مذكرات

عشاء مع السيدة الأولى

آذار 14 , 2019
معتز الجعبري

منذ طفولتي بهرتني عوالم القراءة التي أغرتني بالكتابة، احترفت هذه الصنعة بشغف منذ ١٩٩٣ عبر بوابة الصحافة الورقية، ومنها إلى الكتابة والتأل...المزيد

دائمًا كانت تنظر إليّ بإعجاب، كنت ألاحظ هذا إذا نظرت في عينيها وأنا أتحدّث إليها أو عندما أخبرها بإنجاز حققته في العمل، أو حتى وأنا أكلمها بكلام باهت لا يستحق أدنى إعجاب.

كانت كثيرًا ما تتصل بي للاطمئنان عليّ وسماع صوتي، مع أن استقبالي لمكالماتها كان يتسم بالبرود وأجوبتي على أسئلتها كانت مقتضبة.

مرت سنوات كثيرة على حبها لي وإبداء إعجابها، ولم يمنعها صمتي ووجومي عندما كانت تبوح لي بحبها من تكرار هذا البوح بشكل شبه يومي، والاتكاء على أية مناسبة لإظهار حبها واهتمامها.

كنت أعتبر أسلوبها مبالغة أنثوية في التعبير عن عواطف لا أجد لها مكانًا وسط انشغالاتي، وفي بعض الأحيان كنت أفسر تصرفاتها بالغيرة من علاقتي المستقرة بزوجتي لاسيما عندما كانت تلمح إلى إهمال زوجتي، وقتها كنت أضيق ذرعًا بتلميحاتها وأكاد أن أقول لها: أرجوكِ توقفي!

بعد سنوات حدث أمر غيَّر من تفاعلي مع تلميحات وتصريحات تلك السيدة، فقد دخلتِ المستشفى لأيام، ولازمتها متفرغًا من كل مشاغلي، في تلك الأيام تحسنت علاقتي مع الله وفي فترات نومها كنت أجلس في مصلى المستشفى وأتقرب إلى الله بتلاوة القرآن وصلاة النافلة والذكر والدعاء.

اقتربتُ من الله، فاقتربتُ أكثر من أمي، شعرت بالندم على التقصير في حقها، وكنت كلما تذكرت اتصالاتها وإشاراتها وبوحها المتكرر بحبي، وصمتي حيال ذلك أو ردودي الباهتة بكيت بحرقة على ما فرّطت في حقها.

مع تعافيها من وعكتها ذاب الجليد الذي كان يغلّف علاقتي بها، ووجدت بريقًا جديدًا في حبها، بت أرى وجهها يشرق بأمل تجده في وجه صبيّة في العشرين. اتصلت بها ودعوتها للعشاء في مطعم هادئ؛ عندها فرحت وتهللت حد الجذل. سألتني: أنا وأنت فقط؟!  قلت مداعبًا: أكيد أيتها السيدة الأولى!

ذلك المساء انتظرتني على باب منزلها، وكانت ترتدي ‏جلبابًا سابغًا لكنه شبابي اللون، ابتسمت ‏أمي كملاك وهي تستقل السيارة، ثم شكرتني وقالت: ‏أخبرت جميع جاراتي أنني سأخرج الليلة معك على عشاء، وكلهن ينتظرن الأخبار التي سأقصها عليهن بعد عودتي، ثم قالت: أرجو أن تخرج مع زوجتك غدًا حتى لا تشعر بالغيرة.

قلت: لا تقلقي يا أمي، زوجتي تحبكِ وتعرف حقك عند الله، لقد فرحت بخروجي معكِ!

عندما وصلنا إلى المطعم تمسّكت أمي بذراعي ومشت بزهو، وبعد أن جلسنا بدأت أقرأ لها قائمة الطعام لأن نظرها لا يسعفها في قراءة الكلمات المكتوبة بخط صغير.

وبينما كنت أقرأ كانت تنظر إلي ‏بابتسامة عريضة وقاطعتني قائلة: كنت أنا من أقرأ لك وأنت صغير.

أجبتها: حان الآن موعد تسديد شيء يسير من الديْن.

تحدثنا كثيرًا ونحن نتناول العشاء وسرقنا الوقت حتى جاء النادل وأخبرنا أن المطعم على وشك أن يغلق، عندما رجعنا ووصلنا إلى باب بيتها قالت: أوافق أن نخرج سويًا مرة أخرى، ‏ولكن على حسابي! ‏فقبّلت يدها وودعتها.

بعد يومين فقط توفيت أمي بنوبة قلبية!! أصبت بذهول المفاجأة ومرارة الفقد، وذقت شعور اليتم على كبر سني، وشعرت كأن الريح تهوي بي في مكان سحيق، كنت أبكي بمرارة نادمًا على عشر سنوات أهملت فيها أمي، وكنت أدعو الله أن يغفر لي وأن تكون قد أسلمت له الروح وهي راضية عني.

وبعد أيام ونحن نحزم ما تركت من ثياب وجدت عند سريرها مغلفًا مكتوب عليه (إلى ابني الحبيب) فتحته فوجدت فيه مبلغًا من المال ورسالة بخط يدها كتبت فيها: "ابني الحبيب، هذا المال دعوة على عشاء لكَ ولزوجتك فأنتما تستحقان كل خير، وأسأل الله أن يملأ حياتكما بالحب والبهجة، وأخيرا فإني أود إخبارك بأنك أدخلت السعادة إلى قلبي بعشاء تلك الليلة، التي كانت من أجمل أيام عمري بعد والدك... ‏أحبّك يا ولدي".

* القصة ليست من مذكرات الكاتب، بل منقولة من بعض المنتديات بتصرف، وهي رسالة لكل شخص لا تزال أمه على قيد الحياة: أنقذ نفسك من الندم على التفريط في حقها.