قصص أمهات

علموا أطفالكم أن يكونوا سعداء لا مثاليين

كانون الثاني 20 , 2020

بقلم: نهى حمادي، أم لطفل

السنوات الأولى من عمر الإنسان هي لبنة الأساس لحياته كاملة، فإشباع احتياجاته من الحماية والرعاية والاتصال المباشر بحميمية الأسرة، وملئ خزان الحب لديه وشعوره بالرضا في كنف رعاية والديه، كلها أمور ستتأسس عليها ظروف عيشه مستقبلاً كمراهق وشاب وكهل.

رغم هذا فإن العديد يغفل عن أهمية هذه الاحتياجات لتكوين الذات البشرية فيكون هدفهم من إنجاب الأطفال وتربيتهم فقط يتمحور حول إنشاء إنسانٍ ناجح في حياته المهنية وذو شأن عظيم بسبب ما أحرز من نجاحات وشهاداتٍ عليا، متناسين بذلك أن جوهر التربية يكمن في الجانب النفسي وبالتوازن عائلياً واجتماعياً.

يمكن أن نشبه الأطفال بالإسفنج، وذلك لقدرتهم العالية على امتصاص المعلومات والأحداث التي تدور حولهم، والتي من شأنها أن تؤثر على حياتهم مستقبلاً سلباً أو إيجاباً.

ونحن كأولياء أمور علينا أن نترك ذلك الأثر الإيجابي في فكر أبنائنا، لكن كيف يكون ذلك؟ 

الأبناء في سن الطفولة المبكرة ليسوا بحاجة إلى أن نرهق أنفسنا في تعليمهم بعض الأمور مثل الدخول إلى الحمام في سن الثانية، أو إتقان إمساك القلم والكتابة به في سن الثالثة، أو أن يكونوا أبطالاً في السباحة متفوقين على جميع أقرانهم في النادي وغير ذلك من أنشطة الأطفال الكثيرة. ما يهم حقاً هو أن يكونوا أطفالاً سعداء وهم يفعلون كل هذا!

بالطبع هذا لا يعني أن نهمل في إكسابهم لهذه المهارات التي تنمي منهم كأطفال، لكن القصد أن يكون ذلك بما هو معقول ومقبول دون إجبارهم على فعل أي شيء لا يرغبون فيه، فكم سيكونون سعداء فخورين بإنجازاتهم حينما يفعلونها وهم راغبون فيها محبون لها!

وهذه السعادة لا تتحقق لأطفالنا إلا نتيجة لصبرنا ومرونتنا في التعامل معهم وثقتنا في قدرتهم على اكتساب هذه المهارات وعدم مقارنتهم بغيرهم من الأطفال.

فمن تجربتي مع طفلي آدم، أنه قد بلغ من العمر الثلاث سنوات ولازال يتشارك معنا نفس الغرفة في سرير مستقل، وكل من حولي يعلقون على هذا الموضوع بحجة أنه أصبح كبيراً ويجب أن يستقل في غرفة بمفرده.

أنا لست ضد مبدأ فصل الطفل في سن مبكرة في غرفة مستقلة فمصير الصغير أن يكبر وسيطلب بنفسه أن يكون مستقلاً عنا في غرفة بمفرده، لكن آدم طفل سعيد بمقدرته على النوم بمفرده في سريره الخاص واستيقاظه في الصباح بمزاج جيد وسعادته هذه تكفيني. 

اختارنا الله سبحانه وتعالى لأن نكون المعلم الأول في حياة أطفالنا منذ ولادتهم وانتمائهم للحياة، لكن هذا التفضيل ليس مبرراً لنا لنتحكم بأطفالنا ونملي عليهم ما نريده نحن دون أن نلتفت لرغباتهم الذاتية، وذلك بحجة التربية والحماية!

أن نعلِّم طفلاً كيفية التعبير عن مشاعره وفن الإنصات وسياسة الحديث أفضل من أن نفرض عليه برنامجاً من الأنشطة والتمارين المكثفة في أحد الرياضات ليكون بطلاً متميزاً فيها.

فالأولى من شأنها أن تنشئ طفلاً قادراً على التعبير عن مشاعره وآرائه بكل سلاسة ومرونة، طفلاً سعيداً بكل ما تحمله الكلمة من معنى 

أما الثانية فقد تنشئ لنا طفلاً حزيناً جامد المشاعر غير قادر على التواصل اجتماعياً، وذلك لأن معظم وقته كان تحت سلطة التدريبات والتمارين الرياضية وضوء البطولة والشهرة. 

الحب هو الهبة الربانية التي زرعها الله في قلوب الناس لنوزعها ونتقاسمها مع من حولنا، وهي أفضل هدية يمكن أن نقدمها لأبنائنا ونشعرهم بها.

كما أن احترام الوقت المستغرق من قبلهم لتعلُّم أمر ما واحترام أذواقهم واهتماماتهم، بالإضافة إلى قضاء الوقت الخالص معهم دون الانشغال بأمور أخرى عنهم كلها امور تشعرهم بحبنا لهم وتشعرنا نحن بامتنانهم لنا وللحظات التي وهبناها لهم

وهذا الحب والاهتمام هما الداعمان الأساسيان لثقتهم بأنفسهم وإدراكهم لوجوديتهم وأهميتها وإنشاء طفلٍ سعيد على الدوام. 

لما اقدمت على تدريب آدم على الحمام ونزع الحفاظ قررت ألا أوتر نفسي وطفلي باحتساب المدة الزمنية التي سيستغرقها طفلي في تعلم ذلك، كان كل همي أن نملأ هذه المهمة بالحب والتفهُّم والابتعاد عن العصبية، كان صعباً علي أن أتمالك أعصابي في البداية لكنني وبحمد الله استطعت أن أنجح. 

فكل شخص منفرد عن الآخر وله شخصيته وصفاته الخاصة التي لا يشترك بها مع غيره منذ تاريخ ولادته، ومن حق كل إنسان منذ طفولته أن يكون سعيداً بهذه الانفرادية.

إن وجود أشخاص حول الطفل تحترم هذه الانفرادية يجعله طفلاً سعيداً، أن يكون توجيهه دون الضغط عليه.. هذا هو أساس التربية التي تنشئ طفلاً سوياً سعيداً منفتحاً، قادراً على الحياة والتعايش مع غيره بحب وعطاء لا ينضب.

فالهدف من الحياة هو السعادة وليس المثالية! لأن السعادة أمر يمكن توزيعه ومشاركته مع الآخرين، لكن المثالية قد تولَّد مع الأيام مشاعر الأنانية والنرجسية والتعالي، لتنتج إنساناً عاجزاً عن العيش وسط المجموعة والتواصل مع المجتمع بشكل سليم.