قصص أمهات

تجربتي بين الولادة القيصرية والولادة الطبيعية

تجربتي بين الولادة القيصرية والولادة الطبيعية
أبريل 03 , 2021
جُمانة يوسف جُمانة يوسف
أم لطفلين، هما الامتداد المُشرق بين قلبي والحياة.أبحثُ عن المعنى، عن القيمة في كل شيء. درستُ الصحافة بكلية الإعلام والاتصال بجامعة الملك عبدالعزيز... المزيد

 

"لازم أولّدك خلال هذه الـ12 ساعة يا مدام!" بدأت تجربتي بهذه العبارة التي ألقتها الطبيبة عليّ بينما أنا في الأسبوع السابع والثلاثين من حملي بطفلي الأول، في هذه اللحظة كان شعوري مثل من تسرّب إليه النور البعيد بعد سيره في نفقٍ مظلمٍ طويل ينحني بهِ يميناً ويساراً.

 

  • أوه! حقًا يا دكتورة؟ أي صباح الغد سوف ألد! (بابتسامة وترقّب).
  • نعم

وبعد لحظات تفكير من الطبيبة حيث كان واضحاً أنها تُقلب الأمر في رأسها وتزِن المخاطر المحتملة لبقائي 12 ساعة إضافية قبل أن ألد)، عادت لتخبرني:

  • بل الآن! لا أفضل الانتظار لصباح الغد يا ابنتي، فأنتِ في مسؤوليتي والحالة تستوجب الولادة العاجلة لحمايتكِ وحماية الجنين.
  • حسناً، وكيف ستتم الولادة وليست هناك بوادر؟ هل ستقومين بتحفيز المخاض أو سنعتمد الطلق الصناعي؟
  • لا، هذا الخيار ليس متاحاً لنا لوجود تسمم حمل وارتفاع الضغط لديكِ، سأقوم بإجراء عملية قيصرية لك.
  • قيصرية!!

 

خرجتُ من العيادة ليُنهي زوجي إجراءات توقيع الموافقة، وإجراءات التنويم والتحضير للعملية، بينما كنتُ شاردة الذهن في حالة صدمة خالية من أدنى معرفة عن هذا النوع من الولادة فكل تلك الدورات التي حضرتها والمقالات التي قرأتها وجلسات الاسترخاء والتنفس والتحضير للولادة الذي حضّرت نفسي به، وتمارين القرفصاء والمشي اليومي كان يُركز على الولادة الطبيعية، والتي لم أتوقع أنها لن تكون الخيار الأنسب لي في نهاية المطاف!

 

كما أن جميع من حولي لم يمرّوا بهذه العملية من قبل بل كانت ولاداتهنّ طبيعية، لكن ذاكرتي أعادتني إلى الوراء بينما كنتُ في عمر الثالثة عشر، بينما كنت في زيارة لإحدى قريباتي في المستشفى حين وضعت مولودها الثاني بعمليةِ قيصرية، وكانت قد ولدت طفلتها الأولى طبيعياً، كنت حينها أجلس مع بقية الفتيات الصغيرات من عمري نتأمل المولود الجديد ونتناول الحلوى ونتبادل الأحاديث، فسمعتُ إحدى السيدات تسأل قريبتي:

  • هاه يا فلانة! كيف كانت تجربتك مع العملية؟ كيف وجدتها هل هي أفضل أم ولادتك الأولى الطبيعية؟
  • فأجابت وعلامات الإنهاك والتعب بادية على قسماتها: في الولادة الأولى كنتُ أشعرُ أنني إنسان، وسكتت لبرهة قبل أن تُضيف: أما الآن فأنا أشعر أنني كالحيوان!!

 

عَلِقَت في ذهني عبارتها تلك دون أن أفهمها في حينها أو أفهم كيفية وأنواع الولادة، ثم قفزت إليّ فجأة نفس العبارة حين أصبحت على وشك الدخول إلى غرفة العمليات، وتساءلت: ما الذي قد يجعلها تقول هذه الكلمة وما الذي اختبرته من صعوبات لتنطق بها!!

