أسس تربوية

كيف تساعدين طفلك ليهزم الخوف في داخله

كيف تساعدين طفلك ليهزم الخوف في داخله
يونيو 21 , 2021
نرمين محمود نرمين محمود
أم لطفل واحد يُدعى "تميم"، درست الطب وتركت العمل في المجال الطبي بمجرد ولادة طفلها لتتفرغ له، واجهت مع صغيرها الكثير من التحديات التي لم... المزيد

الخوف هو شعورٌ غريزي نولدُ به جميعاً، نستخدمه كسلاح في مواجهة الأخطار والاحتماء منها، وكلما ازدادت خبراتنا ووعينا في الحياة قلت المخاوف لدينا، وتمكنا من تطوير أساليب أكثر حكمة لمواجهة هذه المخاوف والتعامل معها.

كلنا نخاف.. كلنا خائفون من شيء ما.. تلك قاعدة!

أما عند الأطفال فينقسم الخوف إلى نوعين: خوف يشترك فيه معظم الأطفال من كل مرحلة عمرية كما هو موضح في الجدول، وخوف فردي يكون نتيجة تجربة صادمة تعرض لها الطفل، أو مشهد مؤلم شاهده كون لديه خوفاً دفيناً.


يختلف الخوف عند الأطفال كونه يكون أحياناً غير منطقي -من وجهة نظرنا- متجاهلين بذلك الفرق الشاسع في الخبرات الحياتية َوالمهارات العقلية والقدرات البدنية بيننا وبين ذلك الطفل الصغير.

الخوف عند الأطفال: هو شعور من عدم الارتياح، يصيب الطفل كردّ فعل لتعرضه لتغييرٍ ما أو حدث مؤثر أو شيءٍ مجهول، شعور فطري غريزي تماماً لا يمكن للطفل التحكم به أو التصرف حياله بمفرده.

طفل خائف = طفل يحتاجك

علاج الخوف الوحيد هو بطمأنته، فكلنا نحتاج لمن يشدد أزرنا ويطمئننا بأنه هنا لأجلنا وإن لم نعترف بذلك، كذلك الأمر بالنسبة للطفل الصغير الخائف الذي لا يستطيع التعبير عن نفسه، فيشعر بالخوف فيهرع إليكِ كونك مصدر أمانه الوحيد الذي يعرفه فطرياً.. وهو بذلك ينقل الكرة إليك.

وهنا يبدأ دورك الحقيقي كمربية، فماذا عليك أن تفعلي؟

الإنكار والاستنكار لن يفيد، والتشجيع الزائف لن يفيد!

الطمأنة الزائدة لن تفيد، الإسكات أيضاً لن يفيد!

كلمات مستنكرة مثل: هذا لا يخيف؟ لماذا أنت خائف؟ لا أصدق أنك خائف؟ ألست رجلاً؟ لم تعد رضيعاً!

أو كلمات مهددة مثل: تشجع وإلا أخفتك حقاً! لا تبكي! لا تصرخ! توقف فوراً! تشجع حالاً

أو تجاهل مشاعره واتخاذ القرار بدلاً عنه، مثل: لا شيء يخيف، توقف حالاً! أنت تتدلل! لا أريد سماع صوتك!

كل ردود الفعل السابقة وأكثر هي آخر ما يحتاجه طفلك، فالخوف "كالنار" تتأجج في قلبه الصغير، وتلك الكلمات القاسية "كالحطب" يزيد النار اشتعالاً..

لذا عليكِ فقط أن تتوقفي عن التفكير في أي كلمه أو رد فعل يبتعد عن:

  • الاعتراف بمشاعر طفلك وتصديقها.
  • مشاركته الحديث عنها.
  • ترك الحرية له ليعبر ويأخذ وقته في الكلام.
  • احتواء وطمأنة طفلك.

وحدك تعلمين ما يحتاجه طفلك ليهدأ ويطمئن، فليس كل الأطفال يتشابهون..

