قصص أمهات

أدخلت السعادة إلى بيتي رغم كل الظروف!

حزيران 13 , 2018

بقلم: لينا عرًّابي

قصَّة ياسمين وادي، أم لطفلة

يقولون أنك تعرف صُلب الناس عند تجربتهم في المواقف الصعبة، لم أعلم حقيقة هذه الحكمة إلا عندما عرفت نفسي بعد مروري بواحد من أصعب المواقف في الحياة، لم أكن أعرف أن بداخلي امرأة قوية، طموحة ومثابرة إلى هذه الدرجة.

تزوجت بعمر ٢١ سنة -الذي اعتقد أنه سن صغير للزواج- وتخيلت أنني سأعيش حياة طبيعية في علاقة جميلة وصحية ولكن لم تكن هذه حالنا، عرفت بعد فترة قصيرة أن هذا الزواج لن ينجح، كانت هناك الكثير من الإشارات والأحداث التي دلَّت على ذلك. حاولت فهم خلفيتها وقررت أن اقرأ وثقفت نفسي عن العلاقات أكثر، لم أكن لأسمح لمثل تلك الظروف أن تفرقنا. وبالفعل، بعد الحديث مع زوجي عندها، اقتنع في كلامي واستمر زواجنا لفترة من الوقت، أقول لفترة من الوقت لأنها لم تستمر. بعد العديد من المحاولات والصبر لم يعد من السهل البقاء في علاقة غير صحية خاصة بعد أن أنجبت ابنتي عائشة وأصبحت تبلغ من العمر ستة أشهر، فحصلنا على الطلاق.

كانت عائشة هي العامل الأكبر في تغير شخصيتي، دخلت كالنور في حياتي أضاءت لي الطريق حتى أحلم بمستقبل أفضل لنا، علَّمتني معنى الحب والصداقة، فهي الآن صديقتي المقربة وليست ابنتي فقط، تعلمت من حبي لها التفكير السليم والتأني في اتخاذ القرارات فكل شيء في ذلك الوقت تعلق بها وصحتها ومستقبلها معي.

لذلك، أنا فخورة بالطريقة التي قمت باتخاذ هذا القرار فيها، أعطيت نفسي الوقت قبل إنهاء العلاقة وفكرت جيداً، فكان القرار من اقتناعي وبناة أفكاري لم أسمح لأي أحد بالتدخل، وهذا ما أنصح به الجميع دائماً "لا تسمحوا للآخرين بالتأثير عليكم والحكم على علاقاتكم واتخذوا قراراتكم بناء على ما ترونه مناسب لحياتكم لا على قناعات الآخرين".

أحمد الله على الدعم الذي حصلت عليه من عائلتي؛ المرور بمثل هذه التجربة لم يكن سهلاً، لم أعرف كيف سأتصرف وكيف سأقوم على رعاية ابنتي وتربيتها ناهيكم عن التعب النفسي الذي مررت به أثناء الزواج وبعد الانفصال. من حسن حظي أن بيتنا يكمن في نفس عمارتهم السكنية.

كنت أقضي اليوم عندهم ثم أنزل إلى بيتي، بصراحة لم أكن قادرة على احتمال العيش فيه بعد الظروف التي مررت بها، كل شيء ذكرني بذلك الوقت، لم أعد أطيق أثاثي، مطبخي... واستمر هذا الوضع لمدة شهر كامل، كان السبب وراء هذا الشعور هو رد فعل إنساني طبيعي، فكلنا نشعر بالألم تجاه ما خسرنا وكيف خسرناه...

إلا أنني لم أحتمل هذه الفكرة وقررت وضع نهاية لهذا الشعور السيء؛ قمت بالتخلص من جميع الأثاث، وقمت بتجديد المطبخ فدهنت خزائنه بنفسي بالألوان التي أحب. اشتريت أثاثاً جديداً -طبعاً وفق ميزانيتي- حتى أحب منزلي من جديد وأخلق لعائشة الجو التي ستشعر به أن أمها سعيدة أيضاً.

مضي عامين كاملين وأنا بين الاكتئاب والسعادة، بين الحزن والفرح، حاولت العمل في وظائف متعددة ولكني لم أكمل أي منها لأنني كنت الأم والأب لابنتي الصغيرة، عمر السنتين في الطفولة من أهم المراحل التطورية جسدياً وعاطفياً، أردت أن اعطيها كل ما تحتاج.

كانت هذه الخطوة مهمة على الصعيد الشخصي، كنت أحصل على الدعم من أهلي وما إلى ذلك، ولكن من جانب آخر وهو العملي لم أكن راضية عن الوضع تماماً، أردت أن أكون معتمدة على نفسي مادياً كما معنوياً، أردت أن أكون قدوة لابنتي عندما تكبر وترى أمها بنجاحاتها واستقلاليتها، أردت منها أن تفهم أهمية "منزلنا"، أن نأكل ونعمل ونشرب في بيتنا، أن تكون لنا حياتنا المستقلة.

طبعاً، كل هذا تطلب وقتاً، لذلك، أنا أنصح الأمهات اللاتي مررن بعملية طلاق أو انفصال ألا يسرعوا في البحث عن عمل والسعي وراء الاستقلالية بدلاً من التركيز على نفسهم ومشاعرهم وأطفالهم وتربيتهم، فالعمل لا بد منه ومهم جداً وأنا أفهم أهميته، ولكن إن سمحت الظروف لهن فمن الأفضل تأجيل الفكرة لوقت لاحق.

