قصص أمهات

بعد خمس سنوات من المعاناة عاد طفلي إلى حضني

حزيران 04 , 2020

قصة أم لطفل* 

إذا كنتم من متابعي الأفلام الأجنبية، وتحديداً أفلام الإثارة والرعب.. فقصتي واحدة منها!

لا يسعني إلا أن أصفها كذلك.. وربما أكثر! فما مررت به لم يكن عادياً ولا حتى متخيَّلاً بالنسبة لي ولأي إنسان طبيعي.. فأنا التي جرعت من كأس الخوف مراراً بسبب زواج زائف.. وأنا الشاهدة على كل ما جرى وكل ما لم ينقض إلا بعد أن أخذ مني الكثير!

سأبدأ قصتي بنصيحة واحدة أقدمها للفتيات المقبلات على الزواج.. لا ترتكبن خطئي! ومهما تقدم بكن العمر لا تندفعن باتجاه أي علاقة قبل التأكد منها ومن قرار الارتباط.. لأنكن إذا لم تفعلن، قد تكون العواقب وخيمة!

بدأ كل شيء عندما بلغت الثلاثين من عمري وأنا لازلت فتاة عزباء، أصابني حينها إحساس بأن هناك ما ينقصني كوني لم أتزوج إلى الآن، اكتأبت كثيراً على الرغم من أنني كنت ناجحة في حياتي ولي عملي الخاص في مجال دراستي!

فذهبت في رحلة إلى الولايات المتحدة لزيارة أقاربي هناك لتجديد نفسيتي، كان ذلك في عام 2007، وكنت في ذلك الوقت مشتركة في أحد مواقع التعارف عبر الإنترنت، لأحظى وأنا هناك بتجربة سيئة مع أحدهم فأغلقت باب المواعدة.

تعارفنا عبر الإنترنت ولقاؤنا..

خلال رحلة العودة وأنا في المطار، كانت لدي فترة انتظار طويلة استطعت أن استخدم خلالها الإنترنت، وأنا أراجع بريدي الإلكتروني وجدت أن هناك شخصاً قد أرسل لي العديد من الرسائل على موقع التعارف يعبر فيها عن رغبته في لقائي، فبدأنا نتراسل فيما بيننا..  

أرسل لي رقم هاتفه الذي كان ينتهي بـ 315 وكانت المصادفة أن رقم رحلتي أيضاً 315، فاعتقدت أن هذه المصادفة هي علامة ما وبأن هذا الشخص قد يكون مناسباً لي! فتابعنا أحاديثنا إلى أن وقعت في حبه تماماً حتى دون أن أراه أمامي على الحقيقة!

تحدثت لأهلي عنه وأخبرتهم أننا نحب بعضنا وأننا سنتزوج في آخر العام، بالطبع أصابتهم صدمة كبيرة، لم يتقبلوا الفكرة.. إذ كيف لرجل تعرفت إليه عبر الإنترنت دون أن أراه على أرض الواقع أن يصبح زوجي في غضون شهرين فقط!

لقد كنت عمياء تماماً.. لا أعرف ما الذي كنت أفكر فيه ولا كيف وقعت في شباكه بهذه السرعة!

لم يوافق والدي على هذا، وطلب أن يأتي لأراه وأتعرف به أكثر قبل أي شيء.. وهذا ما كان..

سافر إلى حيث يعيش أهلي، وهناك بدا شكله غريباً بعض الشيء بالنسبة لي.. لم تكن صورته التي كنت أراها على "سكايب" واضحة كما في الحقيقة.. لكن هذا كله لا يهم، وما يهم فقط هي أفعاله وكلامه وطريقة تعامله!

خرجنا معاً في أول لقاء إلى أحد المقاهي، وهناك رأيت وجهاً له لم أره من إنسان في حياتي كلها.. لأسباب تافهة جداً بدأ يصرخ في العاملين في المقهى ويصيح ملء صوته بطريقة مخجلة لم أر مثلها من قبل!

عدت إلى بيت أهلي وقلت لهم: لا أصدق الذي شاهدته اليوم.. بالتأكيد هناك خطب ما! كما أنني واجهته بالأمر فبدأ يتأسف ويعتذر ويتحدث عن أن هذه ليست عادته.. خرجت معه بعدها عدة مرات وكان شعوري بعدم الارتياح لكل ما يجري يزداد في كل مرة..

