قصص أمهات

لم أستسلم لكلام الأطباء عن طفلتي وهذه هي النتيجة

شباط 25 , 2020

كتب بواسطة: لين مخيمر، من فريق أمهات360

قصة سناء ابراهيم، أم لثلاثة أطفال

أنا أم.. وهذا وحده يكفي لأكرس كل ما في حيلتي من حب وتضحيات من أجل طفلتي!

طفلتي لين التي اختبرت معها ما لم أتخيل في يوم من الأيام أني سأختبره وأعيشه في حياتي كلها.. قررت أن أصنع من أجلها المستحيل!

تلك الطفلة المرحة اللطيفة صاحبة الابتسامة الأجمل، تعرضت وهي في عمر التسعة أشهر لوعكة صحية غيرت حياتها وحياتنا جميعاً.

فقد كانت قبل ذلك طبيعية تماماً، أنجبتها بولادة طبيعية، وكانت تتطور بشكل طبيعي كباقي الأطفال في عمرها، كانت تلعب وتحبو وتحاول المشي دون أي مشاكل.

حتى جاء ذلك اليوم الذي تمنيت لو أنه يمحى من تاريخ حياتي.. عندما استيقظت من نومي لأجد طفلتي تتقيأ وفي حالة تعب شديد، فأسعفتها مباشرة إلى أقرب مشفى لأطمئن على سلامتها، لم أتصور أبداً أن ذلك اليوم سيكون بداية لمشوار طويل متعب وشاق سنحملها فيه على أكتافنا أنا ووالدها راجين من الله حدوث المعجزة!

أول الصدمة والتشخيص..

وهناك بدأت رحلة التشخيص، شك الأطباء بإصابتها بمرض السحايا، لكنهم نفوا ذلك بعد أخذ خزعة منها، ولم أستطع في ذلك الوقت أن أدخلها المستشفى الخاص لضيق الحالة المادية، فأدخلتها مستشفىً حكومي، حيث قاموا مجدداً بأخذ خزعة مرة ومرتين من أجل التأكد أنها لا تعاني من السحايا، ولكم أن تتخيلوا حالتنا ونحن واقفان في غرفة الانتظار!

وحين تبين لهم أنها لا تعاني من السحايا، أدخلت طفلتي إلى غرفة العناية المركزة، وهناك كان ينام 9 أطفال بأمراض وحالات مختلفة، تملكني الخوف لوهلة لكني استبعدت أن يصيب طفلتي شيء وقلت في نفسي أنها وعكة بسيطة وسرعان ما تزول.

دخلت لين في شبه غيبوبة، لكني بقيت متماسكة حتى توفت طفلة أمام عيني كانت حالتها مشابهة لحالة طفلتي، عندها بدأت بالانهيار واستطاع الخوف أخيراً أن يتسلل إلى نفسي.

وكانت صدمتي أكبر عندما خرج الطبيب بعد معاينة لين ليخبرنا أن طفلتي لا تسمع ولا تبصر وأنها لن تتكلم وأنها تعاني من شلل حركي وقد تعاني من التخلف العقلي عندما تكبر. كل هذا وقع على رأسي كالصاعقة، فصرخت تلك الصرخة المكبوتة في داخلي منذ أول لحظة!

دخلت في حالة إنكار وانكسار وضعف كبير، لماذا يحدث كل هذا الآن لطفلتي؟ لماذا أنا؟ وجهت أسئلتي هذه إلى الله.. لماذا يا رب؟ نعم، أنا أؤمن بقضاء الله وقدره لكن ما سمعته وما أعيشه كان ثقيلاً جداً على نفسي، ذلك أنه وضع جديد لم أعهد مثله من قبل، ولم أتعامل مع أحد يعاني من الشلل في حياتي كلها!

كان تشخيص طفلتي أنها مصابة بالتشنج الحراري "septic shock"، وهو ما أدى إلى إصابتها بالشلل الدماغي، حاولوا معرفة نوع الفيروس الذي سبب لها كل هذا لكن دون جدوى، فما حدث لطفلتي ما زال إلى الآن سببه غير معروف.

