أسس تربوية

دعوا أطفالكم يتخيَّلون، واكتشفوا معهم سحر الحياة!

آذار 22 , 2019
هديل مقدادي

عشت في أسرة تحبُّ القصص والشعر والحكايات والموسيقى....المزيد

هل سبق لكِ أن تحدثت مع نفسك؟ هل سبق لك وأن وقفت أمام المرآة وتخيلت شخصًا آخر أمامك فبادلته الأحاديث والأخبار؟ هذا بعض ما كنا نفعله ونحن صغار، أو ربما ما يفعله بعضٌ من أبنائنا حالياً!

في عالم الطفل يكون الخيال لا محدودًا، فقد تتحول المرآة أمامه إلى أرض العجائب، فيدخل إليها ويلتقي بالمخلوقات الغريبة، ويتسلق الجبال ويخوض غمار البحر، وقد يصبح قبطان سفينة أو قرصانًا ... ملكًا أو أميراً... قزمًا أو عملاقًا.

إنَّ عقل الطفل يتلقى الصور والمعلومات ويطلقها بأشكال مختلفة، قد يتحدث معك ويخبرك عما يجول في مخيلته، وقد يتحدث مع صديقه... مع جدته أو مع جده، لكن لماذا يتحدث الطفل أحيانا مع نفسه، أو مع لعبته ودميته... أو على الأرجح مع صديقٍ وهمي من نسج خياله؟

وهل هذا شيءٌ يدعونا إلى القلق؟ أم أنها مرحلة عادية سيمر بها الطفل ويتجاوزها؟

أذكر أنني في طفولتي كنت أمتلك الكثير من الدمى، ولكنني كنت أتوق لزيارة واحدة من قريباتي كانت تصنع دُماها من أعواد البوظة وبقايا القماش وخيوط الصوف. كنت أجلس معها وأغرق في تصور شكل الدمية وكنت أجدها أجمل من كل ما امتلكت، ثم أتخيل بعدها شكل الدمية القادمة وماذا سترتدي، ومع مجموعة الدمى. 

كنا نؤلف المسرحيات والقصص ونتحدث بما يجول في خاطرنا أثناء لعبنا الوهمي. ربما كنا نعبر عن عواطفنا ومشاعرنا وأمنياتنا دون أن ندري... ربما كان ما صنعناه حافزاً لنا من أجل شيء جديد قادم.

عندما تتخيل، فأنت حر ... في أن تكون الأشياء التي تريدها. عندما تحلم، فأنت حر ... في أن ترى الأشياء التي تريد رؤيتها. فقد تطير عبر السماء المرصعة بالنجوم، وقد تستلقي على الهلال وتعزف الناي، وقد يكون حيوانك المفضل الذي يعيش معك فيلاً، وقد يكون درج البيت رقبة الزرافة الطويلة...

الأمنيات والأحلام، وأحلام اليقظة تشكل جزءاً كبيراً من حياتنا لذلك وجد ما يعرف بالصديق الوهمي، ووجد اللعب الوهمي وكلها لها نفس الأساس... الخيال!

ماذا يصنع الخيال لأطفالنا؟

  • تخيُّل الأشياء يحفز قدرات الطفل على التقدم والتعلُّم: فالخيال يتيح للطفل أن يفكر ويكون أكثر إبداعًا.
  • الخيال يجعل الأطفال أكثر مبادرة وابتكارًا: فهو يساعدهم في تحفيز عقولهم لضبط التواصل مع الآخرين وفي تحفيزالذاكرة أيضاً. ويمكنه أيضاً ترسيخ فهمهم للأشياء من حولهم.
  • الخيال يمنحهم الفرصة لصياغة أفكار جديدة يعبرون عنها بأساليب مختلفة؛ بالرسم، بتأليف قصة أو أغنية، بتقليد الاخرين، بالتمثيل... الخ
  • الخيال يساعد في تطوير مهارات الاتصال لدى الأطفال، فهم يستخدمون خيالهم لتوجيه مشاعرهم والتعبير عن أنفسهم بوضوح أكبر، كما يمكّنهم أيضًا من تحسين مهاراتهم الاجتماعية من خلال التفاعل مع غيرهم عندما يشاركون في لعبة خيالية معك أو مع أطفال آخرين وهذا من شأنه أن يعزز ثقتهم في أنفسهم.
  • يميل الأطفال إلى تقليد الكلمات الشائعة التي يتحدث بها الكبار إما بشكل مباشر أو من خلال وسائل الإعلام، يدعمهم في ذلك سعة خيالهم، فيجمعون الكثير من المفردات مما يؤدي إلى توسيع قواميسهم ويثري لغتهم، لأنهم سيكونون أكثر انفتاحًا على التحدث والاستماع. فهم يحاولون فهم كل كلمة يسمعونها ويستخدمونها أحيانًا... فأثناء قراءة القصة أو أثناء مشاركتهم في مسرحية؛ سيفكرون في معنى الكلمة ويتخيلونها.
  • بعض الألعاب الخيالية تتطلب من الطفل استخدام حواسه وجسمه، كأن يتحرك أو يقفز أو يرقص أثناء مشاركته في مسرحية. وهذا من شأنه تطوير وتقوية عضلاته وكذلك الروابط العصبية في الدماغ.
  • وجدت بعض الدراسات أن الأطفال ذوي الخيال الأكبر يكونون أفضل في حل المشكلات. لأن خيال الأطفال يميل إلى تقليد البالغين، مما يتيح لهم حفظ الأشياء والمواقف التي يفعلها الكبار عند مواجهة المشاكل. سيقومون بعد ذلك بتطبيق ما يحفظونه ويتخيلونه في حل مشكلاتهم الخاصة.
  • التخيل يجعلنا نضع أنفسنا مكان الآخرين، فيزيد من مستوى التعاطف وطريقة تفكيرنا في المواقف الصعبة.

لقد استخدم الإنسان التصور الإبداعي والخيال منذ أزمان طويلة، حتى قبل أن يعرِّفه أو يطلق عليه أي مصطلحات، فقد رسم على جدران الكهوف، واخترع الآلات، ووصل إلى القمر... ألم تكن هذه الأشياء مجرد أحلام؟ مجرد خيالات؟ الأطفال لديهم مخيلات حية والتصور الإبداعي عادة ما يأتي بشكل طبيعي للغاية في مراحل حياتهم.

وفي الحياة العصرية السريعة التطور والتقلّب، يتعرض أطفالنا إلى الكثير من الصور الجاهزة من مصادر مختلفة كالتلفاز والإنترنت وألعاب الفيديو، لذا يجب أن نكون حولهم لمساعدتهم على تحديد وفهم المواقف والأشياء بشكل صحيح.

يجب أن نسمح لهم بالاستكشاف والتعلم وأن ندع خيالهم ينمو؛ ليلوّنوا هذا الكون بالألوان التي يريدونها وليكتبوا قصصهم التي يتوقون لكتابتها، وليرسموا صورهم، وليعزفوا ألحانهم، فالعالم بحاجة إلى من يزيل عنه غبار الواقع أحيانًا، ويطلق في فضائه بالونات الأمل بمستقبل أفضل.