفال هم ملائكة الرحمن المرسلون إلينا ليضيئوا حياتنا ويغمروها بالحب والجمال، وقد خصني الله ورزقني بملاكي الصغير زينب، قد تختلف صغيرتي قليلاً عن بعض الأطفال قد تبدو هادئة معظم الأوقات، صامته في الأغلب، لا تركض في أرجاء المنزل وتسقط الأشياء من مكانها كبقية الأطفال، لا تنطق بكلمات مثل ماما وبابا، نعم هي مختلفة ومميزة وغير عادية ولا بد لي أن أصبح أماً غير عادية لكي أعتني بها بالشكل الذي تحتاجه وتستحقه.

كان حملي بطفلتي زينب حمل طبيعي ومن دون أن أواجه أي مشاكل صحية أو مضاعفات، وضعتها مبكراً في آواخر الشهر الثامن وكانت ولادة طبيعية، بعد ذلك أتى تشخيص زينب بحالتين الأولى تسمى (Microcephaly)؛ وهي حالة عصبية يكون فيها حجم الرأس أصغر من الحجم الطبيعي نتيجة لتوقف نمو الدماغ في الرحم، أو عدم نموه بالقدر الكافي بعد الولادة. والثانية تسمى داندي ووكر (Dandy Walker Syndrome)؛ وهي عيب خلقي يصيب المخيخ ويجعله ضامراً أو غير مكتمل النمو. ونتيجة لهذه المشاكل في المخ والمخيخ تعاني زينب من تشنجات مستمرة وتأخر في المهارات الحركية، وضعف في الإدراك ومشاكل في البصر والسمع.

وحسب تحليل الأطباء، تبين أن الفيروس المسبب لحالتها الصحية هذه قد انتقل إليها أثناء حملي بها، وبعد عمل الفحوصات تبين أن وجود هذا الفيروس في الأساس وراثي على الرغم من أننا أنا وزوجي لسنا أقارب، وما زال الفيروس متواجداً في جسمي، ولكن بصورة خاملة.

قضينا فترة طويلة في المستشفى بعد الولادة تنقلت خلالها بزينب ما بين العناية المركزة وقسم التنويم، وظلت طوال هذه الفترة تعتمد على أنبوب الأكسجين.

بالتأكيد كأي أم كان وقع الأمر صعباً جداً علي، فالموضوع أتى بشكل متسارع وتدهورت حالة طفلتي تدريجياً، بحثت كثيراً وسألت الأطباء عن تفاصيل الحالة، في بادئ الأمر لم أستوعب كثيراً وكنت أبكي كلما تعلمت معلومة جديدة عن وضعها الصحي الصعب، ولكنني لم أسمح لنفسي بأن أنغمس في الحزن والكآبة وأن أهمل صحتي وصحة ابنتي، استوعبت سريعاً بأن طفلتي في أمس الحاجة لي وتحتاج من أمها أن تكون قوية وبصحتها الكاملة لأجلها.

فأنا لدي قناعة بأن الحزن يسبب ألماً عضوياً وليس نفسياً فقط، وفي وضع زينب الخاص كنت بحاجة لكامل طاقتي وقوتي، لذلك لم يكن من صالحي أن أعيش في دائرة من الكآبة والحزن، ولا من صالح طفلتي لأنها تستمد قوتها وثقتها مني.  

فرفضت أن أعطيها الحليب الصناعي، وتمكنت بفضل الله من أن أرضعها رضاعة طبيعية، لأنني أدرك تماماً أهميتها وفوائدها للأطفال الرضع. واستمرت طفلتي على ذلك حتى فقدت مهارة المص، لذلك كان لابد أن تتحول إلى التغذية الأنبوبية.

بدأت بعد ذلك في رحلة التعلم والتأقلم مع وضع زينب الخاص، وبدأت رحلة الورقة والقلم، كنت أقوم بتسجيل كل الملاحظات والمعلومات من الأطباء وجميع الأدوية والمواعيد، وبسبب وضع زينب الخاص واحتياجها الدائم للأكسجين، قررت ترك عملي كمصورة محترفة والتفرغ بشكل تام لابنتي، بالطبع لم أكن لوحدي فكان للأهل فضل كبير في مساعدتنا، فقبل أن أبدأ بقيادة السيارة كنت أستعين بوالدي وأخواني في أخذ زينب لمواعيدها، كذلك كانت والدتي وأم زوجي تساعدان بإرسال الوجبات لنا، كما ساعدتني أختي في الاعتناء بزينب في بعض الأوقات لأتمكن من أخذ غفوة، وفي التنظيف والأعمال المنزلية أيضاً، كنت أظن أنني سوف أحتاج لخادمة لكي أسيطر على حياتي في الوضع الجديد، ولكني استطعت بالتنظيم وبعض المساعدة من زوجي الذي كان يعينني في الاعتناء بزينب ويقدر انشغالي وتعبي، ويجنبني الكثير من الزيارات العائلية والمجاملات الاجتماعية التي لا طاقة لي بها، عدا عن الدعم المعنوي العظيم الذي يقدمه لي حتى سيطرت على الأمور ولله الحمد.

لا أخفيكم مرت علي أوقات صعبة جداً، كنت أشعر بأني تائهة أحياناً تنقصني الكثير من المعلومات والمهارات الحياتية التي تجعلني أتأقلم مع وضعي الجديد، ولكني بدأت من الصفر وتعلمت الكثير أثناء بحثي المكثف عن حالات مشابهة لحالة زينب، وأغلب الحسابات التي ألهمتني كانت حسابات أجنبية لأمهات أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة يتشابه وضع أطفالهم مع وضع زينب وأحياناً تكون لحالات أشد صعوبة.

ذهلت عند متابعتي لهم من تقبلهم الشديد وتأقلمهم مع وضعهم الخاص دون أن يهملوا حياتهم أو يقصروا بحق أنفسهم أو أطفالهم، لقد تعلمت الكثير منهم في رحلة بحثي ولهذا قررت أن أشارك تفاصيل قصتي ويومياتي مع بطلتي الصغيرة زينب لكي أكون مرجعاً لجميع الأمهات العربيات اللاتي يمررن بنفس الوضع، ولكي أجعل المجتمع مكاناً آمنا ومتقبلاً لطفلتي بشكل أكبر.

وأخيراً أحب أن أقدم نصيحة لأمهات الأطفال المميزين من ذوي الاحتياجات الخاصة، تقبلي حالة طفلك بكامل تفاصيلها وكامل احتمالاتها السيئة، هذا القبول سوف يساعدك على الوصول لرضى داخلي وراحة نفسية، ثقفي نفسك ومن حولك بتفاصيل حالة طفلك.

صحيح، لا يوجد إنسان خارق، ولكن يوجد إنسان مسؤول، ونحن كأمهات لأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة مضطرين لأن نكون أقوياء وأن نواجه تلك المصاعب مهما كلف الأمر، لا نملك خياراً آخر! فالتخلي أو الإهمال ليس خيار أبداً.

ثقتك وسعادتك بطفلك ستنعكس على ثقته بنفسه، لا تعزليه عن العالم، اعتني بلبسه وأناقته واصحبيه معك في كل مكان تذهبين إليه، دعيه يختلط مع الأطفال فهذا سيساعد في تطوره الذهني، فمن حقه كأي طفل آخر أن يرى العالم من حوله ويستمتع به.

 

 

 

مواضيع قد تهمك

الأكثر شعبية