قصص أمهات

فقدان ابنتي للنظر جعلني أرى الحياة بوضوح أكثر

فقدان ابنتي للنظر جعلني أرى الحياة بوضوح أكثر
النشر : أغسطس 15 , 2021
آخر تحديث : أغسطس 27 , 2021
آية صرصور آية صرصور
آية صرصور، أم لطفلة٬ فلسطينية وتعيش في فلسطين٬ كاتبة محتوى باللغة العربية ومترجمة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية وبالعكس٬ كما أنها... المزيد

قصة الأم: نهى سمارة خياط. 

تصدمنا الحياة وتمتحننا في أعز ما نملك، ولم أكن أعلم قيمة حاسة البصر حتى مررت بما مررت به مع ابنتي سوزان، فلذة كبدي التي كان النور ينطفئ في عينيها أمامي يوماً تلو الآخر حتى أصبحت تغرق في عتمة لا نهاية لها، ولم تعد تبصر من الألوان إلا اللون الأسود القاتم.

شعرت بالصدمة.. وأيما صدمة! حين أخبرني الطبيب أن ابنتي لن تبصر مجدداً، ووددت حينها لو أن الحياة تعود بنا للوراء أو أن يتوقف الزمن لحظات حتى أستطيع التمسك بما تبقى لها من بصر.

بدأت حكاية ابنتي في عمر السنة والنصف، حيث لاحظت أن لديها كسل بسيط في العين اليمنى وتم فحصها واستنتج الأطباء من التشخيص الأول أنها تعاني مما يسمى بمرض الحول الوحشي، وهو شائع بين الأطفال، ولكن للاطمئنان تم فحص أجزاء العين كاملة بعد توسيع البؤبؤ، ولمفاجأتنا كانت النتيجة ضمور بالعصب البصري في العين اليمنى فقط أما اليسرى فكان النظر ٦/٦، وقد أخبرنا الطبيب أنه من المرجح أن يكون الضمور خَلقي منذ الولادة.

وبعد مرور ٣ سنوات، قرأت عن طبيب في دبي يعالج بعض لذلك قمت بحجز موعد بالعيادة والسفر إلى دبي، وبعد مقابلة الطبيب أخبرنا أن هناك بداية ضمور في عصب العين اليسرى ومن المحتمل أن يتوقف أو ان يضمر العصب مع التقدم بالعمر، ولكن هذا العلاج كان لا يزال طور التجربة ولم يكون موثوقاً.

وفي عمر الخمس سنوات لاحظت معلمة سوزان بالمدرسة اقتراب سوزان من الكتاب أو الدفتر عند القراءة والكتابة، وأنا لاحظت في المنزل اقترابها من التلفاز، وللاطمئنان تم حجز موعد طبيب وهنا كان الخبر الصاعق: "بنتك تعتبر من ضعاف البصر ويمكن أن تصبح كفيفة مع التقدم بالعمر وللأسف لا نستطيع تحديد السبب ولا يوجد علاج لها"

ولكنني لم أقبل بهذا التشخيص، وطلبت استشارة أخرى، ورغم المصاعب بحكم أننا فلسطينيون مقيمون في السعودية، فقد قررنا السفر إلى فلسطين، حيث بدأت رحلة العلاج التي لا تنتهي.

وعلى الرغم من أن ولادة سوزان كانت صعبة للغاية، فقد كانت مدة المخاض ٢٦ ساعة، ولكن كل المؤشرات الحيوية لها كانت ممتازة وبعد الولادة لم يكن هناك أي عارض ولا مسبب للضمور حتى بدأت تظهر الأعراض في عمر السنة والنصف، وهي الحالة الوحيدة في العائلتين، وكأن القدر اختارها هي من بين الجميع.

مررنا بأصعب سنتين في حياتنا وقد جاءت رحلة العلاج على مراحل؛ كانت البداية مع التصوير المغناطيسي ومحاولة التشخيص في السعودية ثم في مدينتي رام الله ونابلس، ليتم تحويل طفلتي بعد ذلك إلى مستشفى في القدس مدة أسبوع لتشخيصها مجدداً هناك، فحوصات لا تعد ولا تحصى، وجسد صغير لم يعد يحتمل أكثر! ثم جاءت مرحلة فحص الجينات على أمل معرفه السبب، حيث تم عمل فحصي جينات واحد في فلسطين وآخر في سويسرا، ولكن دون أي بصيص أمل!

