قصص أمهات

لكل أم جديدة هذا الرمضان.. لست وحدك!

أيار 17 , 2020
نرمين محمود
أم لطفل واحد يُدعى "تميم"، درست الطب وتركت العمل في المجال الطبي بمجرد ولادة طفلها لتتفرغ له، واجهت مع صغيرها الكثير من التحديات التي ل...المزيد

بينما تحاصرها صور الولائم وزينات البيوت المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي احتفالاً بقدوم الشهر الكريم، تجلسُ هي.. تلك الساهرة، التي لا تنام ليلاً ولا نهاراً تهدهدُ رضيعها الصغير بين ذراعيها وهو لا يكفُّ عن البكاء، تشعر أنها حالة خاصة وحيدة تشذُّ عن جَمع الصائمين المحتفلين في بيوتهم بطقوسهم البهيجة وطعامهم الشهي..

تبكي تعبها وقلة حيلتها، يخنقها شعورها بالعجز والتقصير، فهي متعبة طوال الوقت، لا تنام ولا تأكل ولا تجد الوقت حتى لتطهو الطعام، ولا يمكنها الصيام للعام الثاني على التوالي، لأنها هذا العاَم تُرضع وفي العام السابق كانت حاملاً بذلك الرضيع الذي بين ذراعيها الآن.

تشعرُ أن كل دقيقة تمرُ كأنها عام واليوم كأنه ثانية واحدة، فقدت الإحساس بالزمن والتعب والألم، فقدت الرغبة في كل شيء، هي فقط تتحرك بالدفع الذاتي وحكم العادة وغريزة البقاء، تُرضع صغيرها فينام لدقائق معدودة، تتنهد ارتياحاً فيصحو! يداهمه المغص فيبكي، تهدهده ليهدأ، يقضي حاجته فيبكي ثانيةً! تبدلُ حفاظته فيبتسم ارتياحاً؛ وما هي إلا دقائق معدودة ويتكرر نفس السيناريو مجدداً بانتظام!

تتذمر في ضجر لماذا أنا! لماذا أنا وحدي! أين أنا من رمضان؟! هل سيغفر لي الله تقصيري وقلة حلتي! لماذا لا أستطيع أن أعيش أجواء رمضان ككل الناس من حولي؟!

تتمنى لو أنها تصوم وتصلي مثلهم، لو تعلق الزينات وتطهو أصنافاً شهية كثيرة على الإفطار، لو أنها تتفننُ في صنع الحلوى كل يوم، تجتمع بالعائلة وترى الأصدقاء، تشاركُ الجميع سعادتهم وابتهاجهم وطاعاتهم في هذا الشهر الفضيل.

ولكن كيف ومتى! هل سينتهي يوماً هذا العناء!

تغفو رغماً عنها بينما تهدهد صغيرها الباكي، لتفتح عينيها فجأة لتجده وقد كبر، كان يقف بجوارها وهي تطهو يُخبرها كم أن رائحة طعامها شهية، يسألها عن الحلوى التي ستعدها اليوم، لتجيبه ضاحكةً بأنها مُفاجأة، فيبتسم في سرور ويخرج من المطبخ متقافزاً في ابتهاج ممسكاً بفانوسه الملون الصغير..

دقائق ويناديها ثانيةً سائلاً إياها عن شيء آخر فتترك ما بيدها لتستوضح ما يقول، تقعُ عينها علي صبيٍ يجلسُ منهمكاً في حل مسألة رياضية معقدة ويطلبُ منها أن تساعده قليلاً، تخبره أنها ستذهب لتطفئ الغاز وتعود لتساعده.

ما أن تعود حتي تراه وقد صار شاباً وسيماً يقبل عليها ويسألها مبتسماً إن كانت تريدُ شيئاً من الخارج؟ يقبِّلها مسرعاً مع وعدٍ بأن يعود على موعد الإفطار ويخبرها ضاحكاً كم أن رائحة طعامها الشهي ستفسدُ صيامه إن بقي في المنزل أكثر!

تستيقظ بعد ذلك من غفوتها على بكاء طفلها الرضيع وقد بلل نفسه ثانيةً، وبرغم كل التعب تحتضنه في شوق: "كم أحبك كثيراً أيها الصغير"

....

كل ذلك التعب سيُنسى، ستصومين وستعودين لحياتك سريعاً ولن تتذكري أي شيء، ستصنعين ذكريات جديدة جميلة بصحبة ذلك الصديق الصغير الجديد، وسيملأ حياتك بهجةً وفرح.

ذلك البكاء الذي لا يتوقف ولا تفهمينه عادةً " سينتهي"، ستفهمين صغيرك من نظرةٍ واحدة، وستمتلكين بيديك وقلبك كل المفاتيح، تلك الحياة المغلقة ستفتح، ستُصبحين "أُماً" رائعة لطفلٍ يافعٍ صغير، يكونُ هو عملكِ الصالح في الدنيا وجنتكِ الكبرى في الآخرة..

أجرك عند الله عظيم إن صبرتِ واحتسبتِ تعبك وسهرك وراحتك لأيام معدودة، جددي النية واحتسبي الأجر عند الله، أنتِ الآن في جهادٍ عظيم ومهمة جليلة، أنتِ تعتنين بطفلٍ لاحول له ولا قوة، أنتِ عالمه الوحيد وملجأه الحصين.

كل شيء يمكنه الانتظار، الطهي، الجلي، التنظيف، كلها أشياء قد يقوم بها أي كان بدلاً منكِ، بينما لا أحد يمكنه تعويض غيابك لدى صغيرك، لا أحد يمكنه أن يعتني به مثلك، لن يفهمه أحد غيرك، ولن يشعر به أحد كقلبك!

أنتِ الآن تحاربين وتقاومين رغباتك وطبيعتك، وتتحدين تعبك وإرهاقك.. "أنتِ اليوم تنتصرين وغدا تحتفلين"..

ابتسمي وتشجعي فلستِ وحدك! كلنا كنا هنا، كلنا معكِ في ذلك العناء، كلنا مرهقون ومتعبون، كلنا قررنا ألا نستسلم وأن نحاول كل يومٍ من جديد، كلنا في انتظار ذلك اليوم الذي سنرتاح فيه أبداً، ونخاف أن يأتي لأننا سنفتقد طفولتهم حينها إلى الأبد!

فما هي إلا أيامٌ معدودات تمر كلمحٍ البصر، غداً يذهب التعب ويبقى الأجر، ويكبرُ الرضيع ليُصبح شاباً وصديق الغد..

"أحسنوا إليهم صغاراً، يحسنوا إليكم كباراً"