قصص أمهات

غير طيف التوحد طفلي وأحبه كما هو

غير طيف التوحد طفلي وأحبه كما هو
أبريل 02 , 2021

قصة لينا عساف – أم آدم

تحرير: لينا عرّابي

 

ولد طفلي آدم ولادة طبيعية وكانت صحته سليمة، حتى أن جميع مراحل تطوره كانت تسبق عمره حيث ظهر أول سن له على عمر 3 أشهر ونصف ومشى على 9 أشهر، كل من كان يراه كان يقول لي: "ماشاء الله بنغيب عنه أسبوع نرجع نلاقيه كبر!"، وحتى مهاراته الاجتماعية وضحكاته كانت تعلو في أي مكان فينشر الفرح من حوله.

في عمر السنة، اضطررنا أن وزوجي للسفر خارجاً للعمل، فقررت أن أسجله في الحضانة ليلعب ويخالط أقرانه مع أنني كنت متعلقة به جداً، كنت أراقبه حتى يدخل وأنتظره حتى ينتهي الدوام ومن ثم كنت أشاهد كاميرات الحضانة دون توقف على هاتفي الجوال، والذي كان يسعدني ويفاجئني سعادته وفرحه باللعب وانسجامه مع صفه ومعلماته، فاطمأن قلبي وبدأت عملي بعد شهر من متابعته.

بدت الحياة طبيعية حينها ولم يخطر ببالي أن على عمر السنة وثمانية أشهر سيتغير كل شيء

اختلف آدم توقف عن التجاوب معنا أو الرد علينا عند مناداته، كان شكنا الأكبر هو أن لديه مشاكل بالسمع فحجزت أول طائرة على بلدي لأجري له الفحوصات اللازمة. اتبعت البرتوكول لمثل هذه الحالات من فحص سمع وفحص السمع الدماغي وتقييم في المراكز رغم رفضي فكرة أن آدم يعاني من شيء ما.

نتائج الفحوصات كانت سليمة والمراكز لم تعطنا أي تشخيص لحالته، نصحونا بالبدء بجلسات علاج للنطق واللغة لأنه توقف عن الكلام، حتى كلمتي ماما وبابا توقفنا عن سماعهما.

ولد مع امه في السيارة

ومن هناك بدأت رحلة الزيارات للأطبة وفحوصات الأشعة والتخطيط للدماغ والشحنات، وفحوصات المعادن الثقيلة والحديد والبصمة الغذائية والغدة... لم يعتب علينا طبيب أو مركز رغم أن جميع النتائج ظهرت طبيعية وأن ابني سليم... إلا أنه لم يعد ابني الذي أعرفه!

الأمر الوحيد الذي اتضح لنا حينها أنه على الأغلب مصاب بطيف التوحد وأن علينا البدء بالعلاجات التي قد يحتاجها للتعامل مع تحديات الاضطراب.

بدأنا بجلسات مكثفة للنطق وتعديل السلوك والتعليم المساند، كنت أمضي أربع ساعات متواصلة يومياً وأنا أعلمه وأدرسه حتى أشعر أنه يكبر وأصبح مثله مثل أطفال سنه.

 

 كما أنني أصررت على تدريبه على استخدام الحمام فنجحنا بذلك على عمر السنتين ونصف بعد جهد كبير والحمد لله شعرت حينها ان يتطور ويكبر وينجز.

اعتقدت حينها أن المراحل الصعبة قد انتهت ولكن ما أن ارتحنا قليلاً حتى بدأت الصراعات مع المدارس.

كنت استغرب طلباتهم منا كأهل لطفل من ذوي التحديات فيطلبون ضعف الرسوم للأقساط لمجرد دعمهم لطفلنا في عمليته الدراسية الأمر الذي لم استوعبه ولم أتقبله يوماً كأنهم يريدون زيادة همومنا وسد الطريق في وجوهنا.

فكرت كثيراً وقلبت الأمور في رأسي وقررت مواجهة اليأس بزيارة كل مدرسة أعرفها، من الصحيح أنني كنت أخرج باكية بعد كل زيارة إلا أنني تغلبت على هذا الأمر وازدادت قوتي قوة وشجعت نفسي على إشراك طفلي في كل شيء حتى لو لم أجد المدرسة المناسبة له بعد.

طفل يدرس مع طفل آخر

 

كنت ألبي دعوات أعياد الميلاد حتى يفرح مع الآخرين رغم تصرفاته وسلوكياته التي كانت تتركني باكية بعد كل خروج، مثل أن يضع يده في كعكة الميلاد أو فتح الهدايا التي لا تخصه وهجومه على حقائب الأمهات الأخريات باحثاً عن الشوكولاتة... قررت أن اتقبل كل هذا وأتعامل معه وأن اجعل من حولي يتقبله مثلي بألا اتوقف عن مديحه والدعاء له امامهم، كنت أنفس عن نفسي بالدموع ثم أمسحها وأكمل طريقي معه.

