مذكرات

رسائل من القلب.. مذكرات أم

كانون الثاني 14 , 2019

بقلم: لين مخيمر، من فريق أمهات٣٦٠.

 

قصة أم لثلاثة أبناء*

هذه القصة حدثت معي بالفعل، أحببت أن أرويها هنا لأستحضر تجربة فريدة ومميزة وروحانية بامتياز خصَّني الله بها، فعلى قدر الألم كان احتمالي له وعلى قدر المعاناة كان الفرج!

كان يوماً عادياً جداً، استيقظت باكراً ورتبت أمور بيتي وأوصلت أبنائي إلى محطة الباص كالعادة، ومن ثم تابعت طريقي إلى النادي الرياضي، وبينما أنا أمارس التمارين أحسست بشيءٍ صلب في بطني، لم أعرف ما هو بادئ الأمر ولم أُعر الموضوع أيَّ اهتمام، عدت إلى المنزل وفي حديث عابر مع ابنتي على الهاتف أخبرتها بالأمر، فأصرَّت عليَّ أن أذهب إلى الطبيب للاطمئنان، وهذا ما كان.

في غرفة المعاينة جلست أنتظر مجيء الطبيب، وسبقته الممرضة كما هي العادة لمعاينتي والاستفسار عن سبب الزيارة، ولا أدري لماذا أجبتها بغير وعيٍ مني: " لدي ورم!"، كان ذلك بالتزامن مع دخول الطبيب إلى الغرفة فقال مازحاً ومستهجناً في ذات الوقت: "ما هذا الذي أسمع؟! أتريدين جلب المرض لنفسك؟!"، فضحكت وجلست ليفحصني.

ثم نظرت إليه وقد تغيرت ملامح وجهه، قلت له: "قل لي هل هو ورم كما ظننت؟"، اعتدل في جلسته وقال: "دعينا نجري لك الفحوصات اللازمة ليراها الطبيب المختص قبل الإدلاء بأية استنتاجات".

عدت إلى بيتي ومارست حياتي بشكلٍ طبيعي جداً، ولم أخبر أحداً بما حدث، حتى جاءني اتصال يستدعيني فيه الطبيب المختص للحديث عن نتائج الفحوصات.

نعم كان ذلك الخبيث قد استوطن في جسدي وقام بإتلاف إحدى كليتي تماماً بالإضافة إلى ربع كليتي الأخرى وكان لابد من استئصاله بعمليتين جراحيتين، الأولى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من كليتي المصابة، والثانية لاستئصال الكلية التالفة، ولم تكن صدمتي قد انتهت بعد حتى علمت أنني سأجري العمليتين وبينهما شهرٌ واحد فقط!

كنت امرأة عادية هاجرت مع عائلتها الصغيرة منذ سنوات إلى كندا، وأقامت هناك بعيداً عن أهلها وأحبَّتها، امرأة تعيش حياةً وادعة في بيت لطيف وحديقةٍ كانت تؤنس وحشتها كلما أذكت الغربة نيرانها في قلبها. والآن هي أمام اختبارٍ عظيم وحملٍ ثقيل لا تدري إن كان جسدها يقوى عليه!

جلست أفكر بما حلَّ بي وعاهدت نفسي أن لا أضعف أبداً وأن أتقبَّل مرضي وأسلِّم أمري إلى الله، فكرت بزوجي وأبنائي وأمي وأبي وإخوتي وأخواتي وصديقاتي، فكرت بهم جميعاً، ما أسعدني بكل لحظة قضيتها معهم، أحبهم ولا أريد من الدنيا إلا أن أرى ابتساماتهم وضحكاتهم تدغدغ روحي، كيف أخفف عنهم إذا علموا بمرضي؟! كيف سأخبرهم عن ذلك الاطمئنان الذي حلَّ في نفسي وكان برداً وسلاماً عليها؟ أنا مستعدة لأي شيء مهما كانت النتائج، سأخبرهم جميعاً بذلك أريدهم جميعاً حولي، وإذا كان لابد من الرحيل فليكن جميلاً بحضورهم...

وفي تلك اللحظة فاضت عيناي بالدموع واهتز صدري متنهداً حتى أمسكت بقلمٍ وبدأت أكتب ويداي ترتعشان، كتبت وكتبت.. حتى أفرغت ما في قلبي على الورق، واجتمعت بين يدي ست عشرة رسالة كل واحدة منها موجهة لواحد منهم، وأذكر أنني كتبتها جميعها بدون توقف ولم أمح كلمة واحد منها لأعيد كتابتها.. كانت تأتي مباشرةً من القلب، وهي لم تكن رسائل وداع بقدر ما كانت رسائل مواساة إذا لم تكتب لي النجاة من محنتي هذه. أخفيت رسائلي وهيأت نفسي لما هو قادم.

أخبرت أبنائي أولاً ورأيت الصدمة على وجوههم، أما تعاطفهم ودعمهم لي فقد كان أمراً لا متناهياً، لكنني كنت أدرك تماماً أن ثباتي سيخفف عنهم ويقويهم، فلم أشعرهم بأي تغيير في نظام البيت كنت أطبخ وأصنع الحلوى وأشارك في نشاطات اجتماعية مختلفة، تماماً كما كنت سابقاً.

أما زوجي فقد كان مسافراً فآثرت عدم إبلاغه بالخبر حتى عودته، وعندما علم بالأمر احتضنني وساندني وكان خير داعمٍ لي. كانت تجربة مميزة شعرت فيها بحب الجميع لي، حتى صديقاتي في المدرسة التي كنت أعمل بها اجتمعوا في منزلي وأحاطوني بمحبتهم ودعائهم وابتهالاتهم.. أجواءٌ أودعت في نفسي دعوةً للحب والأمل والسلام...

 

تحدد موعد عمليتي الأولى، ذهبت إليها وقد رافقني زوجي وأبنائي وكانت ابتسامتي تسبقني، كانت لحظات من الاطمئنان والتوكُّل والرضا لن أنساها ما حييت، أي قوة هذه التي مُنحت! وبحمد الله تمت العملية بنجاح باهر وخرجت إلى غرفتي وقد امتلأت بالأحبة وبزهورهم وهداياهم الرائعة.

ثم تلتها عمليتي الثانية، وكان أكثر ما أسعدني حينها وخفف عني هو مجيء أختي الحبيبة لزيارتي ورعايتي في مرضي، فوجدت في زيارتها شيئاً من رائحة الأهل والوطن.

والآن أنا أعيش حياة طبيعية جداً بعد أن اختبرت حجم الحب الذي يُكنُّه الجميع لي، واكتشفت في نفسي قوةً لم أكن أعلم من قبل أني أمتلكها. أما رسائلي التي كتبتها في لحظة تجلٍّ وسكبت فيها ما يجيشُ في قلبي من عواطفٍ وأمنيات، فقد أعرتها لصديقة لي بناءً على طلبها، كان قد أفجعها فقدانها لوالدها، وسُعدت جداً حين أخبرتني لاحقاً أن قراءتها لرسائلي قد ساعدتها حقاً في تخطِّي محنتها هذه.

وأذكر أيضاً أن الطبيب الذي قام بالعملية كان قد طلب مني أن أشارك قصتي في مجلة طبية لديهم، فسألته: "لماذا؟ ما الذي يميزها؟"، وفاجأتني إجابته حين قال: "أنتِ" واستطرد قائلاً: "هذه الطاقة الإيجابية في التعامل مع المرض واجتماع عائلتك من حولك أمرٌ لا يصدَّق، لديك قصة رائعة لترويها!".

 

 

*لم يتم ذكر اسم الأم بناء على رغبتها.