قصص أمهات

ما أصابني في عمر الثالثة عشر لم يمنعني من عيش حياة طبيعية

كانون الاول 15 , 2019

الضربة التي لا تكسرك تزيدك قوة..

وما أكثر عدد وأنواع الضربات التي يتلقاها الإنسان في هذه الحياة، لتكون كلمة "الحمد لله" هي ما يجلب السلوى والطمأنينة إليه عند كل مصيبة وامتحان، فالله إذا أحب عبداً ابتلاه..

أحبني الله عندما كنت طفلة في الثالثة عشرة من عمري، لم نكن أنا وعائلتي قد اختبرنا قبل ذلك أي مرض أو مصاب بفضل الله، إلى أن جاءت تلك اللحظة التي انتبهت فيها والدتي إلى مشكلة في شكلي وطريقتي في المشي، مما أثار الشكوك في قلبها.

في بادئ الأمر كانت ترى اختلافاً في عظام عامودي الفقري وعدم تساوٍ في عظام الكتفين، إلا أنها كانت ترفض أن تصدق ذلك، لأنها كأي أم كانت تخشى مجرد التفكير بأن مكروهاً قد يصيب أبناءها في يوم من الأيام.

إلى أن قررت أن تتحلى بالشجاعة وتصحبني إلى أخصائي العظام وجراحة العمود الفقري، بعد الفحص السريري عند الطبيب طلب منا النزول إلى قسم الأشعة حالاً لتصوير ظهري.

عدنا إليه مرة أخرى لقراءة النتائج.. التي كانت صادمة لنا جميعاً!

في ذلك اليوم شخصت بالجنف وهو "انحراف العمود الفقري جانبياً، وكان ذلك بدرجة عالية وخطيرة جداً، تتوجب تحديد عملية جراحية فوراً، فالحل الجراحي هو الحل الوحيد للعلاج في مثل حالتي.

لم يكن تقبل الأمر سهلاً بالنسبة للجميع.. لي ولعائلتي.. كان لهذا الخبر المفاجئ وقعٌ كبير في حياتنا.. الكثير من القلق والحزن والارتباك في الأجواء..

أما أنا فقد انتابتني مشاعر غريبة وتملكتني أفكار مخيفة.. هل سأمشي بعد العملية؟ هل ستنجح وأكمل حياتي كأي فتاة؟؟ حياتي...دراستي.. عائلتي.. ماذا سيحل بي وبكل هذا؟!

وهكذا مرت الأيام مع صور أشعة متكررة ومواعيد عند أفضل أخصائيي جراحة العمود الفقري في الأردن، حتى جاء ذلك اليوم الذي أتى فيه أخي الأكبر إلى المدرسة ليصحبني إلى البيت بشكل مفاجئ، لم استنتج او أعرف ما كان يحصل حينها.. وصلت إلى البيت لأجد أمي وبجانبها حقيبة كبيرة.. 

عرفت حينها أن الوقت قد حان.. حان وقت ذهابي إلى المشفى لإجراء العملية.

كنت قوية.. كنت أقوى الموجودين حينها.. فقد أودع الله في داخلي إحساساً بالهدوء والطمأنينة، ربما لأنني كنت صغيرة في السن ذات شخصية قوية وأؤمن بالمعجزات..

تمت عملية الإدخال وما يرافقها من إجراءات طويلة من تحاليل وتحضيرات لاستكمال التبرع بالدم الذي سيحتاجونه خلال العملية، فقد كنت سأجري العملية في اليوم التالي وهناك عدد من وحدات الدم لم تتوفر بعد.

كانت ليلة باردة من ليالي آذار، موحشة بطريقة خانقة.. أجهزة في كل مكان، رائحة المشفى وأجواء من الخوف والاضطراب كانت تتملكني، ودموع أمي كانت وحدها كفيلة بأن تجعل هذه الليلة طويلة جداً!

في صباح العملية أتى الطبيب الجراح ومعه الممرضين، كانت عائلتي بجانبي حتى دخلت غرفة العمليات..

كانت الغرفة باردة وكان البرد يسري في جسدي وفي عروقي وفي قلبي.. "اقرئي القرآن وادعي الله ثم ابدئي بالعد للعشرة " كان هذا آخر ما سمعته من طبيب التخدير.

غبت عن الوعي وذهبت في سبات دام 8 ساعات، استفقت خلالها مرتين اسمع فيها صوت الأجهزة وصوت الأطباء ليعودوا سريعاً بضخ البنج في جسدي من جديد.