بالنسبة إلي، ما فعلته هو أنني بدأت في البحث عن عمل أستطيع القيام به من منزلي -ساعات العمل الطويلة لم تناسبنا-، بمساعدة بعض الأصدقاء وجدت الشاغر المناسب لي وعملت به لفترة من الزمن، بعد ذلك كبرت عائشة وشعرت أنني أستطيع الآن البحث عن عمل آخر بساعات عمل أطول.

عملت لمدة سنتين وكنت اعتقد أنني سعيدة وحصلت على كل ما رغبت به، ولكن في الحقيقة، كان هناك أمرين يسيطران على تفكيري طوال الوقت، الأمر الأول هو أنني لم أكن راضية عن أدائي في أي شيء أفعله أو أنجزه كنت أفكر أنني لست ذكية بما فيه الكفاية أو ساذجة أو أو أو... والأمر الآخر هو أنني وابنتي نعيش في شقة بمساحة كبيرة لا حاجة لنا بها، كنت أعود إلى المنزل وأشعر أنه فارغ بلا حياة، فأنا لست معتادة على العيش في منزل خال من الروح العائلية ودفء الأم والأب.

بحثت كثيراً في داخلي حتى أعرف كيف يمكنني حل مشاكلي أو الأمور التي تضايقني. وبعد تفكير وتمحيص قررت اللجوء إلى مستشار عائلي، أردت معرفة جذور مشاكلي الشخصية لأقوم بحلها، فكل الأمور التي مررت بها في صغري وخاصة أيام المدرسة لكثرة مقارنة إنجازاتي مع إنجازات غيري، أثرت في شخصي وربما كانت سبباً لعدم تمكني من قراءة الإشارات منذ وقت مبكر قبل زواجي.

بعد جلسات عدة مع المستشار، أحسست بالتغيير، ساعدني على تخطي الكثير من الأفكار "السوداء" التي كانت تحوم في رأسي، ساعدني على مواجهة مخاوفي والتخلص من آثار كل ما أحزنني من قبل، ليس بنسبة 100% ولكن بنسبة جيدة، أصبحت أكثر سعادة ورضا عن نفسي وعن الحياة.

أما منزلي الذي فكرت مراراً بتقسيمه لعدم حاجتي لمساحاته الكبيرة، قررت أن أبعث فيه الحياة لي ولابنتي.

أولاً، أحضرنا قطة "رومي" لتعيش معنا، والتي -أنا متأكدة- ساعدت عائشة على التأقلم مع بُعد والدها عنها لأنها انشغلت بها، كما حمَّلتها مسؤولية العناية بها بتقديم الطعام والشراب وما إلى ذلك فقد كنت قرأت أن إعطاء بعض المسؤولية للأطفال أمر جيد لمستقبلهم.

الخطوة الثانية كانت أن نقوم أنا وعائشة في الاعتناء بمنزلنا لوحدنا، كانت تعمل لدي مساعدة منزلية، فأنا كنت معتادة على وجودها منذ صغري في منزل والدي. ولكن مع الوقت تغير شعوري، أردت أن نعمل في منزلنا والاهتمام بجميع تفاصيله حتى نشعر بالانتماء له وأن نحبه، لذا قررت إنهاء خدماتها.

لم تنتهي خطتي هنا كنت أفكر أن مثل هذه المساحة في المنزل ممكن أن تسعد الكثير من الناس ويمكن استغلالها بشكل أو بآخر، هذا هو طبعي لطالما كنت أحب التطوع والعمل الاجتماعي.

قمت بتأسيس نادٍ للقراءة ووصل عدد الأعضاء إلى ثلاثين شخص تقريباً، كنا نجتمع أسبوعياً لمناقشة كتاب قمنا بقراءته واحتساء فنجان قهوة مع بعضنا البعض والاستمتاع بمناقشة إيجابية جداً. ولا زال النادي مستمر حتى يومنا هذا!

في نفس الوقت الذي بدأت فيه بنادي القراءة، بدأت في التطوع لتدريس للأطفال الذين يحتاجون إلى تقوية في كثير من المواد، واخترت اللغة الإنجليزية فهي لغتي الأولى، أحببت هذه التجربة وكنت سعيدة لرؤية الأطفال سعيدين يحاولون ممارسة ما تعلموه مني، فرأيت أن هنالك فرصة جيدة لتوسيع نطاق هذه الدروس، وأنني يمكن أن أفيد الكثيرين.

بالتالي وفي يوم من الأيام قمت بإنشاء صفحة على الفيسبوك باسم Kids Conversation Club – English with Yasmin، عرضت فيها بعض النشاطات التي يمكنني القيام بها مع الأطفال لتقوية مهارات التواصل باللغة الإنجليزية مثل الطبخ، الزراعة، الحرف اليدوية والتلوين. في يوم واحد وردتني الكثير من الاتصالات وبدأت في الحصص والدروس.

لم تسعني الفرحة التي شعرت بها لنجاح مشروعي الصغير وأكثر ما أسعدني هو استمتاع عائشة في كل حصة كنت أعقدها. بات لديها الكثير من الأصدقاء من نفس عمرها، أصغر وحتى أكبر.

ومع الوقت ومساعدة أهلي والأصدقاء قمت بتجهيز منزلي بكل ما يلزم الأطفال كروضة صغيرة بألوان زاهية. بدأت في استقبال أعداد جيدة من الأطفال وحتى الأمهات اللواتي يرغبن تحسين مهاراتهم في المحادثة.

أنا سعيدة جداً بإنجازي وفخورة لما وصلت إليه ولن أتوقف هنا، أنا أطمح لكثير من الأشياء فالآن بت أعرف من أنا وما أريد وما أستطيع إنجازه... يكفي أنني أدخلت السعادة إلى بيتي رغم كل الظروف!