عن القراءة

هل المقالات الغربية تناسبنا؟

آذار 07 , 2019
حنان زين الدين
أتمت حنان الماجستير من الجامعة الأردنية عام ٢٠٠٥، حيث كان موضوع رسالتها التي أعدتها لنيل الماجستير يتناول التعلق لدى المراهقين وعلاقته بتقدير الضغوط ا...المزيد

ناداني زوجي وهو يتصفح موقع فيسبوك لأطلع على مقالٍ شاركته زميلة له، المقال باللغة الإنجليزية لكاتبة أجنبية، تقول إنها لن تتزوج حتى تجد رجلاً بمواصفاتٍ معينة أوردتها في المقال، ألقيتُ نظرة على تلك النقاط، بينما زوجي يقول: "لا يوجد رجلٌ لديه هذه الصفات!" فقلت له: "بل لديك العديد منها يا عزيزي، لكن معرفة هذه الأمور تحديداً يحتاج إلى المعرفة والمعاشرة وبعضها لا يأتي إلا بعد الزواج!" انتهى الحوار المتعلق بالمقال لكنني ظللت أفكر فيه... 

فكاتبة هذا المقال تعتمد أسلوب الحياة الغربي، فلكي تصل إلى هذه الصفات وتتأكد منها تحتاج إلى العيش مع ذلك الرجل مدةً من الزمن ثم تقرر إن كان كذلك أم لا، فمن "سيضحي من أجلك مهما كان الثمن" مثلاً لن يقوم بذلك لمجرد التعارف أو الخطوبة، بل سيأتي مع العشرة والتقدير المتبادل بين الزوجين ووجود المودة والرحمة بينهما.

رحت أفكر بحال المقالات المأخوذة أو المترجمة من الإنجليزية، خصوصاً تلك التي تتناول التجارب الشخصية، أو حتى بعض المقالات التي تحمل الطابع "العلمي" لكنه علم وثيق الصلة بطبيعة المجتمع المستقاةِ منه؛ فليس كل ما نجده فيها ينطبق علينا، بل إن المقارنة قد تكون مجحفةً أحياناً؛ فطبيعة الزواج وتوزيع المسؤوليات وطريقة الإنفاق تختلف اختلافاً تاماً، وهي -على سبيل المثال- موزعة ومقسمة بشكل واضح وصارم في الدين الإسلامي، الذي تستمد منه الكثير من القوانين والأمور الحياتية في الدول العربية والإسلامية.

ونقل مثل تلك التجارب لن يخدمنا، بل ربما يقلل من مزايانا التي تراعي وضعنا ونفسياتنا أكثر من أي أمر آخر قد يأتينا من الغرب على أنه هو الأساس، وهو ليس إلا تكيُّفاً مع طبيعة المجتمع هناك!

وللأسف، حتى في التربية والأبحاث المتصلة بها، تركز معظم الدراسات على دور الوالدين فقط، بينما توجد أدوار أخرى مناطة بالعمات والخالات بل والجدات التي قلَّما يتم التطرق إليها. قد نتأفف أحياناً من التدخل الزائد للجدات والأقارب في توجيهنا ونصحنا لتربية أبنائنا، ولكننا لا نتأفف من تلك المقالة الغربية التي تخبرنا بالأساليب نفسها أحياناً فقط لأنها كُتبت بالإنجليزية!

كما أن المجتمع المحلي ككل له تأثيره فينا ولنا تأثيرنا فيه. المبالغة في التدخل في الآخرين مزعجة، لكن المبالغة في أن تدع الآخرين وشأنهم بشكلٍ زائد ليست بالأمر الصائب أيضاً؛ فالمجتمع وحدة واحدة وسيتأثر ببعضه بعضاً، ومن المهم أن نساعد بعضنا البعض في تنمية السلوكيات المحمودة أياً كانت ونشجع بعضنا عليها؛ فالوحدة الزائدة سبب للاضطرابات النفسية وغيرها من المشكلات التي أصبحت معظم المجتمعات تعاني منها بشكل كبير، مما حدا ببريطانيا أن تنشئ وزارة لمن يشعرون بالوحدة للتعامل مع هذه المشكلة.

ومن أمثلة المواضيع التي يتم التطرق إليها في هذا السياق موضوع التربية الجنسية، ومدى ما يجب أن يطَّلع عليه الطفل في العلاقة بين الجنسين (بل والعلاقات المثلية التي أصبحت مطروحةً بشدة في المقالات الحديثة الغربية وفي قصص الأطفال)، ومن أي عمر ينبغي أن يبدأ ذلك. ومن ملاحظتي لردود فعل بعض الأهالي في دولنا العربية على مواقع التواصل الاجتماعي إذا تحدث أحدهم عن مثل هذه المواضيع، فإنهم أصبحوا يقولون: "وما المشكلة في ذلك؟ لا يجب على الأهل المبالغة! كل الدنيا هكذا." وكأن إقدام الجميع على أمرٍ خاطئ يجعله صحيحاً أو لا بأس به (سواء كان اعتباره خطأ هنا بالرجوع إلى المعيار الديني، أو إلى الأساليب الوقائية المتعلقة بحماية الطفل من التعرض للمواد والسلوكيات الإباحية أياً كانت) 

وكأن المحرمات التي تؤثر فعلاً على نفسية الطفل وعقله أصبحت أمراً عادياً؛ رغم أن المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الطفل والتعاليم الدينية المختلفة صارمة في هذه النقطة، وبدأت كثير من الدول والمنظمات باتخاذ تدابير إضافية لحماية الأطفال من التعرض المبكر للمواد ذات الطبيعة الجنسية.

لعل ما أريد قوله في هذا المقال باختصار هو: علينا أن ننتبه إلى مصادر ما نأخذه من مقالات ومعلومات، وعرضها على فطرتنا وإحساسنا بالصواب والخطأ، وعلى معيارنا الديني، وما ينطبق علينا حقاً أو لا ينطبق، وذلك قبل أن ننقلها ونأخذ بها كمسلماتٍ ونعتبر أنها تناسبنا، رغم أنها قد تؤثر في تفكيرنا دون أن تكون منطبقة علينا حقاً، ولا تراعي وضعنا النفسي أو الأسري أو الاجتماعي أو الثقافي أو الديني، بل وقد تزيد من المشكلات بدل أن تحلها. دمتم بوعي.