أخبرت والدي أنني لا أريده ولا أريد الزواج منه، لكنهما لم يصدقاني لأنه وبالنسبة لهما هذه هي عادتي، أرفض كل من يتقدم لخطبتي وأسوق لذلك الكثير من الحجج الواهية.

بالإضافة إلى كونه قد قطع تذكرة ليأتي ويباشر أمور الخطبة والزواج وأحضر معه خاتماً ثمنه 15000 دولار، وهذه كلها دلائل على جديته في الأمر.. تعرضت للكثير من الضغوطات من أهلي الذين ربما أخطؤوا في ذلك الوقت من حيث أرادوا أن يحسنوا إلي.. لهذا أنا لا ألومهم، فهم أيضاً ساندوني ودعموني لاحقاً بعد أن تكشفت لهم حقيقة هذا الرجل!

لكنني أدركت بعد هذه التجربة أن ما يقوله الأهل لا يعتبر صائباً وصحيحاً دائماً وفي كل أمر كما كنت أعتقد، فهم لهم منظورهم يجتهدون بناءً عليه ولي منظوري وحدسي الذي كان علي أن أتبعه برغم كل شيء!

تزوجت به على الرغم من كل شيء..

عقدنا قراننا وأقمنا عرسنا .. حضره أهلي والقليل من الأصدقاء، أما أهله فلم يحضر أي منهم، وقد تبين لي فيما بعد أنهم يمقتونه وعلاقتهم به سيئة جداً.

وفي شهر العسل كانت أيامي بعيدة كل البعد عن الفرح والسعادة والبسط.. كل ما فيها كان بكاء ونكد..

لا أدري كيف رضيت بكل هذا.. لا زلت إلى الآن أجهل الأسباب التي سيرتني ودفعت بي إلى هذا المصير الأسود المقيت..

بعد شهر العسل اكتشفت بأنني حامل، فشعرت بضيق كبير بمجرد معرفتي بالأمر.. كان حملي سريعاً كما كان قراري بالزواج! ذلك أنني لم أكن أملك الثقافة الجنسية الكافية ولم أكن واعية للطرق التي يمكنني فيها أن أمنع الحمل أو أؤخره..

وهذه أيضاً نصيحتي لكل فتاة تتزوج حديثاً.. لا تحملي إلا بعد مضي عامٍ على الأقل من الزواج، مهما قلت عن نفسك بأنك تعرفين زوجك ومتأكدة منه.. عليك في البداية أن تختبري معشره وتألفيه جيداً قبل أن تحكمي على نفسك وعلى طفلك القادم بحياة تجهلينها..

في الولايات المتحدة استمرت المشاكل بيننا في تصاعد مستمر، كثيرة هي المواقف التي كنت أعيشها معه، مثل أن يصرخ علي في المراكز التجارية ونحن نتسوق. 

وكثيرة هي المرات التي أوقف فيها السيارة وأنزلني إلى الشارع في ساعات متأخرة من الليل وفي أيام البرد الشديد، لأجلس وحدي أبكي وأنتظر عودته ليأخذني مرة أخرى دون أن أخبر أحداً هناك عن كل هذا الجنون، ظناً مني أنه علي ألا "أنشر غسيلي" كما يقال أمام الناس.. فأخفيت ذلك وفي قلبي حسرة وألم!

وطبعاً لم يكن هذا القرار صائباً، لا يجب على أي امرأة السكوت وعدم المواجهة وطلب المساعدة في مثل هذه الظروف وهذا أمر عرفته وتأكدت من أهميته بعد وقت طويل ومرير... عليكِ بالتصرف من أول موقف وألا تنتظري أو تسكتي!

لذلك، أخبرت أهلي بكل تلك المشاكل التي تحدث بيننا، فأشارت والدتي أن أبتعد قليلاً وأقيم لديهم مدة شهر واحد حتى تهدأ نفوسنا.. ففعلت ذلك!

وهناك قامت بتهدئتي وكانت تقول لي بأن الطفل القادم لا شك سيقربنا من بعضنا وسيحسن العلاقة فيما بيننا -الكثيرون يفكرون بهذه الطريقة إلاّ أن الأساس في تربية الأطفال هو العلاقة الصحية المبنية على الاحترام المتبادل. 
 

