مذكرات

مذكرات آدم: صباحٌ بنكهة طفلة!!

تشرين الأول 02 , 2018

بقلم: معتز الجعبري

 

وقعت في حبها من النظرة الأولى، قال عنها من رآها: بسَّامة الثغر، صبوحة المُحيَّا، تكتحل عيونها البراقة بأهداب طويلة... هي جميلة بشهادة الشهود.

صرت مشغول الفؤاد بها، حتى أني ناديت زميلي "يَمان" باسمها، أتذكر وجهها وأنا في غمرة أعمالي فأبتسم وأمنِّي نفسي برؤيتها وضمها ولثم خديها الناعمين كأنسام صبح عرفتها فيه.

 

لا تذهبنَّ بك الظنون بعيدًا... إنها "لَيَان"، ابنتي الأولى بعد ثلاثة ذكور، فكان حبوري وزوجتي بقدومها أعظم من سعادة من يحظى بالماء البارد على الظمأ.

 

فجر ذلك اليوم... خططت أن أنهي الكثير من الأعمال الكتابية المعلقة، لكن الأمور لم تسر على النحو الذي خططت له، فقد وجدت ليان مستيقظة ومتلهفة أن أحملها وألاعبها، كان ذلك جليًّا، فبعد ستة أشهر من صحبتنا اليومية بتُّ أفهم إشاراتها ولغتها.


طفلتي ليان

سألت زوجتي عن سر هجرها غرفة نومنا، فأجابت وقد بدا الإعياء ظاهرًا على وجهها: ليان أسهرتني، ولم أشأ أن أزعج نومك. نظرت إليها بامتنان ولسان حالي "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" وأخذت الطفلة وطلبت من زوجتي أن تخلد للنوم فأنا سأتدبر أمر "لولو الصغيرة" التي ابتسمت وبدت منتشية وأنا أحملها.

لم أشعر بضيق مع علمي أن رعاية الطفلة سيمنعني من إنهاء أعمالي المؤجلة؛ ذلك أني تعودت من الله الإحسان والتفضل عليّ بالتوفيق، لعلمه تعالى أني أتقرب إليه بعمل فيه مودة ورحمة وإحسان لشريكة الحياة.

فالمودة والرحمة التي جعلها الله بين الزوجين لا تتأتى إلا ببذل مزيد من تقدير الطرفين وشكرهما عمليًا لبعضهما وخاصةً الرجل الذي يجب عليه ألا يُغفل ما تقوم به أنثاه؛ زوجةً وأمًا ومربية لأطفاله، فضلًا عن قيامها طواعية بدور الخادم له ولبيته. ما الذي يمنع الأب أن يرعى أطفاله تخفيفًا عن زوجته وشكرًا لها أولًا، وإشباعًا لحاجات أطفاله بالاقتراب منه وصحبته ثانيًا؟

إن الأب الصالح ليحتسب عند الله كل آية من القرآن يقرأها في حضرة أطفاله، وكل ملاعبة وقبلة حانية وكل كلمة نافعة وكل معلومة صغيرة يقصد من خلالها تشكيل معرفتهم للكون الفسيح وخالقه المبدع.

فجر ذلك اليوم...حملتها على الشرفة وأنا أقرأ القرآن، شعرت بسعادة لكني لم أتوقع ذلك الجمال الهائل الذي لوّنت ليان به صباحي. لقد أحيت أحاسيسي المتبلدة تجاه "تنفس الصبح" وبهرتني نظراتها البكر لطيران العصافير، واندهاشها الأول لزقزقتها وتغريدها الذي يختفي مع صخب الناس، وراعني أن ابنتي لم يرمش طرفها في تجربتها الأولى مع شروق الشمس.


ليان ذات ١٢ ربيعاً

قلت لنفسي: نحن بحاجة للصغار كحاجتهم إلينا، فإذا كنا نعرّفهم بمفردات الحياة وندخلهم في تراكيبها المعقدة، فإنهم يعيدون تعريفنا بها على نحو فطري مدهش، ويلوّنون سأمنا من الحياة بشوقهم غير المشروط إليها، ولأنهم يولدون على فطرة الإيمان بالله وحبه فإنهم يعيدوننا إلى رحابه.

ليان الآن في الصف السادس، لها من اسمها نصيب فهي ليّنة الجانب، سمحة في تعاملها، رفيقة في طباعها، ورقيقة في إحساسها بالآخرين، شغوفة بتعلم اللغات، زانها إيمانها بالله، وربت محبته في قلبها فأنبتت من كل زوج بهيج.