 

خطوات لطمأنة طفلك الخائف

بداية علينا أن نتفق أن التربية ليست خطوات ثابتة، وليست روتيناً يمكن تطبيقه على كل الصغار، التربية رحلة تعلم ووعي ومراقبة وبحث لكل من الوالدين والطفل.

لذا هذه الخطوات التي سأشاركك بها لطمأنة طفلك الخائف، ليست سوى أصناف دواء اتفق عليها العلم، وعليكِ أنت أن تحددي الجرعة وتنتقي ما يفيد طفلك، وأن تضعي له خطة العلاج بما يتناسب مع طباعه وشخصيته.

  1. الاعتراف والإقرار بمشاعر الطفل: يمكنك أن تقولي له عبارات مثل: "أنا أعرف أنك خائف.. أنا أشعر بك، لا بأس"، أو "ذلك أمر طبيعي، أنا أيضاً أخاف أحياناً من كثير من الأشياء"، أو "أريدك فقط أن تعرف اني هنا بجوارك لأعتني بك وأسمعك"

  2. وصف ما يخيفه، دعي طفلك يصف لك مشاعره، ويعبر لكِ بحرية عما يخيفه، تحدثي معه عن ذلك الشيء بوضوح بلغةٍ يفهمها وأعطه اسماً إن لم يكن لديه اسم أو لفظ للتعبير عنه.

  3. "سنواجهه معاً"، رافقي طفلك في الوضع المخيف، إن كان ظلاماً أو حيواناً أو مكاناً ما، وأخبريه أنكِ ستكونين معه. وقولي له عبارات مثل: "أنا هنا معك لنهزم ذلك الخوف سوياً، لن يصيبك مكروه بإذن الله ما دمنا سوياً ونتوكل على الله".

  4. طمأنة تدريجية، إذا رفض طفلك مواجهة خوفه لا بأس، تدرجي معه بحكمة في مواجهة ما يخيفه ولا تحولي الأمر لمعركة يجب عليكِ كسبها! اتركيه يأخذ وقته، فقط كوني بجواره وهو يحاول بالتدريج.

  5. لا مشاهد عنف، راقبي المحتوى الذي يشاهده ويتعرض له طفلك بعناية، عقل الأطفال يخزن كل شيء ويستحضره مضاعفاً، مضافاً إليه الكثير من التفاصيل من خيالهم الخصب، لذا أي مشهد عنف تظنينه هيناً سيتضخم في مخيلة صغيرك ليصبح وحشاً عظيماً!

  6. ارسم وحشك، إذا كان طفلك يحب الرسم، شجعيه أن يرسم ذلك المخيف كما يتخيله بكل تفاصيله، واتركيه يشطبه أو يطمسه أو يرسم فكرة للتغلب عليه وعلقي تلك الورقة في مكان ظاهر. يمكن للأطفال الأكبر سناً أن يعبروا عن ذلك بقصة مكتوبة أو حكاية.

  7. إياكِ وتخويف طفلك، لا تهددي طفلك بأشياء مخيفة، ولا تعاقبيه بما يخاف! ولا تدفعيه للقيام بما تريدين بتلك الطريقة، فالخوف مشكلة عظيمة تولد مشاكل أكبر تستغرق وقتا طويلاً جداً لعلاجها، كالتأتأة، والتبول اللاإرادي، والسرقة، والوسواس القهري، والكذب، والفوبيا، وفقدان الثقة بالنفس.

  8. بيئة هادئة وأنشطة ممتعة، حاولي توفير بيئة أسرية واقعية داعمة، تحتوي الطفل وتناقشه وتدعمه في كل شيء، بعيداً عما يخيفه ليكتسب ثقة أكبر في النفس، فيتشرب الأمان ويختفي الخوف لديه بالتدريج. واشغلي طفلك خلال اليوم بالأنشطة المفيدة الممتعة كي لا يفكر كثيراً فيما يخيفه.

