العلاقات

لغة المشاعر.. المناعة الطبيعية للعلاقة الزوجية

أيار 07 , 2018
م. رلى زيد الكيلاني
رلى الكيلاني أخصائية تواصل وذكاء عاطفي محترفة ولديها حماسٌ دائم بنشر الوعي. تحمل الجنسيتين البريطانية والأردنية....المزيد

بقلم: م. رلى "زيد الكيلاني" - مستشارة تطوير المحتوى والبرامج التدريبية في الذكاء العاطفي

تبدأ أول شرارة اهتمام بين الرجل والمرأة بنظرة أو كلمة هزت القلب الوحيد لتجبره على إعادة ترتيب السيالات العصبية في الدماغ الذي كان يعتقد أنه المسيطر الأول على الجسم، فيسلم بدوره راية القيادة إلى القلب الذي عرف كيف يتحكم بفيزيائة الجسم بفطرة تصعب على علماء العصر تفسيرها لليوم. فعندما يدق القلب خجلاً أو رغبة في المضي قدماً في مخطط الارتباط العاطفي، تأخذ تلك العضلة الذكية دورها الحسي الإعجازي لتشعر الإنسان وزوجه المستقبلي بقدسية الرابط الإنساني الذي سيصبغ عليهما صفة الزوجية.

وبعدها تبدأ رحلة النضج العاطفي الحقيقي، الذي يجد الرجل كما المرأة نفسيهما أمام حيوات متعددة، يلعب كل فيها أدواراً لم يكن قد لعبها من قبل، يتعلم بها ويعلم، يتنازل بها ويطلب، يعطي ويأخذ الحب، كلاً بمقدار، قد يسميه البعض نصيباً، تعايشاً، أو رحلة بناء للتفردية التي تفسر أحلامنا، طموحاتنا، رغباتنا وحتى قيَمنا.

إن لغة المشاعر هي العامل الأساسي في تطور أي علاقة عاطفية، الأمر الذي يعرفه كل رجل وامرأة في لحظات التعارف الأولى... لكن ما أن تبدأ الحياة باختبار العلاقة العاطفية، حتى يتناسى الزوجان شيئا فشيئا لغة المشاعر، بداع العملية والاعتياد والأولويات. فتًنسى كلمات الإعجاب والمديح والشكر، وتختفي نظرات الاهتمام شيئا فشيئاً، وقد تستبدل بنظرات ضيق غير إرادية أو حتى إرادية مع سابق إصرار وترصد للتنفيس عن الغضب أو الانزعاج.. ويتم تجاهل مؤشرات لغة الجسد حتى الواضح منها، فلا نعود نرى التعب في عيونها، أو نسمع القلق في صوته، ولا نشعر بقدرتنا على بذل الطاقة للإمساك باليد وطمأنتها أو التربيت على الكتف للتخفيف من أثر الأعباء والمسؤوليات.. فيعلو الصوت وتعلو معه العصبية والسترس ونسبة سكر الدم والضغط مع كل فحص طبي دوري يقوم به الزوجان للاطمئنان على قوة الجسد، متناسين صمام الأمان الحقيقي للمناعة الطبيعية ألا وهو العاطفة! هذه الطاقة المتجددة التي زرعها القادر فينا بني البشر لشحن طاقات الإنسان للتغلب على أمراض الجسد والفكر والقلب!

في كتابه "٧ أساسيات تجعل الزواج ناجحاً"، يقول جون غوتمان أن في دراسته لمسببات الزواج الناجح، وجد أن الذكاء العاطفي هو المفتاح الحقيقي لعلاقة ناجحة بين الزوجين، وأن مهارات الذكاء العاطفي هي مهارات يمكن لأي زوج أو زوجة تطويرها.

