صحة المرأة

رسالة إلى صديقتي في اكتئابها...

رسالة إلى صديقتي في اكتئابها...
فبراير 27 , 2018
حنان زين الدين حنان زين الدين
أتمت حنان الماجستير من الجامعة الأردنية عام ٢٠٠٥، حيث كان موضوع رسالتها التي أعدتها لنيل الماجستير يتناول التعلق لدى المراهقين وعلاقته بتقدير... المزيد

صديقتي العزيزة،

يتألم قلبي مع آلامكِ وأنتِ لا تدرين من أين تبدئين؛ فكل ما حولكِ قد يبدو للناظر من بعيد مثالياً، لكنكِ متعبة ومثقلة بالهموم، والأصعب من ذلك أن أحداً لا يشعر بما تشعرين به؛ فلماذا تشتكين وقد حققتِ ما تريدين، حتى ولو كان صعباً وله تبعاته؟ أو تعيشين عيشة يحلم بها الكثيرون ويقولون إنكِ لا تقدرين النعمة؟ لا تكترثي.. أعلم أن كل ما تمرين به في داخلكِ يؤثر عليكِ وعلى حياتك وحياة أسرتكِ الصغيرة.

من الصعب أن تنظري حولكِ فتري الفوضى في كل مكان، ولا تستطيعين النهوض من سريركِ حتى مع نداءات طفلك المتكررة، فتكتفين بأن تقولي له أنكِ متعبة أو تفكرين. تخشين من نفسكِ أكثر إذا نهضتِ، فحتى البكاء لا يريحكِ، وتتعبين من مجرد الإحساس بأن عليكِ القيام بأي عمل؛ حتى لو كان من ضمن اهتماماتك أو كان يجلب لكِ المتعة والفرح، فكل شيء لا طعم له منذ أيام طويلة تتعدى بضعة أشهر، ولا أحد يشعر بكِ أو يفهم ما تمرين به.

ولكي يزداد الأمر سوءاً أخذتِ تلجئين إلى الطعام لعله يجلب لكِ بعض السعادة، إلا أنه يجلب معه كل ذلك الوزن الزائد (أو ربما تفقدين شهيتك وينخفض وزنك بشكل كبير)، فتزدادين كرهاً للقيام بأي شيء، وإعراضاً عن الخروج أو الزيارات لكي لا تسمعي كلمات تضايقك ممن حولك، حتى من يهتمون بشأنكِ، فهم مستاؤون من حالك. لكنهم لا يفهمون. لا أحد يفهم. يحزنني كذلك أنكِ تتألمين لأن أولادكِ يتأثرون بما تمرين به؛ فيشعرون بتغيرك وسلبيتك، وربما تفرغين فيهم انفعالاتك غضباً فيخشون منكِ ولا يشعرون بالأمان، فتشعرين بالذنب لهذا أيضاً.

ولكل هذا يذهب خيالك بعيداً؛ فربما تنتظرين الموت مقتنعةً أنكِ به وحده سترتاحين، وتقولين لنفسك إنه أفضل لكِ ولمن حولكِ. وعلى ألمي وأنا أسمع كلماتك، فإنني أدرك جيداً أن مصدرها الدفين هو ذلك المرض الصعب الذي لا يبدو ظاهراً أمام أعين الآخرين: الاكتئاب. فرغم أن الجميع يتعاطفون مع من كُسرت رجله في حادثٍ مثلاً ولا يتوقعون منه الكثير، بل ويطالبونه بالراحة والنوم ويقومون بتدليله، فإن العكس هو ما يحدث في معظم الأحيان مع من يعاني من الاكتئاب مثلكِ؛ فلا يفهمون لماذا تستمرين في "النكد" ويطالبونكِ بالعودة إلى سابق عهدك من النشاط والحيوية وأداء واجباتك اليومية، وحين تسمعين كلاماً كهذا تحسّين بأنه عبءٌ فوق عبئكِ.

هل أرى دموعاً في عينيكِ؟ هل لامست كلماتي مشاعركِ التي ظننتِ أنكِ فقدتِها؟ لا بأس يا صديقتي، ابكي فالبكاء وُجِد لتفريغ مشاعرنا وإخراجها على شكل دموع متناثرة، فاسمحي لها بالخروج. بعد أن تنتهي من قراءة هذه الفقرة من رسالتي، وبعد أن تخرجي دموعكِ كلها وتهدئي قليلاً، أريد منكِ أن تنهضي وتعدي كوباً من الشاي أو القهوة، حسبما تحبين، وأن تكملي القراءة بعدها.

