مذكرات

مذكرات طبيبة: ما علَّمني إياه أطفال مرضى السرطان!

كانون الثاني 31 , 2019

بقلم: د. أنوار جابر

محقٌ ذاك الذي قال بأن الأيام والساعات هي من تصنع الإنسان، ومحق كذلك من قال بأن التجارب ورحلات الحياة هي التي تصنع فينا أشياء كثيرة قد لا ندركها ولا نعي آثارها إلا عندما نكبر!

دائماً ما كنت على يقين بأن أي تجربة لا بدّ وأن تضيف لنا ولأرواحنا الكثير، واليوم وبعد انقضاء قرابة العام على عملي هنا كطبيبة مقيمة في مركز لعلاج مرضى السرطان، لا بد وأن تكون هذه التجربة أو الرحلة قد حفرت في داخلي ذكرياتٍ ودروس كثيرة لا تنسى، وجعلت نظرتي للحياة أكبر بكثير مما كنت أتخيل، فهنا في هذا المركز وفي قسم الأطفال تحديداً عشنا مع أطفالنا قصصاً وحكايات كانت أجسادهم الصغيرة وأرواحهم البريئة أبطالها!

فتحية لتلك الأرواح وتلك الأجساد الضعيفة التي صمدت في وجه السرطان، تحية لأمهاتهم ولآبائهم وعائلاتهم الذين ساروا معهم في رحلة العلاج.. تلك الرحلة المريرة حيث يجدر بكل إنسانٍ على وجه الأرض أن يقف احتراماً لآلامهم وصبرهم ودموع أمهاتهم، فبين عائلة تحمل طفلها إلى هذا المكان وأخرى قد حملت طفلها إليه من قبل يجتمع المصاب وتتشابه الحكايات.. ردود الأفعال.. التساؤلات ودعاء الأمهات الذي لم ينقطع معشار ثانية!

كم هو غريب كيف يخفف اجتماع المصاب على العائلات مصابهم، ويكون سبباً في إحياء الأمل في نفوسهم.. فهم ليسوا وحدهم في هذا! هناك من يشاركهم أوجاعهم وأحزانهم وآمالهم أيضاً. فمن هؤلاء الأطفال وعائلاتهم تعلَّمت وتأملت كثيراً في قدرة الإنسان على تشرُّب المصاب والبحث فوراً عن ضوءٍ ينبئ بنهايةٍ لهذا النفق المظلم!

تأملت في صدق دعاء الأمهات ويقينهم بشفاء أطفالهم، تأملت في حسن الاستعداد الذي يلقيه الله في النفوس قبل المصاب، وكيف يربط على قلوب أولئك الأطفال وذويهم!  تأملت في عالم الطفولة كيف له أن يبقى نقياً بريئاً لا تشوبه شائبة، رغم ما كان وما سيكون؟! كيف تظل لعبة صغيرة أو بالونٌ طائر قادراً على مسح آلامٍ كثيرة ورسم ابتسامةٍ صادقة على وجوه هؤلاء الصغار؟!

تعلمت هنا أن في الحياة محن واختبارات وإن لم يكن الإنسان متوكلاً مؤمناً فلن يستطيع تجاوز آلامها، وأن السعادة الحقيقية تكمن في صحة كاملة مكتملة، وتعلمت أيضاً أن أنظر إلى النعم التي حفاني الله بها وأن أشكره على قليلها قبل كثيرها، فهناك من حُرم أقل قليلها بلحظة قدرٍ أصابته بالسرطان!

رأيت هنا حجم الحب الذي تحمله الأم لأبنائها.. حبٌ لا يضاهيه أي حب! كنت أراها تتمنى بحرقة وألم أن يصيبها كل ما في طفلها مقابل أن يبقى هو سليماً معافىً يكبر أمام عينيها بعيداً عن أوجاعه وآلامه!

تعلمت هنا كيف يكون الطبيب إنساناً رغم كل الظروف التي تحيط به، وكيف للكلمة أن تصنع منك طبيباً إنساناً في نظر مرضاك، فتشارك الناس مصابهم بإنسانية وتسعى بكل ما تملك أن تُطمئن أرواحهم المتعبة. 

علَّمني أساتذتي من الاختصاصيين في المركز كيف يرتقي العلم بالإنسان إلى ذلك المكان الذي يستحق به الطبيب اسم حكيم! وكيف يكون العمل سبباً في بناء علاقات جديدة نضيفها إلى ذاكرتنا فيما تضيف هي إلى دواخلنا الشيء الكثير!

علمتني الليالي التي قضيتها في هذا المركز كيف نقدر قيمة الحياة ونعيش أيامها وتحدياتها ونحن ننتظر انتهاء المحنة واستقبال الفرج، وصنعت في داخلي أيامه ولياليه وأطفاله وكل من عمل به حباً للإنسانية، وحفرت في داخلي معنى الإخلاص والعمل بإحسان والعمل بروح الفريق من أجلهم!

شكراً لأطفالنا ولأمهاتهم وذويهم فقد علمتمونا كيف يكون الأمل وكيف يكون تحدي المصاب وكيف يكون الدعاء بيقين!