أسس تربوية

لماذا عليكم الحذر من الأوصاف التي تطلقونها على أطفالكم

أيلول 24 , 2019

بقلم: م. رلى "زيد الكيلاني"

هل تعتبر طفلك عنيداً؟ شقياً؟ أو طفلتك كثيرة الحركة أو "النق"؟

هل تشعرين بأن قدرتك على التحمل لم تعد تسعفك في التعامل مع طفلك المتطلب؟

لننتبه إلى الصفات التي نطلقها على الطفل، لأنك إما أن تعززها فيه! أو تزرع فيه ضعفاً يحمله معه حتى يكبر!

في هذا المقال سأحاول طرح بعض الأفكار التي من شأنها أن تساعدك في تغيير وجهة نظرك في حكمك على سلوكيات طفلك وسمات شخصيته، وكم سيكون لذلك تأثيراً في اكتشافك لمميزات شخصية طفلك ومن ثم توجيهها بشكل إيجابي.

إذن علينا أولاً أن نهتم بتقبل شخصية الطفل، بكل ما فيها من حركة ونشاط زائد وفضول وذكاء قد يتعبنا كأهل ويتجاوز قدرتنا أحياناً على التحمل والصبر.

فنحن في النهاية نرى بأننا الأقدر على تحديد احتياجات طفلنا وواجباته، وبالتالي عندما يكون تفاعل الطفل أو أداؤه معاكساً لما نتطلع إليه، نشعر بالخيبة والضيق، خصوصاً إن شعرنا بأننا محط تعليق من قبل الآخرين من حولنا.

لنتفق أولاً أنه من الخطأ أن نعتبر فشل الطفل في تحقيق التوقع هو فشل للأم أو الأب في تعليم طفلهما إتمام أبسط المهام.

إن شعور الأم والأب بالفشل لعدم إتقان الطفل للسلوك المتوقع منه هو تفسير مبالغ فيه يقع ضحيته الطفل.

حيث تتضاعف ردة الفعل في داخلنا وتظهر على شكل حكم على الطفل بأنه إما عنيد، عنيف، غوغائي، أناني، ضعيف الشخصية، غير مؤدب، غبي... وغيرها من الصفات التي نلقي بها هنا وهناك دفاعاً عن أنفسنا أولاً (كي لا نلام بالتقصير)، وكنوع من العقاب للطفل لأنه لم يمتثل لرغبتنا في قيامه بما يطلب منه في الوقت والمكان والموقف الذي فرضناه عليه.

لذلك في المرة القادمة التي تشعرين بها وكأن الحرارة بدأت تنسحب من كل جسمك لتتركز في وجهك، وبدأت تشعرين بالحنق من سلوك طفلك المغاير لما يطلب منه، اهدئي وذكري نفسك أن ذلك لا يعني أنه لا يعرف أو لن يقدر أن يقوم بالمهمة! لا تنفعلي لأن انفعالك وعصبيتك ونهر الطفل أو القسوة عليه قد يعطي مع الطفل صاحب الشخصية القوية مردوداً عكسيا ويزيد من عنفه ومشاكسته.

لذلك تنفسي الصعداء، واسمحي لنفسك أن تفكري في الحاجة العاطفية التي جعلت طفلك لا يتعاون معك ويخالف توقعاتك أو توقعات والده، أو جدته أو حتى جارتك!

كيف نطور من قدرتنا على تفهم سلوكيات الطفل وبالتالي تقبل شخصيته؟

يعرِّف علماء النفس الشخصية على أنها مزيج من الخصائص والأنماط العاطفية والإدراكية والسلوكية التي تميز الشخص عن غيره.

ومن هنا نرى أن السلوك وحده لا يحدد سمات الشخصية، ومن الظلم أن نلصق "صفة" أو "لقب" بالطفل من خلال سلوك يكرره، ويعجز فهمنا عن إدراك ما وراءه من أفكار ومشاعر يعيشها الطفل، فهي الجزء المخفي من الشخصية، والجزء الظاهر الذي يسهل الحكم عليه هو السلوك، إلا أنه لا يكفي أن نتخذ منه حكماً يظل مع الطفل حتى يكبر.

لن ننجح نحن كأهل في تطوير قدرتنا على فهم شخصية الطفل المتطلب بنقاط قوتها وضعفها حتى نحتضن القوة فيها ونوجهها بشكل صحيح.

الطفل المتطلب هو طفل يطلب انتباه أبويه بشكل دائم، يطلب المشاركة في كل شيء، يحب لمس كل ما حوله ويتعلم بجرأة من خلال الاقتراب من الشيء، قد لا يتأثر كثيراً بسماع تحليل شخص آخر عن هذا الشيء، إلا إن وجد في ما يقال تحفيزاً لتفكيره الخاص!

هو له طريقته الخاصة في فهم العالم وهو يتحلى بقوة تسمح له بالدفاع عن طريقته ولو بعنف إن لم يسمح له محيطه بالاستكشاف!