 

 

ثم دخلتُ إلى دورة المياه فوجدتُ سيدةً ثلاثينية مبتسمة وتتمنى لي السلامة حيث رأتني أرتدي لباس العمليات، فسألتها كيف هي الولادة القيصرية؟ هل هي صعبة أو متعبة.. فاتّسعت ابتسامتها وأخبرتني أنها ولدت قيصرية قبل 6 أشهر فقط من الآن وهي الآن تُمارس حياتها الطبيعية وأن المتاعب متوقعة في كل ولادة ولكنها محتملة وسيكون كل شيءٍ على ما يُرام، وستطغى مشاعر الفرحة للقاء المولود الجديد على أي شيء.

شكرتُها بعد أن مسحت كلماتها على قلبي ومضيت إلى غرفة التحضير للعملية، وهناك أتى طبيب التخدير للتحدث إليّ وأخبرني أنه سيكون تخديراً نصفياً ومضى، ثم حين صرت جاهزة ودعت والداي وزوجي بالأحضان ودفعتني الممرضات إلى غرفة العمليات..

 

دخولي إلى غرفة العمليات

 

هناك قام الطبيب بتخديري وجاءت الطبيبة وبينما أتحدث إليها ظناً مني أنها لم تبدأ العملية بعد فلم أكُن أشعر بشيء، حتى أخبرتني أنها تمسك برأس الجنين، و... انطلقت صرخات صغيري تملأ المكان.. قبّلته وطلبتُ من الممرضة إرساله لزوجي ووالدتي.

 

وحين انتهت العملية بفضل الله تم نقلي لغرفة الإفاقة وهناك بدأت أشعر بالرجفة أو النفضة في كامل جسدي وذلك أثر التخدير الذي لم يدم طويلاً، ثم بعد أن أفقتُ بشكلٍ كامل نُقلت إلى غرفة التنويم، مع تعليمات بالبقاء في وضع الاستلقاء التام لقرابة الـ 8 ساعات دون رفع رأسي على المخدة، وبقيت معتمدة على المغذّي، وبعد ساعات نمتُ قليلاً.. ومضى المساء في استقبال الزوار والمهنئين، ولم أتمكّن من إرضاع صغيري طيلة اليوم الأول.

 

التعافي بعد عملية الولادة القيصرية:

في الساعة الثالثة ليلاً والتي أكملتُ بحلولها 24 ساعة من العملية، جاءت إليّ الممرضة وحثّتني على محاولة الجلوس للذهاب إلى دورة المياه، قمتُ بصعوبة بالغة ساعدني فيها التنفس العميق الذي يشعرني أن الحياة تدبّ في عضلاتي فأتمكن من تحريكها للجلوس ومن ثم الوقوف، وبمساعدة الممرضات ووالدتي حفظها الله تمكنتُ من إنجازي الأول بعد العملية: الجلوس، والوقوف، والمشي، ودخول الحمام، ثم العودة من جديد لسريري. قد يبدو الأمر سهلاً لكنه كان إنجازاً حقيقيًاً حينهاً، لتتم إزالة القسطرة بعد ذلك.

 

وفي اليوم التالي سُمح لي بتناول السوائل والشوربة والجلي، كما أنني كنتُ أفضل بوضوح من اليوم الأول، وتمكنتُ من إرضاع صغيري اللبأ، ومن الوقوف بشكل أقل صعوبة من اليوم السابق، وبمساعدة الممرضة ذهبتُ إلى دورة المياه، كما أنني كنتُ أتجول في غرفتي لخطواتٍ قليلة بين وقتٍ وآخر لتحريك الدورة الدموية في جسدي، لأعجل في الشفاء بإذن الله طالما أن هناك حركة.

