مذكرات

مذكرات آدم: منسيَّة!

تشرين الأول 25 , 2018
معتز الجعبري

منذ طفولتي بهرتني عوالم القراءة التي أغرتني بالكتابة، احترفت هذه الصنعة بشغف منذ ١٩٩٣ عبر بوابة الصحافة الورقية، ومنها إلى الكتابة والتأل...المزيد

أخرج وألج إلى منزلي في كل يوم عشرات المرات دون الالتفات إليها، ومن غير أن أبادلها النظرات لكنها تشاكسني "وتنكش رأسي" عند كل دخول وخروج، وكلما نالني منها وخزة مؤلمة عاهدت نفسي على ضرورة تحجيمها، ووضع حدٍ لتنامي مشاغباتها خاصةً أني كثير الخروج من المنزل.

أخَّـرت انشغالاتي الكثيرة مواجهةً لا بدَّ منها، وذات عصر رخي النسائم تسلَّحت بما يمكِّنني من تقليمها، وشرعت بذلك في فرح غامر ثأرًا لرأسي التي نالت وخزة مع كل غدوة وروحة من تلك الياسمينة الواجمة.

ومع أني تأكدت من أنه لن ينال رأسي وخزٌ من أغصان الياسمينة بعد الآن؛ إلا أنني أمعنت في تقليمها.

انشغل أطفالي بتجميع الأغصان التي أطحت بها، واسترعى انتباهي توقف أليَنُهُم عريكة عن جمع تلك الأغصان، وانصرافه لالتقاط أزهار الياسمين.

*               *               *

في اليوم الثاني شممت أنا وزوجتي عَـبَـقَ الياسمين يملأ غرفتنا، فنظرنا لنجد زهورًا نثرتها أيدٍ طفولية هنا وهناك. عندها فقط أحسست بالجانب المنسي من تلك الياسمينة، وحملت بعضًا من زهورها ناصعة البياض بحنان فتراءى لعين قلبي جمالًا كنت في غشاوة عنه، وقرَّبت أزهارها الندية، وشممت أريجها بروحي.

لقد ذكرتني غفلتي عن الروح الحقيقية للياسمينة بغفلة آدم عن حوائه، فهو لا يعبأ بجمالها ولا بعبقها، ولا يلتفت لحضورها، ويقتصر في حديثه معها على السلبيات ونقاط الخلاف، ويستغل قوامته بالعدوان، ويغريه صمتها على الضيم بمزيد من القمع.

وتساءلت: لماذا يغفل آدم عن ياسمينته مع أنها لا تحتاج إلا لبعض الاقتراب، وقليل من الاهتمام وتتقبل الكثير من التحجيم؟ أهي الألفة التي تقتل المشاعر وتبلِّد الأحاسيس؟ أم هو الإهمال والتفريط في حق افترضه الله على الزوج بإيلاء زوجته الاهتمام وشكرها على صنائعها وعلى الجمال الذي تلِّون به حياته لو أنه يلتفت؟!

أزعم أني أمتلك قلب زوجتي، ليس بالمال لأني لست ثريًا، إن كل ما أقوم به هو إبداء الاهتمام...

 وعند عودتي للمنزل فإني لا أبقى صامتًا متجهمًا، بل أشاركها الحديث، أقرأ عليها ما أكتب.. أحدِّثها عن أحلامي.. أحدِّثها عن تفاصيل لا تعنيها في عملي أو في عالم السياسة، واستمع إلى أحاديثها وأصغي لاهتماماتها، وأثني على طعامها، وتسمع مني كلمات الشكر والإطراء. وأما النتيجة فإنها تصمت عند عتابي وتتحمل انتقاداتي ونوبات غضبي.

 

ملاحظة سريعة لآدم:

 ألا تلاحظ أنك تقول لسائق سيارة الأجرة ولنادل المطعم وللبائع "شكرًا" على عمل دفعت لهم ثمنه، لكن كبرياءك الفارغة تمنعك من قول شكرًا لحوائك التي لا تطلب منك إلا بعض الالتفات؟!