هل أحضرت المشروب الساخن؟ ممتاز. والآن بعد أن أخرجتِ بعض مشاعركِ وهدأتِ، اسمحي لي أن أقترح عليكِ عدة اقتراحات، واحتفظي بها فربما تفيدك في أي وقتِ يعاودك فيه الاكتئاب:

أولاً يا عزيزتي، من الضروري ألا تكوني وحدكِ. شكراً لأنكِ اخترتِ أن تشاركيني مشاعركِ وبعض ما تمرين به من ألم وحزن ووحدة. إن مجرد الحديث في وضعٍ كوضعك أمر صعب جداً؛ وأنا متأكدة من أنكِ بذلتِ مجهوداً جباراً فقط لتطلبي مني منحكِ بعض الوقت للاستماع إليكِ. من الضروري أن يكون لدى كل منا شخصٌ يسمعه وهو في أسوأ حالاته (صديقة أو أم أو زوج، أو حتى لو خشيتِ من رد فعلهم فيمكنك اللجوء إلى أخصائية نفسية)، ومن المهم ألا تبقي وحدكِ في حزنكِ.

ثانياً: وقبل أن تقومي بأي خطوة، فإن إخراج مشاعركِ ما أمكن ضروري جداً لكي تتعاملي معها وترتاحي بعد إفراغها، البكاء والدموع إحدى طرق إفراغها، والحديث مع من تثقين به وسيلة أخرى، وإذا تعذر ذلك لأي سبب، فأحضري أوراقاً وقلماً واكتبي ما تشعرين به ما أمكن.

ثالثاً: لا تتوقعي من نفسكِ إنجاز كل شيء كما كنتِ تفعلين سابقاً؛ فأنتِ الآن متعبة وبحاجة إلى "نقاهة نفسية" إن صح التعبير. فتقبلي وضعك الحالي وتدرجي في إدخال أي تعديلات تفكرين بها للعودة إلى نشاطك تدريجياً. يمكنك كتابة قائمة بما تريدين فعله لكي تعودي إليها عندما تجدين نفسك قادرة على البدء بالتغيير.

رابعاً: إن الحزن والاكتئاب لا يبقى كما هو كل يوم: قومي كل صباح بتحديد مقدار شعورك بالاكتئاب من 1 إلى 10 ودوني ذلك يومياً. لاحظي متى تكونين أفضل، وما الذي ساعدكِ في ذلك (كحدثٍ حصل معك في اليوم السابق مثلاً، أو التحدث إلى صديقة، أو حتى ضحكة طفلك الجميلة في ذلك الصباح). حين تجدين الأرقام تتغير سيساعدك ذلك في التعرف على ما يفيدك والاستزادة منه.

خامساً: ابدئي بممارسة نشاطٍ رياضي بسيط؛ رغم أن النشاط الحركي قد يكون أبعد من تفكيرك بكثير، لكن إن بدأتِ بالأمور السابقة فيمكنك إضافة خطوة جديدة بالمشي كل صباح مثلاً، أو الرقص على أنغام أغانيكِ المفضلة لنصف ساعة، أو الانضمام إلى نادٍ رياضي لفترة وجيزة. فالدراسات تبين أن الرياضة تساعد بشكل كبير في التقليل من الاكتئاب.

سادساً: لا تنسي ما حولكِ من نِعَم؛ فمن السهل نسيانها في ضوء الحزن الذي يحيط بنا، لكن استشعار أي نعمة يبث بصيصاً من الضوء في ثنايا ظلمة الاكتئاب؛ فاكتبي كل يومٍ نعمةً واحدة تشعرين بالامتنان لوجودها في حياتك، وفكري بها طوال اليوم، وتحدثي عنها؛ وسوف تتعجبين لمقدار الأثر الناجم عن مجرد استشعار النعم.

سابعاً وأخيراً، لو كان كل ذلك صعباً عليكِ ولم يتحسن شعورك مطلقاً رغم محاولاتكِ، فمن الضروري أن تلجئي لطلب المساعدة من طبيب نفسي أو أخصائية نفسية. وبشكل عام، تبين الدراسات أن الحصول على العلاج النفسي (بالكلام) أكثر فاعلية من العلاج الدوائي؛ والدمج بين كلا العلاجين النفسي والدوائي يفوق تأثيرهما منفردين. إلا أن هذا الأمر يكون حسب مقتضيات الحالة وفق ما يحددة لك المعالج المختص.

أتمنى أن تفيدكِ هذه النصائح، ومن الضروي أن تهتمي بنفسكِ أولاً لكي تتمكني من الاهتمام بأبنائك جيداً؛ فلا تهمليها بالالتهاء بهم أو بغيرهم إن كان اكتئابك عميقاً إلى حدٍّ يعيقكِ من أداء واجباتك اليومية. تقبلي مودتي.

 

(ملاحظة: هذه الرسالة عامة وليست مقتصرة على أحد، فكل من مر ويمر بالاكتئاب يدرك صعوبة التعامل معه، خصوصاً إن تكرر أكثر من مرة. شكر خاص لصديقتي التي ألهمتني وشجعتني على كتابة الرسالة، وأتمنى أن تفيدكن جميعاً).

مواضيع قد تهمك

اسألي خبراءنا مباشرة الآن!

الأكثر شعبية