 

المهم بالنسبة إلي، أنني واجهت نفسي بالحقيقة بعد اكتئاب طويل وتعب ومراقبة حياتنا وهي تقلب رأس على عقب. وطبعاً لن أنسى وقوف زوجي بجانبي ودعمه لي ودعم أهلي وصديقاتي الذين كانوا ولا زالوا معي في كل خطوة.

بعد التقبل والامتنان، بدأت أخطو خطوات حقيقة للتغلب على الصعوبات التي تواجهني مع آدم، وبصراحة حصدت ثمرة أعمالي...

ام وطفلها في السيترة

على عمر الثلاث سنوات تعلم طفلي الركوب على الخيل ثم خاف منه لم أشعر بالإحباط بحثت عن هواية أخرى فوجدت انه يحب السباحة، كنت أخاف عليه من الغرق ولكن المدربين لم يعطونا الفرصة لفهمه أكثر ليتمكنوا من تعليمه ورفضوا متابعة تدريبه.

لم يتوقعوا حينها أنني سأصر على تدريبه وتعليمه هذه المهارة التي يحب وبالفعل على عمر 3 سنوات ونصف تمكن من ممارستها بحرفية ودون أدوات مساعدة.

لم نتوقف عن العمل معه والبحث عن مواهبه، جربنا الموسيقة ولم يحبها، ولكنه أحب الطبخ والخبز والأشغال اليدوية، اقتربنا للوصول إلى هدفنا بخطوات صغيرة والمهم أنه سعيد.

 

طوال هذه الفترة وبعد جهد جهيد، لم ينقطع آدم عن المدرسة من الحضانة إلى رياض الأطفال بمرحلتيه الأولى والثانية ثم الصفوف الثلاث الأولى وكنا ندفع مبالغ باهظة بين قسط مدرسة ومعلم ظل وحصص نطق وتعديل سلوك. كما أنه أعاد صف التمهيدي (KG2) مرتين حتى وصل للصف الثاني الابتدائي. هنا قررت ألا أبقيه في المدرسة لظروف الوباء الحالية فالتعلم عن بعد لن يفيده مع تحدياته، فقمنا بتسجيله في مركز للتربية الخاصة لضمان استفادته من وقته هناك والحمد لله نرى فيه تطوراً كل يوم آملين أن تعود المياه لمجاريها ويعود لمدرسته.

 

سنبقى داعمين لآدم رغم الصعود والهبوط الذي نشهده في تطوره، حيث ينسى بعض المهارات ثم يستعديها ويصبح أفضل من قبل فأملنا كبير بالله وندعو أن يكون فرداً سعيداً وناجحاً طول حياته، كما قمنا بإنشاء صفحة خاصة به على الفيسبوك للاحتفال بإنجازاته ونجاحاته ولزيادة الوعي عن اضطراب التوحد .

 

وبعد مشاركتكن تفاصيل قصتي مع طفلي وطيف التوحد، أهم ما أود إيصاله لكنّ هو أن الأم والأب أساس في تطوير وعلاج أبنائهم.

أعني ألا تنتظري النتائج من المراكز أو المدرسة فهي عبارة عن وسائل مساعدة ولديهم الأخصائيين لمساعدتنا ومساعدة أطفالنا ولكن عليك المتابعة والتعب فالوقت الذي يمضيه طفلك معك أكثر من الوقت الذي يمضيه هناك، أعلم أنه أمر متعب جداً ولكن النتائج مبهرة وستسعدين بها ولا تخجلي من طلب الدعم من أي شخص.

طفل يقبل أم على خدها

واعلمي أن ابنك أو ابنتك فرد من هذا المجتمع وله حقوق محفوظة عالمياً، احرصي على الحصول عليها مثل الدمج واللعب بمرافق الألعاب مع أقرانه وغيرها. ولا تكفّي عن مديح طفلك على مسامعه ومسامع الناس واصقلي شخصيته، لا تقولي إنه لا يفهم أو لا يتجاوب تصرفي معه بشكل طبيعي وكأنه لا يعاني من طيف التوحد وبذلك ستجبرين الكون كله على احترامه واحترام اختلافه وتقبله.

 

 

تم نشر هذه القصة بالتعاون مع مؤسسة أمينا 

شعار مؤسسة أمينة للتوعية بطيف التوحد

مؤسسة غير ربحية ، تأسست عام 2014 ، تعنى بتوعية المجتمع المحلي بحقوق الأشخاص ذوي إضطراب طيف التوحد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، من خلال تطوير البنية التحتية، ومساندة هؤلاء الأشخاص وعائلاتهم وتعريف المجتمع باضطراب طيف التوحد، وتفعيل الدور التوعوي، والثقافي لدى فئات المجتمع المختلفة، ودمج الأطفال من ذوي سمات التوحد في المجتمع، وتعزيز الثقة بأنفسهم، وقدراتهم، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي.

مواضيع قد تهمك

اسألي خبراءنا مباشرة الآن!

الأكثر شعبية