قصص حقيقية

اليوم الذي غيَّر مسار حياتي وحياة طفلتي "تيا"...

آذار 13 , 2018

بقلم: صفاء قوابعة، أم لثلاثة أطفال

٢٠١٣/٠٢/١٠​

تاريخ غيَّر مسار حياتي كلها " كأم" وحياة طفلتي "تيا"... بعد تعرضها لانقطاع أكسجين مفاجئ وكامل بعمر الخمسة أشهر...

أمضيت ثلاثة أسابيع بعد هذه الحادثة بين الصدمة والحيرة حتى بدأت أدرك تدريجياً المصيبة التي وقعنا بها! تم تشخيص تيا بالشلل الدماغي بسبب انقطاع الاكسجين وعدم وصوله لخلايا الدماغ لفترة تجاوزت ال 15 دقيقة... من هنا دخلت حالة من النكران جملة وتفصيلاً.

كان تصوري عن شلل الأطفال كأي إنسان يسمع قصصاً كثيرة، أنه حالة شديدة من الإعاقة العقلية والذهنية والحركية... إلخ

لذا من الطبيعي والبديهي أن سببت لي هذه الحالة ضعف نفسي شديد وانكسار في قلبي. كنت اسمع دائماً كلمات مثل "قلبي احترق، قلبي انكسر" ولم أكن أعلم حقيقة معانيها إلى أن جرَّبتها بنفسي... بالفعل، شعرت بأني احترقت كلياً....

الاستفسار الدائم الذي استحوذ عليّ: لماذا أنا؟ لماذا حصل هذا لابنتي أنا؟ ما الذي سيحصل لنا؟ وكيف أن خمسة عشرة دقيقة غيروا مسار حياة ابنتي ومسار حياة أسرتي بالكامل... لم أكن لأصدق ما حصل!

يوم خروج تيا من المستشفى وبعد كل المعاناة، شغل بالي سؤال واحد: ماذا سنفعل الآن؟


أنا وتيا

بعد أول مراجعة للطبيب نصحنا ببدء أخذها إلى جلسات للعلاج الطبيعي لأن الشلل سبب لها شدّا في العضلات.

ومع الأيام بدأت أفهم واكتشف...

ماذا يعني الشلل الدماغي لدى الأطفال؟ وما هو العلاج الطبيعي؟

لماذا كانت تبكي بلا سبب واضح؟ وكيف أنني أنا الوحيدة التي تعرف السبب...

لماذا لا تستطيع ابنتي إيصال يدها لفمها حتى تأكل حبة من البسكويت!

وكيف لا تقبل أي حضانة أو روضة استقبال حالة ابنتي إلا عندما أدفع أضعاف القسط العادي...

 الشعور عندما لا تستطيع ابنتي أن تمشي وتقفز مرحاً أو أن تدور فرحة بفستان العيد، وألا تستطيع أن ترقص الباليه وتطلب من أختها أن ترقص بالنيابة عنها...


طفلتي الرائعة تيا

من هنا، قررت أن أكون قوية وبدأت أشجع نفسي لمواجهة الظروف، لأني كنت على يقين تام أن انهياري سيؤدي إلى انهيار تيا! قرَّرت أن تيا لم ولن تكون " نقطة ضعف بحياتي " بل نقطة قوة ومصدر فخر ومكسب عظيم اختاره الله لي شخصياً وميَّزني به.

 لا أنكر مرور لحظات وأيام عليَّ، أفضِّل الانطواء بها عن الناس وكسر الأشياء وممكن أن أقود سيارتي لساعات دون هدف. ولكن، بمجرد تحدثي مع تيا عن أي شيء أعود لطبيعتي ويشتد عزمي من أول وجديد...

"تيا" هي مصدري للطاقة لأكون ناجحة " كأم " لأتميز بعملي وارسم ضحكة عريضة على وجهي ولو كنت قلقة ومحبطة من الداخل.

علَّمتني تيا ألا أنزعج من خيانة أحد ولا على خسارة الأشخاص... علَّمتني أن اكتفي بها فقط!

تيا ابنتي أشكرك كل الشكر لوجودك في حياتي... أحمد الله أنه اختاري لأكون أمّاً لطفلة رائعة مثلك...

تيا اليوم متميزة بين أقرانها من ناحية لغوية، عقلية وإدراكية وهذا يتعارض مع كل تقارير الرنين المغناطيسي التي أظهرت الأجزاء التي تأثرت بدماغها من انقطاع الأكسجين المسؤولة بشكل مباشر عن تطور النطق، الإدراك والحركة...

لا زلنا نحاول التغلب على معيقات التطور الحركي بالعلاج الطبيعي بالإضافة إلى أنها ستخضع لعملية جراحية في غضون الأشهر القادمة لتخفيف الشد العضلي، سنجريها لها في تركيا على أمل أن تتمكن من المشي ولو بشكل مستقل.

هناك من سيسألني"لما قررت اليوم وبعد خمس سنوات أن أشارك قصتي؟" والتي قد تظهر وكأنها مجرد تعبير عن مشاعر وأحاسيس خاصة بين أم وطفلتها!
ستأتي إجابتي بأنني أدركت تمام الإدراك بعد كل الضغط النفسي الذي عشته... أنه وفي بعض الأحيان يكون لعب دور الأم أمر صعب وضغط نفسي مهول وبالأخص بوجود طفل يحتاج إلى اهتمام وعناية شديدين... فرسالتي اليوم موجهة لكل "أم" وبالأخص الأمهات اللاتي ميَّزهن الله بأطفال يعانون من الشلل الدماغي... فهذه الحالة لا يجب أن تكون نقطة ضعف بحياتك وحياة أسرتك بل يجب أن تكون نقطة قوة ومصدر فخر لك – كما ذكرت سابقاً-  فأنت باستطاعتك أن تشكلي الصورة التي ترغبين بها  لطفلك، فمن قوتك وإصرارك ممكن أن يخرج طفلك إلى الحياة واثق بقدراته متحدياً كل القيود ومحارباً لجميع المفاهيم الخاطئة التي يفرضها المجتمع عليه.

اليوم أوجه كلماتي إلى كل من أغلق باب مدرسته بوجهي أو بوجه ابنتي وإلى كل شخص حاول استغلالنا ماديًّا مقابل تقديم خدمات عادية أو أقل من عادية وإلى كل من نظر إلينا نظرة شفقة واكتفى بكلمة "يا حرام" ...

أشكرهم جميعاً لأنهم أمدوني بالإصرار والعزم لإيصال ابنتي إلى ما هي عليه الآن، لأنها تستحق الأفضل من علاج، فرص تعليم وأماكن مخصصة لها للعب مثلها مثل أي طفل آخر...

أشكرهم... لأنه وبكلمة " يا حرام" صممت اليوم على التحدث عن تيا وحالتها... فبعض العائلات لا تحب التحدث عن أطفالها المصابين بالشلل الدماغي خوفاً على مشاعر أطفالهم من كلام الناس وليس خجلاً منهم وأنا لم أعد احتمل ذلك!

فبغض النظر عن كل التحديات، الانكسارات وخيبات الأمل في قلبي... اليوم أنا فخورة في بناتي الثلاث "ليا" والوسطى الرائعة "تيا" وأصغرهم "جوليا".