 

في اليوم الثالث سُمح لي بتناول الأطعمة الصلبة، وتمكنتُ بعون الله من الذهاب إلى دورة المياه بمفردي وكم كنتُ أشعرُ أنني بطلة خارقة حينها وارتفعت معنوياتي، وكثفت محاولات التجول والمشي في غرفتي وفي ممر المستشفى أمام الغرفة، كما أنه في صباح ذلك اليوم انتهت مرحلة اللبأ في الرضاعة الطبيعية وكان اليوم الأول للرضاعة الفعلية وكم كانت سعادتي في تلك اللحظات الأولى مع صغيري، كما أنني طلبتُ من الممرضة أن أقوم بتغيير الحفاظ له وإلباسه رداءه بنفسي بدلاً عنها فأنا أشعر أنني في حالٍ أفضل. وبنهاية ذلك اليوم كتبت لي الطبيبة الخروج.

 

بعد ذلك كنتُ أعتمد على وضع وسادة على البطن أثناء النوم، وأخرى خلف ظهري لأحصل على الراحة والثبات أثناء النوم، كما ساعدتني جلسات مساج الظهر في تخفيف الشعور بالإنهاك والتفكفك بشكل كبير، والاسترخاء قبل النوم.

 

وحين الرغبة في الاستحمام خلال أول أسبوعين بعد العملية، كنتُ أستعين بأخواتي لغسل شعري بشكل منفصل لتقليل وقت الوقوف وحتى لا يتعرض الجرح للرطوبة والالتهاب.

 

ثم قامت الطبيبة بإزالة التغطية الكاملة للجرح بعد مرور الأسبوعين والتئامه من الخارج، واستبدالها بلصق صغير الحجم. واستمررتُ بالاستحمام بحذرٍ حتى أتممت الشهر، ثم قمت بإزالة اللصق بالكامل في موعدي مع الطبيبة.

 

كما أنني استمررت بتناول المسكنات لـ 3 أسابيع بعد العملية، وبعد ذلك لم أكن بحاجة لها بفضل الله. وحرصتُ على العناية بصحتي عن طريق تناول الغذاء الصحي المتنوع، وممارسة المشي والحركة الخفيفة خلال اليوم بشكلٍ متفرق. حتى أتممتُ الـ 6 أسابيع وطمأنتني الطبيبة بأن الالتئام الداخلي للعملية يسير على ما يُرام بفضل الله.

 

منع الحمل بعد العملية القيصرية

 

حين ناقشتُ طبيبتي في الوسيلة المناسبة لمنع الحمل، وجّهتني لاستبعاد استخدام اللولب الرحمي سواءً المعدني أو الهرموني حتى انقضاء 3 إلى 6 أشهر بعد العملية، وذلك حتى لا ينغرس في الرحم ويُسبب أي متاعب أو مضاعفات. ويمكنني في حال الرغبة في الإرضاع طبيعياً بشكل كامل استخدام حبوب منع الحمل أحادية الهرمون، والتي لا تؤثر على الرضاعة الطبيعية.

 

كما أنها أوصتني في حال الرغبة في محاولة الولادة الطبيعية في ولادتي القادمة، فإنه عليّ الامتناع عن الحمل سنة كاملة على أقل تقدير.

 

حملي بعد العملية القيصرية

 

في رحلة الإنجاب الثاني لابنتي والتي تلت العملية القيصرية الأولى بثلاث سنوات، استشرتُ طبيبتي في نوع الولادة التي تناسبني هذه المرة، فكانت لحسن الحظ من أشد الطبيبات تأييداً ودعماً للولادة الطبيعية بعد القيصرية، وشجّعتني كثيراً في المحاولة لاسيما أن اضطراري للعملية لم يكن مانعاً دائماً مثل ضيق عظام الحوض، وما إلى ذلك بل هو سببٌ مؤقت. كما أن المستشفى كانت مجهّزة ببنكٍ للدم وهذا يؤهلها لدعم حالتي في حالة حصول ضرر للرحم لا قدر الله والحاجة إلى نقل الدم فيكون بنك الدم جاهزاً.

