قصص أمهات

قصة ابنتي "تيا" مع التنمر في أول سنة دراسية لها!

كانون الاول 09 , 2018

بقلم: صفاء قوابعة، أم لثلاثة أطفال 

لا شك أن قضيَّة التنمر تعد من القضايا الأساسية التي تواجه مختلف الأطفال من شتى المنابع والأصول، كما أنها تعتبر من المشاكل التربوية والسلوكية التي حازت على اهتمام التربويين في مختلف أنحاء العالم. وقد كانت تشكل من قبل محور اهتمام للعائلات التي يتعرَّض أطفالهم للتنمُّر والعائلات الذين لديهم أطفال متنمَّرين على حد سواء، لما لها من آثار نفسية وسلوكية تنعكس بشكل جليٍّ على جميع الأطراف.

اليوم أرغب بالحديث عن هذا الموضوع تحديداً، كوني متخصصة في مجال علم النفس بالإضافة إلى تجربتي الخاصة التي أود أن أشاركها مع غيري من الأمهات اللاتي يخضن تجربة قد تكون مماثلة لما مررت به.

أنا أم لثلاثِ بنات، إحداهن -واسمها تيا- ميَّزها الله بالشلل الدماغي، الأمر الذي جعلها عرضةً للتنمُّر من قبل أقرانها لأنها تختلف عنهم وتستخدم جهازاً للمشي. كان ذلك على غرار ما حدث لي في مراحل الطفولة، ففي عمر العشر سنوات نلت نصيبي من التنمُّر من قبل زملائي في المدرسة فقط لأن هناك بقع صغيرة تنتشر على وجنتيَّ وهي ما يدعى بالنمش! تلقيت العديد من الانتقادات والتعليقات بسبب هذه البقع، إلا أنني أدركت فيما بعد مدى جمالها بل وتعتبر علامة من علامات الجمال الآن!

لم أكن أتوقع أن تجربتي هذه قد تساعدني يوماً في التعامل بإيجابية مع ما تعرضت أو لا زالت تتعرض له طفلتي من تنمر بسبب عدم قدرتها على المشي بشكل طبيعي!

بدأ تعرض طفلتي للتنمر في مراحل ما قبل المدرسة، إلا أنها في ذلك الوقت لم تكن على وعي بوضعها الحركي حتى دخلت المدرسة وبدأ وعيها بكلام زملائها يزداد.

فبعد يومها الأول في مدرستها الجديدة وصفِّها الدراسي الأول، عادت تيا وكنت أتوقَّع منها السؤال الدائم المعهود "متى سأتمكن من المشي؟" إلا أنَّ سؤالها هذه المرة جاء بصيغة مختلفة ومن مصدر آخر ألا وهو زملاؤها المتنمرون، فقد كانوا يقولون لها: "لماذا لا تمشين؟ هيا تحركي.. أقدامك مكسورة؟!"

أمام براءة العينين وجمال الوجنتين تلعثم لساني عن الإجابة إلى أن تذكرت سريعاً ما تعرَّضت له في صغري من تنمر، وكيف أن هذا الشيء قد تحوَّل إلى مصدر للجمال بالنسبة لي.

ثم أمسكت يدها مخاطبة إياها: "أنظري إلى وجهي، تلاحظين هذه الحبيبيات الصغيرة المتناثرة على وجنتي؟ عندما كنت صغيرة كان أصدقائي ينتقدونها كثيراً، لكن فيما بعد أدركت أنها إحدى علامات الجمال التي تميزني"، ثم قمت بعرض صورة للأميرة ميغن يوم زفافها وقلت لها: " انظري لديها نفس العلامات، وها هي قد تزوجت من أمير إنجلترا، وأصبحت كإحدى أميرات ديزني لاند وقد كانت قبل ذلك مميزة في مجال عملها".

لن تتصورا مدى سعادتها وفرحتها في هذه المقارنة، حتى أنها طلبت من الجميع أن يلقِّبها بالأميرة تيا، وقد طلبنا من الجميع تلقيبها بذلك.

هذا مثال بسيط يساعدنا كأهل على معالجة مشكلة التنمُّر مع أطفالنا ضمن حدود إدراكهم.

لكن لم ينتهي الموضوع عند هذا الحد.

فقد طلبنا من المعلمة في الصف شرح حالة تيا لزملائها بطريقة مبسَّطة، وبأنها لاتختلف عنهم بشيء بل بالعكس قد تحتاج إلى بعض الدعم منهم، وفي خلال ثلاثة أشهر، لن تتخيلوا مدى محبة أصدقائها في الصف ودعمهم لها جميعا.

ما أود التركيز عليه أن هناك عوامل رئيسية يجب التركيز عليها عند التعامل مع مشاكل التنمر، بالأخص مع الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة لأنهم الأكثر عرضة لهذا السلوك الذي يحتاج إلى تعديل.

هناك دور أساسي لأهالي الأطفال المتنمَّرين وذلك بالاعتراف بوجود مشكلة واللجوء الى حلِّها مع أخصائيي السلوك، ويجب علينا أن نكون داعمين لأطفالنا للتخلص من هذا السلوك.

أما الطفل الذي يقع عليه التنمر فيجب علينا أن ننفي هذه الصفات عنه ونبسَّط الأمور له عن طريق طرح الأمثلة البسيطة وتقديم الدعم النفسي من الأهل والمدرسة على حد سواء.

أما دور المدرسة وهو الدور الأساسي لابدَّ من متابعة سلوك الطَّلبة وإشراك الأهل لحل المشكلة ومتابعة السلوك إلى أن يتم التأكد من اختفائها.

وأخيراً علينا جميعاً أن ندرك أن الطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة يواجه ضغط نفسي داخلي مهول بسبب ما يعانيه، وهو بحاجة لتكاتف ودعم جميع الأفراد المحيطين به لكي يستطيع تقبل ما هو عليه، لا يقتصر التنمر على ما يتعرَّض له الطفل في المدرسة، بل يشمل أيضاً النظرات في الأماكن العامَّة أو طرح الأسئلة المباشرة عن حالته والكثير من التفاصيل المتعلقة بهذه الحالة.

ومن هنا فإنني أوجَّه رسالتي كأم لطفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة " لكل أم وأب ومدرسة أو أي جهة تربوية أن نوطَّن أطفالنا وأنفسنا على تقبل الآخر وتقديم الدعم اللازم والتعامل بوسطيَّة من دون شفقه او ازدراء".

 

*لقراءة قصة تيا مع الشلل الدماغي، يمكنكم قراءة مقال صفاء السابق اليوم الذي غيَّر مسار حياتي وحياة طفلتي "تيا".

*لمساعدة تيا على تحقيق حلمها "المشي"، قوموا بمساعدتها عن طريق التبرع في حساب عملية SDR التي تحتاج أن تخضع لها في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال هذا الرابط: https://bit.ly/2zMP69p