ومن هنا وجب على كل من الزوجة والزوج الاهتمام بشكل متبادل بهذا المكون الأساسي في بناء العلاقة العاطفية الصحية، فلغة المشاعر هي التي تؤسس للسكينة والراحة والنضج في العلاقة الزوجية، وهي التي تبني بيئة عاطفية قادرة على تنشئة جيل واعٍ محب وواثق من نفسه.

فكيف نحافظ على لغة المشاعر الإيجابية في العلاقة الزوجية؟

  • الوعي بالحاجة الطبيعية للتقبل العاطفي: يجب على كل من الزوج والزوجة تفهم هذا الاحتياج الطبيعي والذي من أجله قام الزواج. فالتقبل هو الذي يزرع الثقة والحميمية ويشجع على مراعاة الطرف الآخر والاهتمام به. ليس من الرجولة إنكار هذه الحاجة كما أنه ليس من الضعف الإعلان عن هذه الحاجة، بل هو حق لكل زوج على زوجه.

بالتقبل يقوى الحب ويصبح قادراً على مواجهة صعوبات الحياة.

  • تجنب البخل العاطفي: عليك أولاً ألا تتوقع أن يحقق لك زوجك السعادة، سعادتك تعتمد على حالتك الذهنية، فإن اخترت أن تعيش سعيداً فهو خيار وعندها يستطيع زوجك أن يساعدك. وحتى تشعر بلذة السعادة عليك أن تحب نفسك وتحب إسعاد غيرك! ومن هنا عليك ألا تبخل بمشاعرك والتعبير عنها، وتنضج شيئاً فشيئاً من القيود التي فرضتها بيئتك عليك وأنت أعزب، فأنت اليوم في مملكتك، بيت الزوجية! عبر عن حبك وحماسك لزوجك ولا تكتم عنه ما تشعر به، حتى تعلمه الصدق معك في المشاعر، والحرية في التعبير لك عن حبه وحنانه.
  • الاهتمام بالفرح كقيمة: هناك علاقة وثيقة بين سعادة الزوجين والقدرة على تصيد اللحظات الجميلة بينهما، والاحتفال بها. تقول الدراسات أن الأزواج الذين يحافظون على قدرتهم على التفاعل بإيجابية مع النجاحات واللحظات الجميلة هم أقدر على تجديد لغة المشاعر فيما بينهما الأمر الذي يعزز في الذاكرة العاطفية قيمة هذه العلاقة التي تزيد مع زيادة الخبرات الجميلة المشتركة.

خطورة المزاج السلبي عند الزوجين تكمن في أن يصبح هذا المزاج هو الحالة العامة في البيت، بدلاً من أن يكون حالة عابرة كرد فعل عن ظرف تمر به العائلة. احرص على أن تداوي السلبية بتصيد اللحظات الجميلة، أو مبادلة الشريك فرحته حتى على أصغر الأشياء.

  • استخدام المسؤولية المشتركة بدلا من النقد: للحفاظ على لغة المشاعر حية بين الأزواج، هناك مفتاح يسهل عليهم الخوض في الخلافات والخلوص إلى نتيجة مربحة لجميع الأطراف Win-Win ، ألا وهي التعبير عن المسؤولية المشتركة. فبدلاً من لوم الشريك على الإنفاق مثلا، يمكن توجيه الملاحظة من خلال تحمل المسؤولية المشتركة وتعزيزها في الحديث... "ما رأيك؟ كيف يمكننا أن نقتصد اليوم حتى نتمكن من تسديد الالتزام مع حلول الصيف؟ "
  • الحفاظ على أسماء الدلع مهما كبر العمر: فما أجمل من أن يكبر الزوجان بلغة عاطفية تعبر للجميع عن الثنائية البناءة؟ الملاطفة اللفظية ضرورية جداً لأنها تذكر الزوجين بأهمية ارتباطهما في زحمة يومنا الذي ينسينا في كثير من الأحيان كيف نملأ حاجة القلب لسماع كلمة حنونة تبرد عليه هموم الدنيا ومسؤولياتها المضنية.

