العلاقات

مذكرات آدم: آدم بعين واحدة...

آب 19 , 2018

بقلم: معتز الجعبري

 

"المرأة تشبه القمر... تارة تبدو فضية... وطورًا ذهبية" – مثل أرميني

 

"آدمنا" اليوم صنف من الرجال يريد دائمًا أن يرى زوجته في طورها الذهبي، ولا يقبل أن تبدو في مظهرها أو مخبرها بدون بريق هذا المعدن النفيس. وقد تكون ذهبية لكن مزاج آدم يراها حديدًا صدئًا!!

من حق "آدمنا" أن يفشل، لكنه لا يقبل من حوائه الفتور.. يجوز في حق آدم أن يدركه التعب، أن يصير محبطًا، حزينًا، مطعونًا يعيش القهر فيصرخ بآه تصم الآذان، أو أن يلوذ بالصمت فيُضرب عن الحديث، فلا يجدي عندها استجداء زوجته ليبث لها شكواه.

إن ما يعتبره آدمنا جائزًا في حقه، يراه غير مقبول في حقها؛ فهو يريد أن يراها كل يوم متجددة وفاتنة كأنما يقلِّب بين قنوات الفضاء فيرى نجماتها الكاسيات العاريات. وهو يفترض بزوجته أن تضاهي “شيفات” الفضائيات بما يصنعون من أطباق، هو يريدها جاهزة للولائم والتواصي دون تذمر، ولا يتوانى في التجريح عند أقل هفوة ترتكبها في مأدبة من مآدب فخره.

"آدمنا" ينسب نجاح أولاده لعبقريته فيقول: "أولادي" وإذا وقع العكس يقول لزوجته "أولادك... فعلوا... وتركوا..." ويحمِّل مهيضة الجناح عدم النجاح، ففي قانونه هي المسؤولة عن الاهتمام بمذاكرة الدروس للكبير، والسهر لإعطاء الدواء للصغير. ويتغير في بيت "آدمنا" الطقس ويلوح "السحل والدعس" إذا أيقظته جلبة الأطفال من قيلولته، أو لم يجد فنجان قهوته أو إذا التمس حزامه أو عقاله الذي يرميه حيثما اتفق ثم لا يجده.

يقتصر حوار "آدمنا" مع زوجته على العتاب واتهماها بالفشل، وتذكيرها بقائمة حقوقه عليها التي لا تقوم بها على الوجه الأكمل، متناسيًا تمامًا حقوقها عليه.

ويلوذ صاحبنا بالسنة النبوية للانتصار لنفسه فيردد قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" ويغفل عن السيرة العملية العطرة لخاتم النبيين مع زوجاته فهو حَسَنُ العشرة معهن، دائم البِشْر، حريص على إدخال السرور إلى نفوسهن، يجلس إليهن، ويأكل معهن، ويحادثهن، ويمازحهن، ويشاورهن، ويستمع إليهن، ويواسيهن، ويطمئن عليهن، ويتغاضى عن تقصيرهن وأخطائهن.

ويظل وفيا لهن بعد موتهن، والمقام لا يتسع لاستقصاء تعامله الفذ مع زوجاته الذي يمثل ترجمة عملية للقرآن الذي وجهنا لحقوق نسائنا بنصوص مثل: "وعاشروهن بالمعروف"، "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة" والدرجة هنا تحمل معنى التكليف لا التشريف، ويتبعها المساءلة والمحاسبة من الله للرجل عن رعايته لزوجته وبيته قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيَّع حتى يسأل الرجل عن أهل بيته".

يا آدم... حواؤك مثلك يصيبها الفتور والإحباط، تغضب وتكتئب، تحزن ويخيب أملها وتعاني القهر أكثر منك أحيانًا، وتزيد معاناتها لأنها تمر بفترات عصيبة تسبب لها تقلب المزاج، إن الأمر لا يكون بيدها بل تكون تحت سلطان الهرمونات التي يفرزها جسمها قبل وأثناء الدورة الشهرية.

يا آدم... إذا رأيت حواءك متقلبة المزاج أو مكتئبة أثناء الحمل وبعده فليس بالضرورة أنها تتمنَّع عن ارضائك أو تسوق دلالها عليك، ثق بالأطباء الذي يقولون بأن التغيرات الكبيرة في هرمونات الإستروجين والبروجسترون أثناء الحمل والولادة تسبب لها كل تلك الأعراض.

يا آدم... ألا تستحق حواؤك التقدير لما تتحمله من مسؤوليات كبرى مثل الحمل والولادة والإرضاع وما يتطلبه ذلك من الجهد والسهر، فضلا عن مسؤوليات وأعباء المنزل التي تحملها على كاهلها أصلاً، وتجمع أحيانًا إلى تلك الوظائف الأصلية مهام أخرى كالعمل والدارسة.

يا آدم...  أنت تحصل على إجازة أسبوعية وسنوية من عملك وحتى من مسؤولية البيت والأولاد، لكن حواءك لا تحصل على إجازة، ومع ذلك فإنها لا تتذمر وكل ما تنشده منك أن تتفهم كينونتها البشرية التي تصل لقمة الحماس والنشاط وتنحدر لقعر الكلل والفتور، وتعيش دفق إشراق الهمة وتعاني من اضمحلالها.

يا آدم... إن كلمة شكر واحدة منك لحوائك أو لمسة حانية على كتفها أو اقتراب منها واستماع لفضفضتها، وتبادل الحوار معها... تلك أشياء بسيطة لا تكلفك شيئا ولكنها كفيلة بإشعارها بقيمتها عندك وكفيلة بغسل تعبها وتجديد همتها ونشاطها.

 

سؤال إحصائي:

ما عدد "الأوادم" الذين يقدِّرون تضحيات زوجاتهم بشكر اللسان أو الحال، ويستمعون بصدور رحبة لإحباطاتهن؟