قصص أمهات

مراهق مرهَق أم مرهِق...

أيلول 12 , 2018
رولا كريم حدادين

عائلتي هي أولويتي أؤمن بأن الحياة هي مجموعة خيارات ونحن أصحاب القرار وماذا نختار... اعمل في مجال بناء الذات من خلال الlife coaching ...المزيد

كلنا مررنا في عمر المراهقة وكلنا عبَّرنا عنها بطريقة مختلفة فبالنسبة لي كانت المراهقة هي الانطوائية بعض الشيء، قراءة القصص الرومانسية في بعض الأحيان والغوص في أحلام اليقظة التي لا تنتهي، أتكلم مع نفسي كثيراً وأنتقد من حولي أكثر.. مهووسة في ترتيب ملابسي، مندمجة في أفكاري وتخيلاتي وأحلامي.. كنت أحب أن أحظى بنظرات إعجاب كل من يراني، أهتم بماذا يفكر الناس عني وأُحب أن أسمع كلمات مديح من كل مَن حولي خصوصاً أبي...

 كنت في هذا العمر إنسانة حساسة جداً كلمة جميلة ترفعني إلى السماء وكلمة نقد تنزلني إلى سابع أرض مشاعري متأرجحة واندفاعية وغير مفهومة..

كنت أُحب أن أنتمي إلى نوع معين من الأصدقاء وإن لم أستطع ألجأ إلى الانطواء... علاقتي مع أمي لم تكن على ما يرام فقد كنت أعتبرها عدوتي أحياناً كما كنت أنتقدها كثيراً وأعتقد بأنها لا تفهمني كما أنَّ أسئلتها كانت تزعجني فأعتبرها لا تثق بي أو بقراراتي، متابعتها المستمرة لتصرفاتي ولدراستي كانت تقلقني فأنا أريد أن أعيش في بحر أحلامي فلا وقت لواجباتي حيث كنت أعتبر نفسي "إنسانة مسؤولة ومنظمة وأعرف مصلحتي فلا معنى للمحفوظات ولا قيمة للتاريخ ولا هدف من دراسة الجغرافيا ومن اخترع المدرسة" كلها كانت أفكار تدور في رأسي... كنت أريد إثبات وجودي في البيت وأن أحظى باهتمام وثقة بقراراتي.. صديقتي المفضلة هي وحدها التي تفهمني ونصائحها بالتأكيد أهم من نصائح أبي أو أمي.

ومع أنني كنت أعتبر نفسي طالبة هادئة وملتزمة وخجولة إلا أنه في داخلي طاقة مشتعلة ثورية تريد الانفجار بكل من حولي وكان هناك صراع داخلي وشجار بين الخطأ والصواب لذلك كنت كثيرة الانتقاد لكل من حولي أيضاً...

في إحدى لحظات الانفجار تلك تمردت على أحد أساتذتي فأردت أن أكون كبقية زميلاتي مختلفة مضحكة أو قد كنت أرغب بأن أكون منتمية لمجموعة معينة من زميلاتي، ولكن يبدو أن طريقتي لم تحظَ بإعجاب الأستاذ فطردني خارج الصف وكانت هذه أول مرة أُطرد من الحصة، ذهبت إلى أحضان أمي لأبكي وأشكي لها همي فأنا لم أعرف لماذا فعلت ما فعلت ولم أكن أريد الإساءة ولم أفهم نفسي ولا حتى مشاعري أو تصرفاتي ولكن حضن أمي أدفأني وصمتها كان ما أريد لأنها لم توبخني ولم تحكم على تصرفاتي بل كانت تسمعني بصمت، كانت هذه المرة الأولى التي أشعر بالأمان مع أمي وهذه اللحظة لن أنساها ما حييت.

والآن وقد أصبحت أماً بدأت أراقب الأولاد في سن المراهقة بعين مختلفة -عين أم- أراقب الأولاد كيف يمشون وماذا يلبسون وكيف يتصرفون وحتى كيف يحتارون في تسريح شعرهم الذي ينتهي ليصبح تسريحة غريبة أو قد يتركونه طويلاً بشكل مبالغ فيه.

حتى جاء اليوم الذي بدأت ألاحظ ابني يمشي بطريقة غريبة وكأنه يمشي على أنغام موسيقية مركبة في عقله وبدأ يهتم بشعره ولبسه بشكل ملحوظ فأجده يحتار في تسريح غرة شعره لليمين أو لليسار إلى فوق أو إلى الأمام، مثله مثل تقلبات مزاجه فتارة أراه لطيفاً مطيعاً ناضجاً وتارة أخرى أراه عصبي المزاج حساس لأبعد الحدود وعدواني مع أخته أحياناً أخرى.