طبعاً اضطررت إلى أن أفطمها عن الرضاعة الطبيعية وهي في غرفة العناية المركزة، لكن المرحلة الأصعب كانت عندما أخرجناها من المشفى بعد أن قضينا 18 يوماً هناك، دون أن نتلقى أي توجيه حول الطريقة التي علينا أن نتعامل بها معها في البيت!

عادت لين إلى المنزل.. كانت صامتة بلا حراك تماماً مثل قطعة قماش ننقلها من مكان إلى آخر، لم نعرف كيف نتصرف معها.. لم يرشدنا أحد! أين ذهبت لين التي كنا نلاعبها ونداعبها بحب فتستجيب لنا بضحكتها الجميلة؟! كل ذلك تحول فجأة إلى سكون خانق..

خلال هذا الأسبوع عرضت مشكلة ابنتي على مجموعة للأمهات في موقع فيسبوك، فاستطعت أن أحصل على بعض الرتوش حول الطريقة التي أتعامل بها معها، كما انني بدأت بتثقيف نفسي وبقراءة العديد من المقالات حول حالة طفلتي.

وقبل موعد مراجعتها بيومين، ناديتها باسمها فالتفتت إلي، سبحانك ربي ما أكرمك! نعم تبين أن طفلتي لين تسمع بأذنيها وتبصر بعينيها..

حمدت الله كثيراً، فقد استعادت طفلتي سمعها وبصرها ورجوته أن يعيد الحياة لقدميها أيضاً.. طمعت كثيراً في الدعاء على الرغم من ضعفي وقلة حيلتي، وقلة خبرتي في هذه الأمور وكبر حجم الصدمة التي ألمت بي وبزوجي في أول سنين زواجنا، فلين كانت أول فرحة لي.. لا بل أجمل فرحة في حياتي كلها!

رحلة العلاج...

وبعد ذلك بدأت رحلة علاج لين، بدأنا بجلسات العلاج الطبيعي والوظيفي، طبعاً خلال هذه الرحلة لم نعدم أية وسيلة في سبيل علاج لين، من طب بديل وعلاج طبيعي ونفسي، راجعنا بها لدى العديد من الأطباء، جربنا كل شيء من أجل أن تتحسن.

كانت جلسات العلاج الطبيعي في المستشفى الحكومي تشكل عبئاً ثقيلاً على قلبي، فقد كانت معاملتهم سيئة جداً لي ولطفلتي، من ناحية انتظار المواعيد وترتيبها، وأيضاً داخل الجلسة نفسها فقد كانت المعالجة لا تلمس طفلتي تحت أي ظرف، وعلي أنا أن ألازمها طيلة الجلسة ومدتها 45 دقيقة لأحمل طفلتي أو أقلبها حسب ما تريد.

لم أحتمل كل هذا فذهبت إلى طبيب في مستشفى خاص، وهناك سمعت ما زاد من صدمتي وإحباطي! كانت لين قد أكملت عامها الأول في ذلك الوقت، فنظر إلى كافة الفحوصات والصور الخاصة بلين دون أن يتحرك من مكانه أو يعاينها، وقال لي بكل برود: "ابنتك لديها فيروس وتلف في خلايا الدماغ، فلا تتعبي نفسك بزيارات الأطباء وارضي بقضاء الله وما قسمه لك"، لم أصدق كلامه.. فطفلتي التي قيل لي أنها لن تسمع ولن تبصر.. استعادت بفضل الله حواسها!

خرجت من هناك وقررت أن أكمل رحلتي في علاج طفلتي بتقبُّل وتحدٍّ كبير وإيمان بأن القادم لا شك سيكون أفضل..

التحسن في حالة لين

بعد سن السنتين بدأت تتحسن بشكل بطيء فصارت تجلس لوحدها وتحاول الحبو لوحدها، لكنها كانت لا تزال تتناول دواء التشنج، كنت أسأل الأطباء كثيراً عن سبب تناولها له، فهي لا تعاني من الصرع ولم تتشنج ولو لمرة واحدة، لكنهم كانوا ينكرون عليّ سؤالي فيجيبونني أنهم يعطونه من باب الاحتياط، وأنني إذا قمت بإيقافه قد تتعرض طفلتي لنوبة تشنج في أي وقت!

