مذكرات

مذكرات آدم: غضَّ البصر عن زوجتك!

كانون الاول 24 , 2018
معتز الجعبري

منذ طفولتي بهرتني عوالم القراءة التي أغرتني بالكتابة، احترفت هذه الصنعة بشغف منذ ١٩٩٣ عبر بوابة الصحافة الورقية، ومنها إلى الكتابة والتأل...المزيد

طلبت من زوجتي أمورًا فنسيت... وكانت في زيارة لصديقة ووعدتني بالمرور عليَّ بعد دوامي لتقلني بسيارتنا فتأخرت...

اشتعل عندي الغضب وأنا أنتظر في الشارع، ولم يطفئ برد الطقس النار التي بدأ الشيطان يلقي فيها المزيد من الحطب:

تذكَر أنك تأخرت اليوم عن عملك وأنت تنتظر كيَّ قميصك مع أنك طلبت منها ذلك ليلاً لكنها أجلت الموضوع للصباح.

هي من خيبت أملك أمس في طبق غداء تنتظره بلهفة، فصنعته على غير الطريقة التي تحب!

وتتابعت وسوسة الشيطان، فكبرت الهفوات حتى صارت عظائم.

وانتهى شيطاني إلى تحريضي: إلى متى تصمت؟!

أجبته: لأنفثنَّ غضبي في وجهها على الإهمال والنسيان والتقصير.

رُفع أذان صلاة العشاء: الله أكبر.. الله أكبر، فذكرني بأنه يجب أن يكون الله أكبر في نفسي من غضبي وثأري، فاستعذت به سبحانه من الشيطان ومن شر نفسي.

وصلت زوجتي، كان وجهها مشرقاً بالسعادة، وبمجرد دخولي السيارة ابتسَمَتْ ومدت يدها تصافحني وهي تقول: آسفة جدًا جدًا يا حبيبي على التأخير.

تمكَّن اعتذارها المصحوب بابتسامتها الرائعة من نزع فتيل غضبي، لكنه لم يزحزح ركام الجمر تحته.

بدأت بالحديث عن أخبار صديقتها وكيف قضت وقتًا ممتعًا معها، إلى أن توقفنا لأداء صلاة العشاء في المسجد.

قلت في نفسي: أصارحها بغضبي بعد الصلاة.

قرأ الإمام في الركعة الأولى آيات تتضمن وصية بأن العفو والصفح سببين لمغفرة الله تعالى:{وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} [النور: 22]، وفي الركعة الثانية تأكّدت وصية الله: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} [التغابن: 14].

تذكرت افتقاري لعفو الله ورحمته ومغفرته، فكيف لا أعفو عنها مهما كانت مبررات غضبي؟! ثم تذكرت بحر حسناتها وإحسانها، وتذكرت أخيرًا بأن عندي من الهفوات والأخطاء مثل ما عندها أو يربو عليها فكيف أطالبها بالكمال ولا أطالب نفسي؟!وبعد كل ذلك ألا يسعني التجاوز عنها ومحو ما بدر دون تأنيب أو ملامة؟!

وقفزت إلى ذهني وصية للنبي- صلى الله عليه وسلم- بالعفو عن الخادم سبعين مرة في اليوم، فكيف لا يسعني العفو عن شريكة الحياة في كل يوم عدة مرات؟!

خرجت من الصلاة بروح طيبة، بعد أن انطفأت نار الشيطان، وتخلصت من منغصات الغضب، وانزاح ركام الرماد الثقيل؛ وجدت في صدري انشراحًا، فحمدت الله تعالى أنه حال بيني وبين الغضب الذي يطفئ سراج العقل، فالغضب جنون وآخره ندم كما يقولون.

وكان من ثمرة عفوي ذاك أن اجتمعنا أنا وزوجتي وأولادنا حول مائدة لم يكن الطعام ألذ ما فيها، بل تلك الضحكات التي كانت من القلوب.

تخيلت وقتها لو أني أنفذت غضبي ولُمتها على تلك الهنَّات هل كنا سنجلس ذلك المجلس الطيب المبارك؟! بالقطع لا؛ لأني إن لمتها وعاتبتها فستكون في ضيق سواءً أظهرت أعذارها أو آثرت الاعتزال والصمت.

 

قصة ذات مغزى:

"وقع شجار بين زوجيــن، وقد بالغ الزوج في غضبه وتجاوز في تأنيبها حتى شعرت بالظلم فآثرت الصمت ولاذت بالبكاء. وفي هذه الأثناء طرق أهلها الباب زائرين، فرأوا دموعها فسألوها عن شأنها.

قالت: اشتقيت إليكم فبكيت، ثم دعوت الله أن أراكم، فسبحان الله الذي استجاب دعائي وجمعني بكم.

كان الزوج يسمع زوجته وهي (تبرِّر) بكاءها لأهلها فعظمت في عينه، وعرف قدرها، وفرح لحفظها أسرار بيتها، وتضاءل أمامها لما رأى عظيم صفحها وعفوها عنه. ولما ذهب أهلها اعتذر لها وأحسن إليها"

 

السؤال: لو أنها لم تعفُ عنه وعاتبته وأصرت على الانتصار هل كانت وصلت معه لتلك النتيجة؟!

بالتأكيد لا. لكن بالعفو ارتفع قدرها عنده وهذا مصداق وعد النبي- صلى الله عليه وسلم- القائل: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله"

 

نصائح:

  • غض الطرف عن هنَّات شريك حياتك، وهب سيئاته لحسناته لتسعدا بالعيش.
  • أعظم علاج لثورة الغضب أن تؤجلها.
  • تجنب الحديث أثناء الغضب، قد يكون كلامك صحيحًا، لكن حتمًا أسلوبك خاطئ.
  • اشكر ما عند شريكك من حسنات... واعفُ عنه عند العثرات... تأتكِ الخيرات.