لكن القادم كان أسوأ..

وبعد أن عدت من عند أهلي لولادة طفلي، اكتشفت أن كل ما كان منه ليس سوى شيءٍ بسيط مقارنة بما هو قادم!

جاءت أمي لتقيم لدينا مدة شهر ونصف في فترة ولادتي، ربما لن تساعدني الكلمات لأصف لكم طريقته في التلاعب بالآخرين وتشويه الحقائق، استطاع أن يخدعها مدة أسبوعين إلى أن اكتشفته على حقيقته ورأت منه الوجه الذي أراه كل يوم.. فعادت وهي تبكي وتفكر بحجم المصيبة التي وقعت على رأس ابنتها!

لم يكن تعنيفه جسدياً بل نفسياً لأبعد الحدود، عشت أياماً كان يشككني فيها في نفسي، فقد كان يحاول أن يعزلني عن أهلي وأصدقائي ويفسد كل علاقاتي ليحكم سيطرته علي. 

فيزرع في نفسي أفكاراً مثلً: "أهلك لا يحبونك ولو كانوا كذلك ما تركوك هكذا!" أو "أنت ليس لديك صديقات، لا أحد يتصل بك"، كان يسمعني مثل هذه العبارات كل يوم وكل لحظة ليحطمني تماماً وليجعلني أعتقد أنني وحيدة وضعيفة وغير محبوبة أو مرغوبة.. لدرجة أن ذلك في مرحلة ما أصبح يؤثر بي فعلاً!

الليلة التي تفجر فيها كل شيء..

في إحدى الليالي وبينما نحن نتناول العشاء، لسبب تافه جداً جن جنونه وقلب المطبخ رأساً على عقب وبدأ بالصراخ، لم أفهم ما الذي حدث، لكنني تصديت له هذه المرة، فخرج من المنزل ولم يعد طوال الليل. في اليوم الذي يليه عاد وتشاجرنا مرة أخرى كثيراً، نمت بعد ذلك واستيقظت لأجد أن طفلي الذي لم يتم بعد شهره الثاني غير موجود في المنزل!

اتصلت بأحد أقاربي وصديق له اللذان بدورهما أقنعاه بالعودة مع طفلي، فجلس معهما وبدأ يتحدث بكلام بذيء مبتذل عن علاقتنا بطريقة صدمتني وأفقدتني عقلي.. أمور خاصة جداً تحدث عنها أمام الجميع بدون خجل! وبعد مناوشات كثيرة اتفقوا معه أن أذهب مع طفلي إلى منزل أقاربي لأقضي هنالك يومين حتى تهدأ النفوس.

حين جاء ليعيدني إلى المنزل، كان أول ما قام به أن أخذ بطاقتي الائتمانية ومفاتيح سيارتي وخرج في اليوم التالي باكراً وتركني في المنزل.. كان المنزل خالياً من الطعام، لا شيء أسد به جوعي، فاتصلت به مراراً ليعود لكن دون جدوى..

عاد متأخراً بينما كنت أصلي.. دخل المنزل وهي يضحك ضحكة عالية مريضة ومرعبة وقال لي: "أنت لمين بتصلي؟ أنا الله بالنسبة لك! أكلك وعمرك بيدي أنا.. وبيدي أن أرحمك أو لا أرحمك".. بعد أن سمعت هذا كله علمت أن الأمور قد جاوزت كل الحدود، فحزمت حقائبي واتصلت بقريبي ليأخذني وكل أمتعتي في اليوم التالي.

كون طفلي وأبوه يحملان الجنسية الأميركية وأنا لا أحملها اضطررت أن أتركه له، ظنًّا مني أنني بهذه الطريقة أضغط عليه.

فقد نصحني أهلي بذلك، أنه لن يطيق وجود الطفل لديه، وهذا أيضاً ما تعتقده الكثيرات من النساء اللاتي يستخدمن ترك الأولاد لدى آبائهم كوسيلة ضغط.

لكن دعوني أقول لكم أن هذا لا ينفع بشيء، فالرجل السيء يستطيع أن يتدبر أمره وأن يضع طفله عند أيٍّ كان دون أن يهمه الأمر، وهذا ما فعله، وضعه عند أناس لا يعرفهم جيداً وإنما دلته قريبة له عليهم.

