قصص أمهات

إلى ابني المميز: تحقق حلمنا بعد عناء وأصبحت مهندساً!

أيار 29 , 2018

بقلم: سهير قفاف، أم لخمسة أطفال

اليوم كان تخريج ابني المميز... وأخيراً تخرج من الجامعة وحصل على شهادة البكالوريوس في هندسة البرمجيات. اليوم أتذكر شريط حياتنا بجميع الصعوبات التي مررنا بها، من اليوم الذي ولد فيه "سعيد"، العناية التي احتاجها ومحاولتي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، من دماغه خاصة، جلسات العلاج الطبيعي وتمارين تقوية العضلات حتى يتمكن من الدخول إلى المدرسة والذي لم يكن سهلاً أبداً!

حتى لا أطيل عليكم سأقوم بسرد قصتنا وكيف وصلنا إلى هذا اليوم الرائع!

اسمي سهير قفاف، أم لخمسة أبناء ثلاث بنات وصبيين، تالا وسعيد وزيد وجنى وميرا، سعيد من ذوي الاحتياجات الخاصة. أحببت أن أشارككم تجربتي مع أولادي وخصوصا سعيد الذي اعتبر تربيته كانت تحدي لكل من حولي وحتى لنفسي.


أنا وعائلتي

يوم ٢٨-٥-١٩٩٤ كان اليوم المنتظر لولادة ابني الثاني، حدثت بعض المضاعفات واحتاج إلى أن يوضع في الحاضنة بسبب نقص الأوكسجين والذي أدى إلى إصابته بضعف عضلي وارتخاء. كان هذا أمرًا صعبًا على أم شابة تعيش في غربة بعيدة عن والديها. ترى زوجها وابنتها البالغة من العمر خمس سنوات ينتظران بفارغ الصبر ابناً وأخاً يلعبان معه. كان عليّ أن أقوم بكل شيء لوحدي لم يكن بالأمر السهل على الإطلاق.

تقبلت حالته مع تحدياتها وبدأت اعتني به بكل ما أوتيت من قدرات ومعلومات عما حصل، اهتممت بعلاجه الطبيعي وبدراسته. كنت مصممة على أن يدخل مدارس عادية "الدمج"، إلا أنه لم يكن سهلا لعدم توفر هذه المدارس وعدم قبولهم له لأنه لم يكن يمشي طبعاً وبُنيته ضعيفة، عانيت معه حتى أبني ثقته بنفسه، وتقبله لها.

عندما دخل المدرسة كنت في فلسطين، كنت اتابع علاجه في مركز في مدينة القدس، ومن بعدها أدخلته روضة في نابلس وعندما أنهى الروضة بدأت رحلتي مع المدارس. تم رفضه لعدة أسباب مع أنه ذكي جداً، رفضوه بسبب إعاقته الحركية وكثرة الأدراج في بنايات المدارس وأنه من الصعب عليهم تحل مسؤوليته والاهتمام به، عانيت من الموضوع وتألمت وكأن من مثله لا يكفيه ما يمرُّ به بل عليه أيضاً أن يُحرم من التعليم!

ولكننا لم نستسلم، بذلنا كل الجهود وحاولت بكل ما أوتيت من سبل حتى وجدنا واسطة لدخوله الصف الأول الابتدائي على أن أداوم معه. وبالفعل، كنت أحمل سعيد مع دراجته (كان يستخدم دراجة بثلاثة عجلات لتسهيل حركته) وشنطة كتبه واصعد به سُلَّم المدرسة وأبقى معه كل يوم.

كبر سعيد وانتقلنا إلى العيش في الأردن وبدأت معاناة جديدة لرحلة قبول المدارس هناك للصف الثالث، وكما هو متوقع تم استقبالنا بالرفض من جميع المدارس لوجود سلالم في بناياتهم. بحثت جيداً حتى وجدت مدرسة تقبل الدمج ولكن ليس للإعاقات الحركية، بقيت أقنع بمديرتها حتى وافقت على أن ندفع ضعف مبلغ القسط السنوي.

ما لم أذكره من قبل أن مناعة ابني سعيد كانت ضعيفة جداً فكان يمرض كثيراً وكانت غياباته متكررة مما جعلني ألازم البيت للاعتناء به ولم يسعني أن أعمل بوظيفة يومية مع أني مهندسه معمارية. وكان قراراً صائباً فلم نتوقف عن زيارات الاستشارات الطبية والعلاج الطبيعي.

بعد سنتين في عمان انتقلنا للعيش في الرياض وبدأت مغامرة المدارس مجدداً لدخوله الصف الخامس، وأصبح سعيد أكثر وعي فلم يرضى إلا أن يتم تسجيله في مدرسة عالمية، والحمد لله لم أعاني كثيراً هذه المرة لقبوله لأن كان بمقدوره المشي ولكن كان لا يزال جسمه ضعيفاً أي احتمال وقوعه كبير. وبالفعل، دخل إلى المدرسة العالمية وكان من الطلاب المتميزين فيها حتى وقع على رأسه في يوم من الأيام وفقد ذاكرته لمدة ٢٤ ساعة!

بعد أن صحَّ جسده وعقله طلبت منا المدرسة أن نقوم بنقله منها لأنهم لن يستطيعوا الاعتناء به بعد تلك الحادثة. ومن هنا بدأت رحلة البحث من جديد قمنا بنقله إلى مدرسة جديدة إلا أنه صعب عليه التأقلم معها ومع الطلاب الجدد ولكن لم يكن لدينا خيار آخر، كان عليه أن يحتمل ما يمر به ويقاومه وعملنا على تشجيعه باستمرار والشد من عزيمته وتالا اخته الأكبر منه كانت ولا زالت خير عون وصديقة له حتى أنهى الصف الثاني عشر من هذه المدرسة ودخل إلى الجامعة.

دخول الجامعة كان أسهل بكثير فهي جامعة فخمة مؤهلة ويوجد فيها مصعد وكان سعيد يستخدم الكرسي المتحرك فلم يواجه صعوبات كبيرة في التنقل مما أعطاه الفرصة للتعلم والتركيز والإبداع.

تعلمت دروس خلال رحلتنا هذه لا تعد ولا تحصى ولكن الأهم أنني لم استسلم ولم اسمح له بالاستسلام، بناء ثقته بنفسه كانت من أولوياتي وأنا سعيدة لما وصلنا إليه.

كم شعرت بالفخر عند سماع اسمه في حفل التخريج وعند استلامه لشهادته... فرحتي غمرتني وأخيراً تم قطاف ثمر تعبنا ونضاله...

هذا ابني القوي الذي تقبل ذاته وقدراته بمساعدتنا وحب إخوانه ودعمهم له حتى أصبح لقبه Mr. Positive - الرجل الإيجابي وأصبح متحدثاً ناشطاً لحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة ويوتيوبر Youtuber.

المهندس سعيد قفاف، أنا فخورة بك ابني الحبيب وبإنجازاتك منذ صغرك حتى الآن... استمر يا عزيزي نحن معك!