قصص أمهات

وضعتني الأمومة أمام خيار صعب... ولكن لم أندم على اختياري!

كانون الثاني 30 , 2020

بقلم: دعاء النابلسي، أم لطفل

حصلت على عرض عمل جديد!

وظيفة جيدة وخطوة كبيرة إلى الأمام، أما بالنسبة للراتب فقد تم عرض ضعف راتبي السابق، كل شيء يبدو كما أريد تماماً!

لطالما كنت ذات توجه مهني، لكن هذه المرة لم يكن القرار بهذه السهولة!

فالوظيفة تتطلب 54 ساعة عمل أسبوعياً مما يعني وقتاً أقل بل أقل بكثير من الوقت الذي أقضيه عادة مع طفلي، الأمر الذي وضعني أمام خيارٍ صعب.

أعلم أنه بالنسبة للكثير منا لا يعتبر مثل هذا الأمر قضية كبيرة، ففي النهاية الأهم هو نوعية الوقت الذي نقضيه مع أطفالنا لا مقداره، لكنني أريد أن أمنح طفلي أكبر كمٍّ من الذكريات معي، تماماً كما منحتني أمي من قبل.

ما شعرت به حيال هذا الموضوع ذكَّرني بقصة حدثت معي قبل ثلاث سنوات عندما كان عمر طفلي ١٠ شهور.

كنت جالسة مع زوجي في أحد المقاهي بعد أسبوع مليء بالتعب وسهر الليالي – يعود الفضل في ذلك إلى صغيرنا بالطبع- عندها جاءت الموظفة لأخذ طلبنا، فاقتربت من عربة طفلي وابتسمت له بحب وسألتني عن عمره ثم التفتت إليه قائلة: "أنت محظوظٌ جداً"

في البداية توقعت أن الكلام موجه لي، لإعطائي المحاضرة ذاتها بأن علي أن أكون ممتنة لوجود طفلي في حياتي - وأنا بالطبع كذلك - لكنها أكملت " لأن أمك بجانبك".

للحظة كنت مُشَوَّشَة؛ أليس من الطبيعي أن يكون الأطفال بجانب أمهاتهم؟ بالطبع هناك البعض ممن فقدوا أمهاتهم لسببٍ أو لآخر، لكن الموقف لم يكن مناسباً لحديثٍ كهذا.

لذا تساءلت "لِم تقولين ذلك؟"، فتابَعَت: " ابني ذو الثمانية عشر شهراً يعيش مع أمي في الفلبين، فأنا وأبوه نعمل هنا" فتَلَعثَمْتُ متسائلةً " كيف؟ لماذا؟ منذ متى؟".

كان لدي الكثير من الأسئلة حينها، فأخبرتني بأنها ذهبت إلى بلدها في الثلث الأخير من حملها لتضع طفلها هناك، فهم لا يستطيعون تحمل تكاليف إدخال الطفل إلى حضانة أو تعيين جلسية أطفال لتهتم به، فكان عليهم تركه هناك مع جَدَّيه، وبأنها تستطيع زيارته كل عامين لكنها تكلمه يومياً عبر سكايب.

تحدثَتْ كثيراً وكنتُ شديدة التركيز محاوِلةً وضع نفسي في مكانها لإيجاد طريقة أفضل لحياتها، وفي ذات الوقت كنتُ مذهولةً من صبر هذه المرأة وقوتها.

بعد ذلك، اتضح لي بأن هذا الوضع شائعٌ جداً في بلادها، إذ يتعين على العديد من العائلات العيش بشكل منفصل ليتمكنوا من كسب عيشهم وليضمنوا حياةً كريمةً لأنفسهم ولأطفالهم.

لقد مضت ثلاث سنوات على هذه المحادثة وما زلت أذكرها كما لو حصلت بالأمس.

وفي كل مرة أتعب أو أشعر بالإحباط من حياتي كأم، أتذكرها وأدعو الله لتلك العائلة وللعائلات الأخرى أن يجمع شملهم، ثم أُحصي شاكرة النعم التي لا تُحصَى من حولي.

ولأني أحاول أن أكون عملية، فإن هذه الحقيقة جعلتني أدرك قوة الحاضر الذي أمتلكه.

وعليه، فأن من واجبي على نفسي وعلى عائلتي أن أجعل كل يومٍ وساعةٍ من حياتنا تستحق العيش، وسأكون ممتنةً دائماً للوقت الذي أقضيه مع طفلي.