لم احتمل البعد عن طفلي خرجت بسيارة قريبتي إليه وبدأت أرجوه أن يريني اياه.. أجهشت بالبكاء وصرخت بحرقة كبيرة..كانت لوعة الأم على صغيرها، حتى جاءت الشرطة وحاولوا أن يحلوا الأمور بيننا فوافق أخيراً أن أذهب لأخذ طفلي..

أخذت طفلي وعدت به إلى منزل أقاربي، وبعد ذلك بعدة أيام كان موعدي مع مكتب الهجرة من أجل الحصول على الإقامة الدائمة (Green Card)، فتواصل معه أهلي من أجل إصلاح الأمور لنذهب إلى المكتب بدون أي مشاكل فوافق على ذلك.

 

الفزع والرعب كانا كل ما شعرت به ذلك اليوم..

في صباح اليوم الذي كنا سنذهب فيه إلى مكتب الهجرة، استيقظ باكراً ثم توجه إلي ووضع مسدسه في رأسي.. لا زلت أذكر برودته جيداً! فتذكرت كلامه الذي كان يقوله لي مراراً وهو يمسك بسلاحه ويضحك ضحكته الهستيرية: "الأمر لا يتطلب سوى رصاصة واحدة!".. يمكنكم أن تتخيلوا حجم الرعب الذي عشته..

هددني وطلب مني أن أتصل بمكتب الهجرة وأن أؤجل الموعد، وألا أخبر أي أحد بأننا لم نذهب.. وهذا ما فعلته!

أصبح وجودي في أميركا غير قانوني وطفلي أمريكي الجنسية لا يمكنني أن آخذه معي ولا أن أبقى معه، تقطعت بي السبل ولم أعرف ماذا أفعل، بالإضافة إلى الضغط الذي مارسه أهلي علي كي أرجع إليهم وأترك ابني. 

كانت أمي تبكي وترجوني أن أعود من خوفها علي، لكنني كنت أقول لها: "خوفك علي حقك كأم، لكنني أم أيضاً فلماذا أمنع من أمومتي وتطلبون مني أن أترك طفلي ورائي!".

تركت له الطفل.. وأنا أحترق

وبالفعل في يوم من شهر كانون الأول ذهبت لأعيد طفلي إليه..

شعرت في ذلك اليوم وكأني أترك قطعة بل قطعاً من روحي ورائي وأرحل.. لم تكن مشاعر عادية، كانت مشاعر أم تتخلى مجبرة عن صغيرها.. وتضعه بين يدي شخص مريض لا يؤمن جانبه ولا يمكن التنبؤ بأفعاله أبداً!

هيأت نفسي لرحلة العودة، ونتيجة لاتصالاتي العديدة بالكثير من المحامين استطعت أخيراً أن أحصل على بصيص أمل وطوق النجاة الوحيد.. كانت محامية رائعة قالت لي بأنه يمكنني أن أحصل على الإقامة في الولايات المتحدة إذا استطعت أن أثبت أنني تعرضت للعنف من قبل هذا الشخص حسب ما يسمى بالVAWA (violence against women act).

استغرقنا الأمر ما يقارب الثلاثة أشهر.

إلى هذه المرحلة وأهلي ما زالوا يحاولون إصلاح الأمور معه دون فائدة، وعلى الرغم من أن وجودي في أميركا أصبح قانونياً كوني قدمت الأوراق للحصول على إقامة، إلا أنني فضلت العودة إلى أهلي لأنني تعبت كثيراً وكنت بحاجة أن أعود إلى بيتي.. كنت منهارة تماماً!

وبقيت أنتظر خبراً من المحامية لمدة سنة وسبعة أشهر حتى حصلت على الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة.

عودتي من أجل طفلي

سافرت إلى هناك مرة أخرى وبالفعل خلال أيام استطعت الحصول على عمل وبيت وسيارة، وكلت محامية ورفعت قضية حضانة للطفل.. طبعاً معاملة الإقامة التي قدمتها كانت سرية من قبل الحكومة، ولم يكن زوجي السابق يعرف عنها أي شيء، فكانت الصدمة بالنسبة له أن تلقى قراراً من المحكمة يعلمه بأنني قد رفعت قضية حضانة في المحكمة.. وهو الذي اعتقد أنه قد تخلص مني وأنني لن أتمكن من العودة!

