قصص أمهات

ابنتي علياء.. عالمٌ من الحب

كانون الثاني 01 , 2020

بقلم: هبة العسة، أم لطفلة

كنت قد شاركتكم قصتي مع طفلتي علياء العام الماضي، تعرفتم فيها على تفاصيل ما مررنا به، وتشخيص علياء بالتأخر النمائي، ورحلتنا معها منذ أن وُلدت.  

والآن وبعد عام مليء بالأحداث، وقد أتمت صغيرتي منذ أسبوع عامها الرابع، ها أنا أكمِلُ الجزء الثاني من قصتي وأوافيكم بأخبار علياء وإنجازاتها.

حتى تعلم وتتيقن كل أم أن إيمانها بالله ومحبتها وعطاءها واهتمامها هم المفاتيح الأساسية ليكون طفلها سليماً معافى نفسياً وجسدياً وعقلياً.

مر هذا العام بحلوه ومُره، بصعوباته وتحدياته، لكنه لم يخلُ من الإنجازات واللحظات التي لا تُنسى، عام توقعنا فيه القليل لكن الله من علينا بما يفوق توقعاتنا بكثير.

كان من المفترض أن تكون علياء في العام الماضي (2017/2018) في سنتها الدراسية الأولى، لكننا بعد البحث والتشاور مع الأخصائيين قررنا تأجيل هذه السنة، والتركيز على تطوير مهاراتها الحركية واللغوية، وتأهيلها نفسياً لجو المدرسة.

بدأنا عام 2018 بجلسات منتظمة (٣ أيام في الأسبوع) تخضع فيهن للعلاج الطبيعي والوظيفي وعلاج اللغة والنطق.

وأما اليومين الآخرين من الأسبوع فقد خصصناهما للذهاب إلى الحضانة حتى يتسنى لها الاختلاط مع الأطفال، وتنمية مهاراتها الاجتماعية وإثراء شخصيتها عن طريق التفاعل مع مَن هم بمثل عمرها من الأطفال.

وما إن وصلنا منتصف العام وتحديداً في يوم 11 من شهر حزيران لعام 2018، حتى منّ الله علينا بأولى إنجازاتها وهو استغناؤها عن الآلة المساعدة للمشي (الووكر) لتبدأ بالمشي لوحدها دون أي مساعدة، فكانت تلك خطواتها الأولى عن عمر ٣ سنوات و٦ أشهر ..

لا أستطيع أن أصف لكم حجم فرحتنا بما حققته صغيرتنا، استقبلناها بدموع الفرح والشكر لله على ما أنعم.

أما من الناحية اللغوية فقد كان رصيد علياء من الكلمات خلال العام الماضي ١٠ كلمات مع عدد قليل من الحروف الملفوظة، ليصبح مع نهاية العام ما يقارب الـ ٥٠ كلمة مع لفظها لأغلب الحروف وبِدءِ استخدام الجمل من مقطعين.

كان للحضانة أثر كبير في تعزيز ثقة علياء بنفسها وانسجامها مع الأطفال ومبادرتها للعب والتواصل معهم. ومحاكاة تصرفاتهم و كلامهم.

كل ذلك كان متزامناً مع حرصنا على أن تعيد علياء ممارسة كل ما تعلمته في جلساتها والحضانة داخل المنزل، وتدريبها يومياً على مهارات مختلفة ليكون التطور سريعاً وفعالاً.

أذكر ما قاله لي الطبيب في أحد الأيام: " كلما استثمرت في طفلتك وكرست الوقت لعلاجها، كلما رأيت نتائج هذا الاستثمار ونجاحه، فالعبرة بالاستمرارية وبذل الوقت والجهد ما استطعنا.. ولكن تذكري دائماً أن العطاء يحتاج إلى الطاقة، فاحرصي دائماً على إعطاء الوقت لنفسك دون إهمالها حتى تستطيعي الاستمرار"

ومن الضرورة أن أِنوّه إلى أن تلك الأيام لم تخل من الصعاب والعقبات، فقد امتلأت بالكثير من الدموع والمطبات، لكن أملنا بالله كان حاضراً دوماً، متفائلين بالخير متوكلين عليه.

مازال أمامنا الكثير، والطريق طويلٌ جداً، لكن عناية الله كانت ولازالت ما يرافقنا ويعيننا على الاستمرار دائماً، بالإضافة إلى المحبة الغامرة والاهتمام الكبير الذي حظينا به من قبل الجميع، ودعاء الوالدين ورضاهم الذي أعاننا أيضاً ومهد لنا الطريق من أجل طفلتنا وعلاجها.. فالحمد الله حمداً كثيراً.

أما الآن فاسمحوا لي أن أوجه رسالتي لصغيرتي علياء:

إذا جاء ذلك اليوم يا ابنتي واستطعت أن تقرئي كلماتي، فاعلمي يا صغيرتي أنك قد سرقت الجزء الأكبر من قلبي ، وأخرجت منه حباً وحناناً كبيرين، وقد وجدت في نفسي وجسدي قوةً لا تسعها أرض ولا سماء لأجلك يا صغيرتي ولأجل أن تكبري كغيرك من الفتيات، وأنا التي حسبتني لا أقوى على كل ذلك!

ليتك تعلمين يا علياء حجم السعادة التي تملأ أرواحنا كلما تعلمت شيئاً جديداً، أو كلما نطقت بحرف جديد، وكلما تسارعت خطواتك وأنت تمشين بتوازنٍ أكبر.. عندما ترفضين شيئاً لا ترغبينه أو تومي برأسك لشيء تريدينه..

ربما هي أمورٌ صغيرة، لكنها بحجم الكون عندي، فكم وكم انتظرنا و رجونا و دعونا أن نرى ما نراه منكِ الآن..

أراكِ تكبرين بسرعة يا صغيرتي، تارةً أرغب في إيقاف الزمن حتى يتسنى لي الاستمتاع معك لوقت أطول، وتارةً أرغب في إسراع الوقت لأراك أصبحت شابةً قوية، صاحبة الهمة التي تغلبت على كل الصعاب التي واجهتها.. معطاءةً ومؤثرة في كل من حولها.. جميلة بخُلُقِها وعقلها وعلمها ...

و بما أن العطاء يا ابنتي هو روح الحياةِ وطعمها، و بما أنه يصادف اليوم يوم ميلادي.. أحببت أن أوسِّع من دائرة العطاء في حياتي، لأعطي مما تعلمت وعرفت خلال تلك السنوات في رحلتي معك.

وأن أقدم دعمي الكامل لأي أم لديها طفل/طفلة من أصحاب الهمم، سواءً كان دعماً نفسياً أو معنوياً، وذلك بمساعدتها في إيجاد المراكز التي تقدم الخدمات والأخصائيين والأطباء المتخصصين، وإفادتها من خلال تجربتي مع الأطفال الخدج والتمارين المنزلية وخطط التدريبات المنزلية وكيفية التواصل مع أطفال أصحاب الهمم وتطوير قدراتهم وتنميتها. فأنا على أتم الاستعداد لذلك.

وبذلك أبدأ عامي هذا بعطاء جديد وحب جديد وعهد جديد بأن أعطيك ما استطعت من وقت وجهد وقوة.

لا تنسوا علياء من دعائكم دائماً، حفظ الله أولادكم وجعلهم قرة أعين