قصص أمهات

ليلة العمر وأدق التفاصيل!

أيلول 06 , 2018
رولا كريم حدادين

عائلتي هي أولويتي أؤمن بأن الحياة هي مجموعة خيارات ونحن أصحاب القرار وماذا نختار... اعمل في مجال بناء الذات من خلال الlife coaching ...المزيد

كنت أتأمل في الفترة السابقة عدد حفلات الزفاف التي مرت عليَّ خلال العطلة الصيفية حيث لم يمر أسبوعٌ دون أن أرى سيارة عروس أو زفةً أو دعوةً من صديق أو صورة عروسين على مواقع التواصل الاجتماعي أو زينةً في أحد البيوت أو دعوةً من أحد الأقارب...

تأملت كثيراً في تفاصيل الأعراس واهتمام العروس لأن تكون على أجمل صورة تبدأ بجمال الفستان إلى باقة الورود التي ستحملها إلى تسريحة الشعر ومهارة الماكيير إلى نوع السيارة التي ستركبها وتزيينها وتمتد إلى تفاصيل مراسم العرس من مصور محترف إلى مكان حفل الاستقبال وزينة الطاولات إلى قائمة المدعوين ونوع الأغاني والزفة والقائمة لا تنتهي من أدق التفاصيل، تفاصيل جميلة ورائعة ومرتبة وقمة الأناقة طالما هذا ما يرغبان به وما يريدانه في "ليلة العمر" وأنا متأكدة بأن تلك التفاصيل ستصبح حديث الساعة لأسبوعٍ أو أسبوعين على الأقل إذا كانت تلك التفاصيل ذات جودة عالية ومبهرة بالنسبة للمدعوين، لتنتهي بأهم سؤال لإكمال تلك التفاصيل "أين سيقضيان شهر العسل" سؤالٌ يعطي انطباعاً كم العروس محظوظة بذلك العريس الذي لا يبخل عليها بشيءٍ في "ليلة العمر".... تفاصيل وتفاصيل وتفاصيل أدق التفاصيل ....

أما بالنسبة لي أكثر وأدق التفاصيل التي تعجبني في" ليلة العمر" هي تفاصيل تلك النظرات نظرات العريس لعروسه نظرات فيها بريق رائع يعكس حبه وإعجابه لصاحبة الثوب الأبيض فتراه لا يترك يدها ولا يرغب أن يبعد يده عنها ... يبحث عنها إذا اختفت بين طاولات المدعوين ويلوح بيديه إذا ابتعدت...

أَنظر إلى تفاصيل العروسين عندما يتهامسان ليقتربا من بعضهما البعض لتتصافح وجنتاهما وتتهامس أنفاسهما ليحضن خده خدها وتعانق كتفه كتفها ويرقصان مع دقات قلبيهما... أُحب تلك التفاصيل عندما يأكلان من طبق واحد ويشربان من كأس واحد... أعشق تلك التفاصيل عندما تتشابك أياديهما وتقصر المسافة بينهما ليلتقيا في نقطة واحدة ليسمعا أنفاس بعضهما البعض على الرغم من أنغام الموسيقى العالية وتفاصيل الابتسامات والضحكات التي لا تتوقف فلا يشعران بالتعب في تلك الليلة ليستمر الرقص والضحك والغناء والنظرات دون ملل أو تعب.

هذه التفاصيل أحب متابعتها لأنها بالنسبة لي مهمة؛ تعبر عن أساس تلك العلاقة وهي المشاركة والاستمرارية والعطاء اللامحدود دون الشعور بالتعب أو الملل؛ المشاركة والعطاء في أدق التفاصيل في طبق مسيرة الحياة بقسوتها وفرحها مثلها مثل ذلك الكأس وذلك الطبق ليصبحا شخصاً واحداً... 

يجدان نقطة التقاء في لحظات الاختلاف الذي قد يتحول إلى خلاف مثلها مثل تلك النقطة التي يلتقيان فيها في "ليلة العمر" تفاصيل في تبادل الاحترام مثل تبادل تلك النظرات.... عدم البخل في التعبير عن المشاعر بحسب احتياجات الطرف الآخر مثل عدم البخل في تفاصيل "ليلة العمر" ..... تشابك العقل والفكر مثل تشابك الأيدي والأكتاف في حفل الاستقبال...