بالنسبة لي لم أرفع قضية طلاق لعدة أسباب، أهمها أن ذلك لن يفيدني خاصة في محاكم البلاد العربية، كونها قد تتحول إلى قضية خلع هناك، كما أنني كنت قد انفصلت عنه وتحررت منه فما يهمني حقاً هو طفلي قبل أي شيء، فكان منه أن بادر هو لرفع قضية طلاق بالمقابل!

لكن الأمر الصادم الذي اكتشفته أن طفلي لم يكن في الولايات المتحدة من الأساس! وأنه مباشرة بعد اليوم الذي أحضرت له فيه الطفل ، قام برفع قضية حضانة كاملة للطفل مدعياً أنه استيقظ صباحاً ليجد أنني غادرت بلا رجعة! حصل على حضانة الطفل وأصدر له جواز سفر ثم سفره إلى بلاد أخرى عند واحدة من أخواته هناك ثم عاد إلى الولايات..

فأصبح من المطلوب مني حينها أن أثبت للمحكمة أنه كاذب وأنني تعرضت للتعنيف النفسي والتهديد من قبله، وأنه كان يعرف مكاني حينها لكنه تلاعب بالقانون وزور الحقائق ليحصل على مراده..

طبعاً لشدة خوفه من تسارع الأمور قام بإحضار صغيري إلى الولايات.. تخيلوا أن طفلي قد كبر ما يقارب العام والنصف مشى أولى خطواته خلالها وسنن ونطق بأولى كلماته دون أن تكون أمه أو أبوه إلى جانبه! وأهله الذين لطالما تحدثنا إليهم وكانوا يؤكدون لنا حقيقة وجوده مع والده، بينما كان طفلي بينهم ومعهم يخفونه عني.. عن أمه!

سمح لي القضاة أن أرى طفلي، فقالوا لي أنه من الممكن أن أراه في الحضانة، فحملت تصريح المحكمة وذهبت إلى حضانة طفلي لأراه، لكن إدارة الحضانة منعتني أن أراه وقالت بأن قرار المحكمة لا يلزمهم بشيء!

تمكنت بعدها من الحصول على قرار من المحكمة أن أرى طفلي في مركز خاص بوجود أخصائيين اجتماعيين ونفسيين، على الرغم من محاولات والده الكثير في المماطلة والتأجيل، مرت أشهر ونحن في المحاكم دون أن أرى طفلي!

أول مرة أرى فيها طفلي..

وفي صباح أحد الأيام بعد صدور قرار المحكمة وبينما أنا في عملي، وصلت إلى بريدي الإلكتروني رسالة كانت عبارة عن صورة لطفل جسمه محطم ومليء بالجبائر وبجانبه يجلس زوجي السابق ويضحك ضحكته المريضة، وقد كتب لي: "ابنك تعرض لحادث سقط من البلكون، إذا كنت تريدين رؤيته تعالي إلى منزلي".. وكانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها ابني بهذه الطريقة وبهذه الصورة المؤلمة!.. ما الذي حدث له؟ أين كان وكيف سقط؟

فقدت أعصابي حينها، بكيت وصرخت وانهرت تماماً.. وتيقنت من السبب الذي جعله يماطل في الأمر كل هذا الوقت!

تحدد اليوم الذي سأرى فيه طفلي حقيقة.. كان قلبي ينبض بقوة وراودتني الكثير من المخاوف والمشاعر والأفكار.. كيف سيكون اللقاء؟ هل سيعرفني صغيري؟ كيف سيفهم أنني أمه؟ هل سيناديني ماما؟

أحضروا لي صغيري، وقد فكوا له جبيرته، لكنه ما زال غير قادر على المشي فقدماه كانتا ضعيفتين لا يقوى على الوقوف عليهما! فحملته في عربته وخرجنا نلعب في متنزه ولا أدري كيف حدث هذا لكن طفلي تعلق بي بشكل كبير ولم يتوقف عن ترديد كلمة "ماما".

قضيت معه ساعتين وكأنهما دقيقتين، ولما جاء موعد قدوم والده ليأخذه، انفجر بالصراخ: "لا أريد بابا.. أحبك ماما وأريد الذهاب معك".. كان وكأنه يستنجد بي من شيء ما لا أعرفه!