  9. علمي طفلك الاستعانة بالله، علميه المعوذات وآية الكرسي، واقرئي له الرقية الشرعية عندما يكون خائفاً، أخبريه عن فضل تلك الآيات العظيمة في حفظ النفس، والإحساس بوجود الله في قلوبنا فيحمينا من كل سوء.

  10. كوني قدوة واستخدمي القصص، القصص مفعولها ساحر في نفس الطفل، احكي لطفلك عن شيء ما كان يخيفك وكيف تشجعتِ وواجهته، فلم يعد يخيفك.

تذكري..

  • كل تلك الخطوات لن تجدي نفعاً إن لم يشعر طفلك بتعاطفك الحقيقي ودعمك الخالص من القلب له، يجب ان يشعر الطفل بحبك وثقتك ليطمئن قلبه ويشعر أنكِ أمانه وسكنه وسكينته.

  • المخاوف الطبيعية مرحلة ستنتهي حتماً، هي فقط مسألة وقت، لذا كوني صبورة ولا تتعجلي النتائج، وذكري نفسك أنك لستِ وحدك، فما يحدث يحدث لكل الصغار في نفس العمر.

  • استودعي طفلك لله، والتزمي بالرقية الشرعية وبالدعاء أن يطمئن الله قلبه، ويصنعه على عينه، ويحفظه بعينه التي لا تنام، تعمدي أن يسمع طفلك دعاءك له ليطمئن قلبه ويتشجع.

 

تجربتي مع خوف طفلي

كخطوة أولى لتعليم صغيري الاعتراف بالمشاعر، ومعرفة المسمى الحقيقي لما نشعر به، بدأنا هذا العام في تسمية المشاعر والتفرقة بينها.

وكان على رأسها "الخوف"، بدأنا بتسميته ب "وحش الخوف"!

كان لدينا وحش خوف المدرسة، ووحش خوف الدواء، ووحش خوف نقطة الأنف، ووحش خوف السباحة..

نواجه كلاً منها بما يتناسب معه، أحياناً تنجح الطريقة وأحياناً نبحث عن أخرى.

كان أول وحش نهزمه هذا العام هو "وحش خوف المدرسة"

في البداية، كنتُ أذهب معه إلى المدرسة حتى بدأ يطمئن ويتعرف إلى المعلمات واستطاع أن يكتسب صديقاً فاطمأن أكثر.

ثم أعطيته كراسة رسم صغيرة، أخبرته أن يرسم عليها كلما تذكرني، أو كلما شعر بالخوف، وأعطيته أيضاً كراسة تلوين في حال لم يرغب في الرسم.

بعد عدة أيام طلبت منه أن يرسم ذلك الوحش كما يتخيله تماماً، ثم تركته يشخبط عليه وعلقنا تلك الورقة معاً.

الخطوة الأخيرة كانت التنفس بعمق أخبرته أنه كلما هاجمه ذلك الوحش، أن يتنفس عميقاً جداً بملء رئتيه، حتي يطرد ذلك الوحش من داخله ويطمئن.

بالطبع كانت تنجح تلك الوسائل أحياناً وتفشل في أحيانٍ أخرى، لكنني لم أيأس، حتى بدأت كراسة الرسم تصبح مهجورة ولم يحتج إلى التلوين لينسى خوفه، فعرفت حينها أننا هزمنا الوحش!

بالطبع أتوقع عودته في العام القادم، ولن أتفاجأ بذلك ولن أعنف طفلي، ربما فقط سأحتاج أفكاراً جديدة تتناسب واهتماماته الجديدة، وإدراكه المتنامي.

فالتربية رحلة صبر وتعلم، لذا كوني مستعدة للرحلة ولا تتعجلي الوصول.

تذكري أن الأم سكن وسكينة وأمان، فلا تخذلي طفلك وكوني داعمه متفهمة.

مواضيع قد تهمك

اسألي خبراءنا مباشرة الآن!

الأكثر شعبية