بقيت على هذا الحال إلى أن قمت باستشارة طبيب آخر، قال لي أن دواء التشنج هذا يؤثر سلبياً على دماغ لين فكانت تصل الأوامر إلى أطرافها بطريقة عشوائية، وبناءً على ذلك قام بإيقاف دواء التشنج لها تدريجياً.

بعد ذلك شهدت تحسناً سريعاً وواضحاً لدى طفلتي، فقد كان دواء التشنج هو ما يمنع تحسنها كل ذلك الوقت!

وأحضرت لها معالجاً متمرساً إلى المنزل، كان رائعاً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ساعد لين ودربها فصارت تحبو على أربع وتستخدم المشاية والركائز وتتربع في جلستها وتمشي 6 خطوات لوحدها خلال عامين

البحث عن مدرسة

كان هذا من أكبر الكوابيس بالنسبة لنا لفترة طويلة، في البداية بدأنا بالبحث عن روضة مناسبة تستقبل لين، ومن بين 25 روضة في منطقتنا قبلتها روضة واحدة فقط!

وبعد أن أصبحت لين في عمر المدرسة، بدأنا بالبحث عن مدرسة مناسبة لها، كانت الرحلة شاقة في البداية بحثت بين المدارس الخاصة في مناطق مختلفة لكن دون جدوى! تعرضنا للكثير من التنمر والاستهزاء والاستغلال من أصحاب المدارس والروضات والمعلمات والمدراء.. لم تكن مهمتنا في إيجاد مدرسة مناسبة سهلة على الإطلاق!

استطعنا أن نجد مدرسة قبلت بلين، لكنها لم تكن مهيئة تماماً، فكان والدها يضطر كل يوم إلى حمل لين حتى الطابق الثالث إلى صفها.. لكن أصابه التهاب في أوتار الكتف، فاضطررنا إلى ترك المدرسة.

اتجهت إلى المدارس الحكومية، وبعد الكثير من البحث وبالصدفة أرشدتني إحدى المديرات إلى مدرسة مهيئة حيث استطعت أن أسجل لين بحمد الله.

لكن هذه الأخطاء والتخبطات في الوزارة استهلكت الكثير من وقتنا وجهدنا وأعصابنا أيضاً.. آمل أن يكون هناك وعي أفضل بما يعيشه وما يمر به الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة فقط ليتم قبولهم في إحدى المدارس.

أمل لين في المشي

في عام ٢٠١٧ راسلت طبيباً في الولايات المتحدة يجري العمليات لأطفال في مثل حالة لين، لكن للأسف جاءني رد سلبي أن لين غير مؤهلة للعملية، وطلبوا مني أن أراسلهم في العام المقبل وأن أقوم ببعض الامور والتدريبات لطفلتي إلى حين ذلك الوقت.

وهذا ما حدث بالتنسيق مع المعالج، فالتزمنا بكافة التعليمات المطلوبة طوال العام، وفي عام ٢٠١٨ راسلتهم مجدداً حتى جاءني الرد الذي أراحني قليلاً أن لين مؤهلة الآن للعملية!

لم يكن لديّ ما يكفي لمبلغ العملية والتي تصل قيمتها ٧٧،٠٠٠ دولار! فقررت أن أبدأ بحملة لجمع المبلغ، وذلك في شهر ١١ من عام ٢٠١٩، وكان كل ما قمنا به إلى الآن مجهود فردي وعمل يدوي متعب جداً لنا وللين التي كانت تساعدنا في تجهيز لوحات الأمل وحلم لين في المشي، واخترنا راقصة الباليه لأن لين قد عبرت لي مراراً عن حلمها البسيط ورغبتها بالرقص كغيرها من الفتيات الصغيرات.

واستطعنا بحمد الله أن نجمع ما قيمته 30,000 دولار تقريباً من قيمة العملية إلى الآن، وأنا آمل أن تصل هذه الحملة إلى أكبر المؤسسات والجمعيات في بلادنا لتدعم لين.. هذه الطفلة التي تحلم بأمور هي بالنسبة لغيرها شيء عادي جداً!

ما أرجوه لطفلتي الآن.. فقط أن يصير حلمها ممكناً!

 

*لدعم الطفلة لين وتحقيق حلمها يرجى التبرع من خلال هذا الرابط: http://bit.ly/2PrgjGO