التقيت به مرة أخرى وقضينا وقتاً رائعاً معاً، حتى أن الأخصائية الاجتماعية كتبت في التقرير أن الطفل متقبل لأمه ومتعلق بها ويمكنه ان يلتقي بها لوحدهما دون أي رقابة، فسمحوا لي أن أراه مرة في الأسبوع ثم سمحوا له بالنوم عندي وقضاء أسبوع عندي وأسبوع عند والده وهكذا..

ثم تطور به الأمر ليرفع العديد من القضايا ضدي في المحاكم كلما سنحت له الفرصة. مدعياً أنني لا أعتني بطفلي بشكل جيد. ومهما كانت القضية تافهة كنت مجبرة على أخذ مغادرة من عملي لحضورها، ناهيكم عن المبالغ الطائلة التي تدفع للمحامين.. فكان أول الضرر أنني سرحت من عملي لهذا السبب... كل ما فعله بي استنزفني تماماً!

وفي أحد الأيام كنت ذاهبة لآخذ طفلي من حضانته لنقضي الأسبوع معاً، نظرت إلى يده لأجد آثار حروق فسألته عنه ليجيبني: "حروق سجائر" فقلت له:" من فعل هذا؟" فجاءت إجابته لتوجعني أكثر: " أنت فعلت هذا! أنت سيئة.. أنت تدخنين".. صار يردد هذه العبارات وكأن أحدهم قد حفظه إياها.. قلت له: "أنا فعلت هذا؟!" فيرد: "نعم أنت حرقتني أنت سيئة"..

على الرغم من كل الألم الذي شعرت به لحظتها إلا أنني مدركة أن والده قادر على كل هذا.. قادر على أن يتلاعب بالطفل ويغسل دماغه ويرعبه ويحرضه علي.. وأراد أن يثير أمر الدخان كوني كنت مدخنة سابقاً لكن في ذلك الوقت كنت قد تركت الدخان تماماً وإلى يومنا هذا بعد جلسات hypnotherapy.. لكنه لم يكن يعرف كل هذا!

أما الحضانة فقد كان دورها سيئاً جداً ومتحيزاً لجانب الأب، طلبت بأمر من المحكمة أن يتم نقله إلى حضانة جديدة..وهذا ما حدث..

وحشيته.. جنونه.. وأمراضه النفسية

كما أنني حصلت على أمر حماية من المحكمة يمنع زوجي السابق من الاقتراب مني أو أن يعرف أي شيء عني وعن مكان سكني.

إلى أن جاء يوم ميلاد صغيري، كنت قد جهزت له احتفالاً كبيراً، فهذا أول عيد ميلاد له معي! أوصلته إلى الحضانة الجديدة وعدت إلى المنزل لأرتاح قليلاً.. في هذه الأثناء اتصل والده بمديرة الحضانة ليخبرها أنه قادم ليصطحب الطفل، نظرت المديرة إلى الأوراق ورفضت وقالت له اليوم من المفترض أن يكون مع أمه! فكان منه أن جاء إلى الحضانة وتهجم على المديرة بأسلوبه المتوحش المعهود ليرعبها ويأخذ ملف الطفل ويصور كل معلوماتي ومكان إقامتي..

رفع قضية أخرى ضدي تقضي بأنني أؤذي طفلي، باشروا تحقيقاتهم معي ومع والده، وجدوا أن منزلي دائماً نظيف ومرتب، الطعام دائماً موجود والغسيل نظيف وكل شيء في مكانه، أما منزله فقد كان قذراً وغير لائق للعيش أبداً، خضعت لاختبار الكذب ونجحت فيه أما هو فلم ينجح وانتفض غاضباً عندما ثبت كذبه في الاختبار.

أما التقييم النفسي، فقد تبين أنني أعاني من اضطراب ما بعد الصدمة (post-traumatic stress disorder) وهو أمر لا يضر بأهليتي في تربية طفل والاعتناء به. 