ولم يكن لسفرنا إلى الخارج وسعينا نحو أفضل السبل وطرق العلاج فائدة، فقد ذهبنا إلى ألمانيا بقلوب يملؤها الأمل في الحفاظ على ما تبقى من بصر طفلتنا عن طريق التحفيز بالكهرباء، لكننا عدنا بعيون يملؤها الدمع وقد فقدت صغيرتنا بصرها!  

أصبحت هذه العيون حزينة وكئيبة وقاتمة، رأينا فيها الدموع ولم نعد نرى الابتسامات، حتى قررنا أن نضع كل تركيزنا على تقوية شخصية سوزان وإخراجها من كل ما مرت به نفسياً وجسدياً، فقد كانت تعاني من الصدمة.

في البداية، أصبحت متقوقعة على نفسها بحكم عدم قدرتها على اللعب كما كانت من قبل، أصبحت خطواتها متعثرة وكثر ارتطامها بالأجسام من حولها، ولكن بعزيمتها استطاعت أن تكون أقوى.

وقفت إلى جانبها لإرشادها وتوجيهها، وكنت لها البصر الذي فقدته، ووقفت إلى جانبها حتى تجد البصيرة لترى بحواسها المتبقية، وقد كان لعيشها 5 سنوات وهي مبصرة دوراً كبيراً في تجاوزها هذه المحنة، فهي كانت تعلم وتعرف الكثير وتتذكر الأشكال والألوان وتتمسك بصور الأشياء في عقلها.

وفي كل إنجاز كانت تصل له سوزان، كنت أشعر وكأن الأمل بدأ يعود لحياتنا من جديد، ولكن اصطدمنا بالواقع عندما اكتشفنا أنه لا يوجد لابنتي مكان في المجتمع الذي نحن فيه، ولا يوجد اهتمام بها وبمن يشبهها من الأطفال.

لذلك قمت بإنشاء صفحة خاصة بها على منصة انستغرام أملاً في أن يكون هذا مصدر إلهام ونور للأطفال الآخرين ورغبةً في مشاركة كل أفكاري وأسلوبي مع سوزان في كافة المجالات لمساعدة غيري من الأمهات، وقد وجدت الدعم والحب والتضامن ورأيت تقبلاً كبيراً ممن حولي ومن المجتمع.

وأنا أعترف أن أكبر الحروب التي واجهتها كانت تلك الحرب التي في داخلي، أن أتقبل التغير الحاصل لابنتي وأن أتوقف عن البحث عن علاج لأن لا مسمى لحالتها حتى تعالج وأن أحاول تنمية قدراتها وأن أثق بأنها قادرة على فعل كل ما تريد.

وكانت المفاجأة، حيث أنجزت طفلتي سوزان المستوى الثاني من رقص الباليه والمستوى الثالث من السباحة والمستوى الثاني من الحساب الذهني وحالياً تتابع دروساً في اللغة الفرنسية، وفي المستقبل القادم سيكون هناك الكثير من الإنجازات لها وستكون فخورة بنفسها جداَ، وكان ما أسعد قلبي حقاً حين سمعتها تقول: "شكراً ماما أنا بعمل كتير أشياء الأطفال اللي بقدروا يشوفوا ما قدروا يعملوها".

بالنسبة لي، حتى وإن توقف الجميع عن دعم طفلتي فإنني لن أتركها وسأحمل على عاتقي مسؤولية دعمها ومساعدتها لتحقق ذاتها وطموحها مهما كلف الأمر! فهي نعمة من الله ورحمة، معها اكتشفت قدراتنا اللامحدودة وبصيرتنا الداخلية التي تغنينا عن الرؤية المادية للأمور من حولنا، فأنا وإن كنتُ أساعد سوزان في رؤية الأشياء، فهي تساعدني في فهم كل شيء ورؤيته بشكل أفضل.

 

 

مواضيع قد تهمك

الأكثر شعبية