من ألبوم حفل زفافي

تلك التفاصيل تأخذني إلى سؤال يتبادر إلى ذهني في كل مرة أراها... ما معنى "ليلة العمر" أهي ليلة واحدة فقط بتفاصيل رائعة ومبهرة نريد أن نحظى بإعجاب المدعوين لتصبح حديث الساعة؟؟ أم هي عمرٌ بأكمله بتفاصيله... بأدق تفاصيله؟

عمر سيقضيان فيه مع بعضهما البعض لأيام وسنين وعقود... عمرٌ فيه الفرح والحزن، التحدي والنجاح، الضحك والبكاء ... ليلة العمر من أجل عمرٍ بأكمله بأدق التفاصيل بالمشاركة بالعهود بالثقة والصدق والشفافية بالتواصل المستمر بفهم مشاعر الطرف الآخر واحتياجاته واحترامها .... بالتواصل بأدق تفاصيل حياتهم..... عمرٌ لا نستغني فيه عن بعضنا لنصبح عكَّاز بعضنا، عمرٌ نبني فيه ذكريات جميلة ونترك قصص نجاح لظروف مؤلمة، عمرٌ نصبح فيه قلباً واحداً لتتشابك الأيدي وتقصر المسافة ونسمع أنفاس بعضنا البعض لنفهم مشاعر بعضنا ليصبح حضن كل شريك وسادة للطرف الآخر ويبقى العمر فلا يقتصر على ليلة واحدة وإنما على عمرٍ بأكمله.... تفاصيل قد تكون متعبة ولكنها ستكون مثمرة فبقدر التعب والجهد الذي سيبذلانه من أجل تلك العلاقة ستكون أكثر عمقاً وأكثر تماسكاً لعمرٍ مديدٍ وكامل.

فبعد مرور سنين على تلك التفاصيل أدق تفاصيل "ليلة العمر" ... يتبادر إلى ذهني سؤال آخر: كيف نستطيع أن نحافظ على هذا البريق وهذه المسافة؟ كيف سنستطيع أن نبقي احترام تلك المشاعر مستمرة؟ وكيف نحافظ على تلك النظرات؟ وكيف نمنع أن تتلاشى نقطة الالتقاء تلك؟ كيف نبني ذكريات لنا ولأولادنا وأحفادنا ونجعل من ألبوم الصور واقعاً يتمناه كل من يرانا؟ كيف نجعل من تشابك الأيدي تشابكاً في الطموح والأهداف لتصبح واحدة وهي إنجاح تلك العلاقة؟


أنا وعائلتي

أعتقد بأنه لا يوجد هناك قاعدة لإنجاح أي علاقة ولكن إذا تأملنا ليلة العمر بتفاصيلها سنجد بأن العروس لن تتزوج بدون عريس والعريس لن يرقص دون عروسه!

كما في العلاقة لن يكون هناك فرصة لنجاحها إذا لم يكن هناك رغبة متبادلة من الطرفين بذلك، فالزواج مسؤولية وليست فرحة أو ليلة عمر أو حتى "سترة" للمرأة والزواج لن يجعل من الرجل "عاقلاً"، بل هي مسؤولية على الطرفين أن يفهماها جيداً فكل يبدأ من نفسه فيغير نفسه من أجل فهم سلوك الطرف الآخر قبل أن يطلب التغيير، فلا يبخلان بالمشاعر والاحترام على بعضهما البعض ولا يتعبان أو يملان من المثابرة ليستسلموا أمام أي تحدٍ في هذه الرحلة... فلولا التحدي لما فهما بعضهما!

 

فكما أن الليل هو بداية النهار كذلك المتاعب هي بداية الراحة فأي علاقة ناجحة هي نتاج للتعب والمثابرة من الطرفين معاً من أجل الوصول إلى السعادة الزوجية من أجل عمرٍ بأكمله بكل تفاصيله بحلوه ومره فإن لم يكن لدينا الاستعداد الحقيقي لهذا النوع من التحدي فالأفضل أن لا نبدأ "ليلة العمر" بل نكتفي بما نحن فيه فهذا أدق اختيار وأهم قرار.