أما هو فقد تبين أنه مصاب باضطراب المزاج ثنائي القطب (bipolar disorder)، فهذه هي عادته يضحك ثم يغضب بطريقة هستيرية مريبة، واضطراب الشخصية النرجسية (narcissistic personality disorder) والذين يعانون منه دائماً يسعون لتدمير كل من يخالفهم بالرأي وتحطيمه، وهذا ما كان يفعله معي! وكتب كل هذا في التقرير..

الجريمة البشعة..

استمرت التحقيقات والزيارات المتكررة لي ولوالده، وفي كل مرة كان يتأكد لديهم أن والده يكذب ويلفق وأن الطفل متعلق بي بشكل أكبر، كما أنهم وضعوا معالجة خاصة لطفلي لتحاول أن تعرف ما في نفس الطفل وما تعرض له على الحقيقة، فهو كتوم لا يجرؤ على الإفصاح!

فكان من بين رسوماته أنه رسم ورقة شجر صفراء تسقط في فصل الخريف، فقال: هذه الورقة حزينة لأنها تسقط، والسقوط مؤلم!

هنا أعادني ذلك إلى اليوم الذي سقط فيه.. فاستخدمت معه المعالجة أسلوباً آخر لتعرف أكثر عن تفاصيل الحادث، فبدأت تلعب معه بالدمى ليتحدث أكثر.

فسألته: أتحب ماما؟

قال: نعم أحبها كثيراً، فهي تقبلني وتحتضنني دائماً.

قالت: وبابا، هل تحبه؟

قال: لا فهو يكذب علي.

قالت: لماذا؟

أجالها: لأنه قال لي بأنني سأطير ولن يؤلمني هذا، لكنني مت ثم عدت إلى الحياة وآلمني هذا كثيراً.

نعم، اعترف طفلي بأن والده هو من أوقعه من الطابق الخامس، فقط ليمنعني من رؤيته! لا أدري ما الكلمة التي يمكن أن أصف بها إنساناً يفعل هذا بابنه؟!! ما هذا إلا مريض وقاتل ومجرم..

وبناءً على ذلك، صدر قرار من المحكمة قطع أي اتصال بين الأب وابنه لأنه ثبت لديهم بأنه يشكل خطر على حياة الطفل، بينما أعطوني المزيد من الوقت مع ابني، حتى نقلت الحضانة بالكامل لي، لكنهم اشترطوا علي أن أغير مكان سكني لضمان سلامتي وسلامة الطفل.

سافرت مع طفلي لنبدأ حياة جديدة بعيدة عن المشاكل وعن طليقي. صحيح أنه لاحقنا بقضاياه هناك إلا أنني ما زلت صامدة من أجل طفلي ومن أجل نفسي.  

نعم أعترف أنني لم أملك الوعي الكافي لأوقف الأمور منذ البداية، من أول لحظة بدأ يصرخ فيها في المقهى ويتصرف تصرفات غير سوية، لكنني الآن صرت أقوى على الرغم من كل الندوب التي تركتها التجربة في نفسي.

صرت أملك الشجاعة والقدرة على مواجهته ومحاربته، لن أفرط بنفسي أو بطفلي بعد اليوم.. ولكل أم أو امرأة تتعرض للتعنيف والظلم والترهيب النفسي والتلاعب العقلي.. لا تسكتي أبداً! فأنت تستحقين أن تعيشي حياة كريمة ومستقرة.

أما إذا كنت تعيشين في الخارج، فيجب عليك أن تعرفي حقوقك جيداُ في البلاد التي تسكنينها، فأهلك لن يكونوا بالقرب منك لدعمك، لذلك عليك أن تفهمي القانون جيداً ليكون إلى جانبك في اللحظات الصعبة، ولا تفقدي الأمل أبداً مهما بدا الأمر صعباً ومستحيلاً، فها أنا أمامك استطعت أن أقف على قدمي مجدداً بعد أن ظننت أني قد انكسرت تماماً!

بالنسبة لطفلي فهو لم يتعافَ تماماً، ما زال يكره والده وكثيراً ما يعبر عن غضبه وحنقه عليه كلما ذكر اسمه أمامه.. أنا الآن بالنسبة له الأم والأب معاً وهو يدرك هذا ويقدره، لكن هذا لم يمنعه أن يسأل نفسه ذلك السؤال الموجع: "لماذا فعل أبي كل هذا؟!"

 

* لم يتم ذكر اسم الأم بناءً على طلبها وحفاظاً على سلامتها.