لذلك يوصف هذا الطفل عادة بالعناد، أو بالإرادة التي لا تخترق! وقد يسميه البعض بلهجة أخف "طفل له رأيه الخاص"! مجرد اختلاف التسمية يعطينا منظورا مختلفا! ومن هنا تأتي خطورة التسميات.

لنحاول عكس المنظور!

فلنسمح لأنفسنا بالنظر إلى القوة الحقيقية التي يتمتع بها الطفل، بدلاً من أن نستشيط غضباً من التركيز على الضعف ونتائجه الوخيمة.

فهل تؤمنين حقاً أن إلصاق اللقب السلبي بالطفل سيسمح له بتحقيق ما هو متوقع منه!؟ وهل تنظرين لشخصية طفلك على أنها مصدر إزعاج لمن حولك وبالتالي لك؟

حاولي أن تغيري من نظرتك لتستوعب ماهية القوة التي تكمن في شخصية طفل يرفض ولا يخاف، ولا يخجل من كونه مختلف عمن حوله، شخصيته مستقلة، يقدم على الجديد ولا يهاب؟

افتحي قلبك وعقلك لحقيقة أن ما يتمتع به طفلك هو قوة فطرية يمكن أن نستثمرها بدلاً من أن نعتبرها ضعفا ونعيش لنحاول أن نقنع الطفل بأنه ضعيف، غبي، مؤذ، عنيف أو غير قادر!

إن إدراكنا لحقيقة اختلاف طفلنا عن الشخصية المألوفة فيه تحرر كبير لنا كأهل وكذلك للطفل نفسه.

بإدراكنا لاختلاف الطفل نصبح أقدر على التعامل بواقعية، ليملي إدراكنا علينا أسلوباً مختلفا في التعاطي مع الطفل وتوجيهه لإظهار قوته والتعبير عن رأيه المغاير بطريقة غير مستفزة، وترجمة ذلك بما يعود عليه وعلى غيره بالفائدة، فيتقبله عالمه بشكل طبيعي. 

وهذا يساهم في رفع ثقة الطفل بنفسه وبأفكاره، من خلال استغلال قوته وإصراره بالتوجيه والتقبل والتعزيز.

فهل يمكننا أن ننظر للموضوع من زاوية محتلفة؟

هل من الممكن أن يكون الطفل الأهوج يتمتع بحماس عالٍ مثلاً؟!

والطفل المزعج مسلياً؟ أو دمه خفيف؟!

والطفلة النقاقة مفاوضة مقنعة؟

والطفلة العنيفة جريئة في الحق؟!

والطفل العنيد حاسم في اتخاذ القرار؟

أما الطفلة الحساسة فهي تتمتع بتعاطف عالي؟

والطفل الوقح هو في الحقيقة قادر على تكوين رأيه الخاص؟

والطفل كثير الكلام هو شخص يتمتع بمهارات اجتماعية مميزة؟

أما الطفل الذي يكثر من إصدار الأوامر لغيره فهو قائد بفطرته، وعلينا فقط أن نعلمه الأدوات الصحيحة التي تساعده في التعبير عن حاجاته الفكرية والعاطفية المخفية؟!

إن كان فهمنا لطبيعة طفلنا على أنه مخطئ دائماً ولا يمكنه التعامل بشكل صحيح، فإن هذا الفهم سيصبح حقيقة مع الوقت، وسيصبح هو ذاك الشخص المنبوذ الذي يبغضه الجميع!

فأي حقيقة تختارها لطفلك؟! حدد هدفك واسعى لتحقيقه! وحتى تنجح في ذلك عليك أن تراقب وتوجه بحب وترفع من قدرة الطفل على التعامل مع غيره باحترام وتعاون.

فنطور فيه حس القيادية مثلا ونعلمه كيف يستغل جرأته ويعبر عنها بشكل مقبول مجتمعياً. بدلا من أن نقمع أي بوادر للقيادية البناءة فيه، تلك الصفة التي باتت من أهم متطلبات العصر، وكثير من الناس يدفعون آلاف الدنانير حتى يطوروا ولو جزءاً بسيطاً منها!

لنتذكر أنه هو كذلك بالفطرة، ونصبح أوعى في تعاطينا مع تميزه وصقلنا لمهاراته لنجعله يضيء حياته وحياة من حوله بإنجازات نفخر جميعا بها!


اقرئي أيضاً:

١٠ أمور لم تكن تعلمها عن تربية أبنائك
ما الحقيقة وراء التربية الحديثة؟
العصبية والصراخ على الأطفال: هل ينفعان حقاً؟!
٨ أسباب وراء سوء سلوك طفلك في الأماكن العامة أو المنزل
٥ خطوات تساعدك على التعامل مع سلوك طفلك الخاطىء
العصبية والصراخ على الأطفال: كيف أتمالك نفسي قبل أن أنفجر في وجه طفلي؟
٣ طرق مدهشة للتعامل مع نوبات غضب طفلك