قصص أمهات

مرض نادر سلب مني طفلي يارا وإلياس

تشرين الثاني 09 , 2020
آية صرصور
آية صرصور، أم لطفلة٬ فلسطينية وتعيش في فلسطين٬ كاتبة محتوى باللغة العربية ومترجمة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية وبالعكس٬ كما أنها تعمل في التس...المزيد

قصة الأم تسنيم بقلم آية صرصور

حملت ابنتي في رحمي تسعة أشهر وفي قلبي سنين، طفلتي الأولى التي تعلمت معها الأمومة والصبر، انتظرتها أشهر وخسرتها في أشهر، أشهر لم تكن كافيةً لأنظر إليها، ولم تكن كافية لأشبع من عينيها وأحتضنها، وعلى الرغم من صعوبة هذه الأيام ومرضها، إلا أن قلبي دق لها، ومعها أصبحت أماً وستبقى طفلتي الأولى وأول من حملت أحشائي وذاب قلبي على فراقها، ولكنها لم تكن الأخيرة، دق قلبي ثانيةً لطفلتي جود والتي معها عرفت الأمومة بأجمل صورها، ولكن عاد قلبي لينفطر ثانيةً على طفلي إلياس. 

صورة الطفلة يارا
الطفلة يارا

ابنتي يارا، التي ولدت تعاني من مرض وراثي نادر يدعى تصخر العظام، وهو حالة نادرة، ولكن شاء الله أن تكون ملاكي أحد الأطفال الذي يصيبهم هذا المرض، ولدت في هيئة مختلفة، فهي كانت تعاني من العديد من المشاكل الصحية، فهذا المرض يزيد من مستويات الكالسيوم في الجسم وتصبح كثافته عالية في العظام، وبالتالي يكون الطفل معرضاً للكسور في مختلف أنحاء الجسم، بالإضافة لمشكلة خنفرة في الأنف، على شكل أعراض مثل  الرشح، وغيرها من المشاكل مثل النقص في صفائح الدم وتضخم الكبد والطحال والأنيميا وفقدان السمع والبصر وآلام حادة في العظام والصداع وبطء النمو والشلل.

 

أعلم أن ابنتي لم تكن تسمعني أو تراني جيداً، ولكنني واثقة أنها كانت تعلم أنني أمها، أمها التي لم تستطع أن تحتضنها بالقوة التي كانت تحلم بها، لم تستطع إرضاعها، أو منحها القوة والغذاء من جسدها، حاولت بكل ما أملك من قوة وطاقة أن أعالج ابنتي، على الرغم من أنني لم أكن على دراية بماهية هذا المرض ولا كيفية مواجهته، ولم أجد المعرفة اللازمة من حولي!

 

بقينا أنا وزوجي من غير حولٍ ولا قوة، ألجأ إلى الله وأناجيه في صلاتي أن تحدث معجزةً ما وتنقذ ابنتي. وقد قدر الله وما شاء فعل، وفقدت يارا بعد خمسة أشهر ونصف.

 

كانت أياماً من العذاب والألم، عذاب الجسد والروح والقلب، انفطر قلبي على ابنتي، ولكن عوضنا الله وكان كريماً، وجاد علينا بعدها بابنتنا "جود" وأعطانا معجزة وملاك جديد في حياتنا، وقد ولدت بحالة جيدة، واختبرت معها كل تجربة الأمومة بمراحلها الشيقة والممتعة، ضممتها لصدري وأرضعتها، وفي كل قبلة أشعر بجود الله وكرمه، أقدر بكائها وصوت ضحكاتها في المنزل.

 

بدأت معها أستعيد عافية روحي، وعاد لي الأمل والحياة، حتى علمتُ أنني حامل بطفل آخر. لم أكن أتوقع هذا الحمل، وذلك لاعتمادي على الرضاعة الطبيعية كمانع طبيعي، ولكن شاء الله أن يأتي طفلي "إلياس" وعلى الرغم من أن الفحوصات قد أكدت لنا أنه لا يعاني من أية مشاكل أو أمراض، إلا أنه كان مصاباً بذات المرض، وإن كان أقل حدةً.

صورة الطفل الياس
الطفل إلياس

 

بالطبع كان التعامل مع المرض أسهل قليلاً، وذلك لامتلاكنا الخبرة والوعي لمواجهته، وقد كان العلاج الوحيد له هو زراعة النخاع، والذي لم يكن خياراً لعلاج حالة يارا، ولم يكن هناك أمل في نجاح الزراعة لشدة حالتها.

 

ولكن كان الأمر مختلفاً مع إلياس، قمنا بإجراء عملية زراعة النخاع من شقيقته جود، وقد اعتبرت أنها هدية من الله لنا ولأخيها.

صورة الطفلة جود قبل العملية
الطفلة جود قبل عملية الزراعة مع والدها

امتلأت نفسي بالأمل وشعرت بأن طفلي سيتمكن من التغلب عل المرض وأنني هذه المرة لن أخسر قطعة أخرى من قلبي.

ولكن كان للقدر خطة أخرى، وفضل إلياس أن يرافق أخته يارا في الجنة.

 

أصبت بحالة شديدة من الاكتئاب واليأس وكأن غيمة سوداء خيمت على بيتنا، لم تعد لدي رغبة في شيء، حاولت جاهدة للتغلب على هذه المشاعر حتى استطعت بفضل الله استجماع قواي، والعمل على الخروج من تلك الحالة، وأن أرى الجانب الآخر من الحكاية، اعتبرت أن قصتي هي سبيل لمساعدة غيري!

لذلك، قمت بتأسيس مجموعة على منصة الفيسبوك، أعمل من خلالها على توعية الأمهات وتقديم الدعم لهن لمواجهة الأمراض النادرة والوراثية التي قد تصيب أبنائنا، وأطلقت عليه "جرعة أمل"، لتكون مصدراً للأمل والتفاؤل في حياة الأمهات، كي لا يشعرن أنهن وحيدات.

جعلت من هذه المجموعة منصة ولو صغيرة لهن لمشاركة قصصهن وتجاربهن، واعتبارها مساحة آمنة لهن للتعبير عن أنفسهن. والحمدلله  ما زالت المجموعة مستمرة في عطائها، وتساهم في مساعدة الأمهات على مشاركة تطور أطفالهن ودعمن لبعضهن بشكل جميل، وندعوكم لدعم المجموعة ومشاركتها لتصل لأكبر عدد من الأمهات. 

كل هذا يجعلني أفكر بجدية أن أقوم بتطوير المبادرة وتقديم خدمات أخرى للأمهات وأطفالهن لأسهل عليهن حياتهن قدر المستطاع.