نادها "بحبيبتي"! نعم أمام الأبناء والأصدقاء ولا تخجل! فمن أحق منها بهذا اللقب؟ وأنت تجاوبي مع طفله الداخلي وناده "بحبيبي" وذكريه بقربه مهما ابتعد وانشغل بهموم العمل!

  • لغة الغضب والصمت مؤشر: قد يعاني الكثير من الأزواج من فتور العلاقة العاطفية، وهذا أمر طبيعي يمر به الكثيرون، لكن تخطي هذه المرحلة يحتاج من الطرفان عدم الاختباء وراء الخوف من هدم العلاقة، وعدم مواجهة الضيق أو الشعور بالملامة أو عدم تقدير الطرف الآخر، لأن هذه المشاعر المكبوتة بين الزوجين ستسبب لهما التوتر الذي يظهر مع الوقت على شكل الغضب، أو الانسحاب والفتور، كأسلوب للدفاع عن النفس من الأذى العاطفي. عندما تشعر بهذه المؤشرات اعلم أن عليك أن تستثمر بعض الوقت لاسترجاع السكينة والمحبة، والمصارحة لا يجب أن تكون خلافية، إنما يجب أن تكون مطمئنة للطرفين، وذلك يكون بالكلمة المريحة التي تستوعب مشاعر الغضب والخوف، الكلمة الجميلة التي تثلج صدر كليهما والتي تركز على الجوهر الحقيقي: أنا أحبك، وأقدرك، وأقدر كل ما تقدم، وغير ذلك من تشويش الحياة، علينا أن نجتهد في التعامل معه في وقته.

من أخطر المشاعر التي يمكن أن يشعرها الشخص أنه لا حول له ولا قوة داخل العلاقة، وأنه مهما حاول فإنه لن يستطيع تصويب الأمور. لا تضغط على شريك حياتك ليصل إلى هذه المرحلة.

  • طور من فهمك للغة الجسد ومعانيها: قد يتجاهل الكثير من الأزواج خطورة ما تعكسه لغة الجسد من مشاعر. والنضج العاطفي الحقيقي يتطلب من كلا الزوجين تطوير فهمهما واستخدامهما للغة الجسد. انتبه لعبون زوجك أنتَ وأنتِ! ففيهما الكثير من الكلام، ومن الجميل أن يتخذ الزوجان عادة النظر في عيون بعضهما بحنان وخصوصا مع لحظات الصحو الأولى، فهي تطمئن، وتشعر الآخر بطاقة الحماية والدعم والراحة، التي ستقوي كليهما على المهام والمسؤوليات، امسك يدها في الشارع واغسل مافي قلبها من ضيق! وأنت اجلسي بقربه عندما يأتي من العمل و وأشعريه بالسكينة! انتبها لما تصدره لغة جسديكما من إشارات أمام الناس قد تؤذي. الانتباه لتأثير لغة الجسد مهارة عليك أن تهتم بتطويرها.

النظرة لها مفعول السحر، ليس فقط للتعبير عن الغضب، بل أيضا للتعبير عن الحب والحاجة والدعم والحنان.

  • عوِّد شريك حياتك أن يكون ملجأك العاطفي: فلا تتخذ منه أداة لتفريغ غضبك، إنما عوده أن يكون هو الملجأ الذي تلجأ إليه ليستبدل ما في داخلك من طاقة سلبية بطاقة الحب والتقبل. إن أفضل طريقة لتعوده على ذلك، أن تكون أنت نفسك الملجأ العاطفي له. فلا تحكم عليه، أو تنتقده بل تقبل ما يشعر به وأظهر ما فيك من حنان حتى تستوعب طاقته، وأخبره بأهميته في حياتك، وذكره بقدرته هو أيضا على تفريغ سلبيتك واستبدالها بكل جميل.

كل إنسان يحتاج إلى من يشجعه ويذكره بقدرته على إحداث الفرق الإيجابي.  جدد إيمانك بقوة الحب وذكر شريك حياتك به.