بدأت ألاحظ تغيرات على ابني ليس فقط في شكله أو نبرة صوته أو وقوفه لفترات طويلة أمام المرآة وإنما في تصرفاته وتعابير جسمه ووجهه وقدرته على الإنصات، فأصبحت كلما أحاول أن أشرح له موقفاً لم يعجبني منه أو أردت أن أتحدث معه في أمر ما أجد تعابير وجهه اختلفت وكأنه يشعر بالملل من الاستماع لكلامي فيبدأ فمه بالالتواء ويبدأ بؤبؤا عينيه بالدوران والثبات إلى الأعلى أو يرفع حاجبه الأيمن مع نظرة مستفزة تغضبني فتنسيني أساس النقاش لأبدأ بنقاش جديد وبموضوع مختلف تماماً عما بدأت وهو الاحترام والغريب في الأمر بأنه لا يفهم ماذا فعل ليجعلني أنفجر فيه غضباً!

هنا فقط تذكرت مراهقتي عندما كنت أعيش في عالمي الخاص ولم يفهمني أهلي، وتذكرت حضن أمي واستماعها لي دون أن تقاطعني أو تحكم على تصرفاتي...

وتذكرت حكايتي مع أُستاذي فأنا لم أفهم مشاعري ولم أفهم لماذا فعلت ما فعلت فالمراهق في هذه المرحلة يمر بمرحلة مرهِقة في حياته؛ تغيرات لا يفهمها هو نفسه فيجد نفسه تارة قوياً شجاعاً وتارة أُخرى ضعيفاً حساساً غير مرغوب فيه يشعر بالقلق المستمر وبصراع داخلي غير مسبوق؛ فنحن الأهل مهما كنا مرهَقين من أولادنا المراهقين فأن إرهاقنا هذا لا شيء أمام ما يمرون به من تغيرات وهرمونات ونقلة نوعية، فهم في مرحلة يحتاجون منا أن نسمعهم فقط ونشاهد ما أسَّسناه في صغرهم ففي هذه المرحلة جاء وقت تطبيق ما تعلَّموه في الصغر فلا بد من أن نثق بأنفسنا وبنتاج تعبنا وبأولادنا ونتفهم هذه المرحلة.

فقد انتهت المرحلة التي كنا نتحدث فيها كثيراً ونوَّجه كثيراً وبدأت مرحلة جديدة وهي الإنصات وفهم مشاعرهم المتأرجحة والتعرف على احتياجاتهم . حان وقت الاستماع إلى مشاعرهم وأوجاعهم من تشويش وارتباك لأفكارهم وإعطائهم الحب والاحترام والهدوء والصبر والاستماع والحضن فحضن الوالدين هو أكثر الأماكن الضيقة اتساعاً في هذه المرحلة والمطلوب منا ليس الرقابة وإنما المتابعة، المطلوب منا أن نكون أصدقائهم الذين يحبون أن ينتموا إليهم ولا بد أن نكون صبورين لامتلاكنا القدرة على السيطرة على تصرفاتنا فنحن الراشدين العقلاء وأصحاب الخبرة.

أنا متأكدة بأنها أصعب مرحلة لكلينا فهي مرهِقة لنا ولهم لذلك أعتقد بأني بحاجة إلى ساعات نوم أطول وصبر أكثر لأن ابني يحتاج مني الهدوء والصبر ليصبح حضني دافئاً ومستعداً لتلك الهرمونات غير المفهومة والتي قد تكون مرهِقة لي بشكل كبير، ولكن يجب ألَّا ننسى ذلك الصراع الداخلي الذي يرهق المراهق ويشعره بالقلق المستمر فإذا فهمناه وعلمنا بأنه مرحلة فقط سنتفهم تصرفاته ونتعامل معها بحب واحترام فنستمع له أكثر ونحكم على تصرفاته بشكل أقل. أعرف أنه تحدي في غاية الصعوبة ومرحلة مرهقة لكلينا ولكنها أهم مرحلة في حياتنا معاً فلنتذكر بأن المراهِق مرهَق متعب وليس فقط مرهِق لنا فهي المرحلة التي سنترك له علامة فارقة في حياته نعم مرهِق ولكن لا ننسى بأنها مرهِقة له أيضاً.