بحمد الله خرجت لأجد نفسي في الغرفة محاطة بالجميع، كان الطبيب بجانبي يطمئنني عن وضعي بأنه ممتاز وأن العملية تمت بنجاح. فقال:" أنت قوية وستتجاوزين ذلك بلا شك"، لكني لم أدرك حينها ما مدى صعوبة هذا الذي سأجتازه وما حجم القوة التي تلزمني لتجاوزه!

في البداية، لأول عشرة أيام بعد العملية كنت مستلقية على سرير المستشفى من غير حركة نهائياً.. كان عجزاً كاملاً!

كنت أخضع للعلاج الطبيعي يومياً لأطراف جسدي من غير مجهود، أما الأوجاع فكانت تتناوب عليّ ليلاً نهاراً، ولا تستسلم الا بأقوى المسكنات.

كان وجع العجز ووجودي في المشفى يعادل وجعي الجسدي بأضعاف، لكن وجود عائلتي والأصدقاء من حولي كان له دور مهم وأساسي لتجاوز كل ما أخوضه يومياً.

فترة العلاج الطبيعي ما بعد عملية الجنف مهمة جداً لتهيئة العمود الفقري للحركة قبل المشي، فوضع العمود الفقري حينها يكون حساساً جداً لأنه مثبت بأسياخ طبية، بالإضافة إلى وضع الجسد كاملاً، لأن الأطباء يلجؤون عادةً لأخذ بعض من عظام الجسد التي تنمو بسرعة مثل عظام القفص الصدري لترميم العمود الفقري!

بعد تلك العشرة أيام، أتى ذلك اليوم الفاصل الذي سيعلن فيه الطبيب عن فشل العملية أو نجاحها، اليوم الذي سأخطو فيه أولى خطواتي بعد العملية..

في البداية كان جلوسي واستنادي على عمودي الفقري موجعاً وصعباً جداً، الجميع كانوا بانتظار تلك اللحظة لإعلان انتصارنا على ذلك الكابوس الذي حل بنا. وبفضل من رب العالمين استندت على قدمي ومشيت.. كانت خطوات معدودة مثل خطوات الأطفال لكنها كانت كفيلة بأن تثبت نجاح العملية بحمد الله.

هكذا أكون قد تعديت أصعب وأخطر المراحل بعد العملية . وبعد قضائي شهراً كاملاً في المشفى عدت إلى بيتي، لأبدأ مرحلة جديدة مختلفة، كنت فيها أنا وأهلي أكثر حذراً، خاصة وأن الرقابة الطبية غير موجودة الآن.

كان الاستحمام، النوم، ركوب السيارة، وحتى الجلوس مهمات شبه مستحيلة حينها.. تلك المهمات التي نقوم بها يومياً وبشكل متكرر بدت حينها مستحيلة! لكن الحمدالله مع مرور الوقت وبالصبر والقوة أصبح كل شيء أسهل، وعادت حياتي طبيعية بعد عدة أشهر..

عدت كما كنت وأفضل.. قوية واثقة بنفسي وممتنة كل الامتنان إلى الله الذي نجاني مما كنت فيه، ولعائلتي وكل من ساندني في تجربتي هذه.

تزوجت بعد ذلك بسنوات، لتعود أسئلة ومخاوف جديدة تراودني، ماذا عن الحمل؟!

كان رد الطبيب عندما استشرته أن أمارس حياتي بشكل طبيعي ففي النهاية أنا هي طبيبة نفسي وأنا هي الوحيدة التي تعرف أين يبدأ الخطر وأين ينتهي..

وبنعمة من الله أنجبت طفلين بخير وسلامة ولم يكن هناك أي خطر على العمود الفقري خلال فترات حملي وولادتي.

تجربتي مع الجنف كانت متعبة ومليئة بالأوجاع والتحديات، لذلك أتمنى من جميع الأمهات الانتباه لأطفالهن وتحديداً الفتيات، لأنهن أكثر عرضة للإصابة  بسبب رقة عظمهن ونموهن السريع.

فإن اكتشاف الجنف مبكراً يمكن أن يقي تماماً من العمليات الجراحية، خاصة عندما تكون درجته متوسطة، فيتم اللجوء حينها إلى المشدات الطبية والعلاج الطبيعي بعيداً عن الاحتمالات الجراحية. 

 

*لم يذكر اسم الأم بناءً على طلبها