 

ومرّت شهور الحمل بسلام حتى حان موعد بداية الشهر التاسع، وأخبرتني الطبيبة أنني إن أتممتُ أسبوعي الأربعين دون أن يكون هناك بوادرٌ للطلق والولادة الطبيعية التامة بدون تدخل، فلن نتمكن من التحفيز واستخدام الطلق الصناعي مطلقًاً فهو غير مناسب لدى من مرّت بتجربة قيصرية سابقة، وقد يُسبب انفجاراً للرحم، وحينها حددت لي موعداً -احتياطًيا- للعملية يوافق موعد انتهاء الأسبوع الـ 40.

لكن وفي الأسبوع الثامن والثلاثين بدأت علامات الطلق تظهر لي وتشتد الانقباضات المعتادة أكثر، فذهبتُ إلى الطوارئ وأخبروني أنها علامات قرب المخاض ولكنه لم يبدأ بالفعل ولكن حدوثه متوقع قريباً.

 

وبالفعل مضت 24 ساعة حتى اشتدت انقباضات الطلق وتقاربت في مدّتها، وكنتُ مستمرة في تطبيق تعليمات التنفس مع كل طلقة وشرب الماء وكأنها موجةٌ تأتي مندفعةً نحوي فأبتلعها وأتجاوزها بالتنفس العميق فتهدأ، ثم تليها أخرى بعد نصف ساعة فذهبت مرةً أخرى لطوارئ الولادة، وهناك تم الفحص والتأكد من جاهزية الرحم للولادة الطبيعية خلال ساعاتٍ قليلة.

 

وهنا وقّعتُ ورقة إخلاء مسؤولية المستشفى وبأني على درايةٍ تامة بالمخاطر المحتملة للولادة الطبيعية بعد القيصرية، مع سرد لقائمة المخاطر التي ما أن قرأتها حتى ارتعد قلبي وفكرتُ بالتراجع لوهلة، ثم تذكرت أن الله معي أولاً قبل كل شيء وسيتكفل بحفظي وحفظ جنيني، وقد خلق جسدي وجسد كل أنثى مهيّئاً لهذا الحدث الجليل .

كما أن تجارب الصديقات اللواتي مررن بالعملية الطبيعية بعد القيصرية وتكللت بالنجاح ذكّرتني بأنني لستُ أول من يمر بمثل هذه التجربة، كما أن طبيبتي أكّدت لي أن حالات التعرض للمخاطر بسبب هذه المحاولة لا تتجاوز الـ 0.5% أي أنها حالة واحدة لكل مئتي حالة، فنسبة الأمان كبيرة، فوقعتُ مستعينةً بالله، وتطورت أعراض المخاض حتى تمت الولادة الطبيعية بفضل الله بسلام.

 

مميزات الولادة الطبيعية على القيصرية

كانت أول الخيرات التي نلتها هو أنني تمكنتُ من احتضان مولودتي فور خروجها ولم أضطر للانتظار ساعاتٍ طويلة كما حصل مع طفلي الأول، كما أنني أرضعتها طبيعياً مباشرة بعد قطع الحبل السري وفحص طبيب الأطفال لها، وتمكنا من التلامس الجسدي على طريقة الكنغر.

ثم ما أن مرت الساعة الأولى حتى دخلت إليّ الممرضة حاملةً وجبة الغداء المخصصة لي فتعجّبت أن الأمر بهذه البساطة في الولادة الطبيعية، بينما بعد العملية كان أشد صعوبة وتدريجاً حتى تمكنتُ من تناول الطعام، إلى جانب الحركة بكل سلاسة وراحة وتمكّني من رعاية نفسي ورعاية صغيرتي بشكل أفضل مما كان عليه، بالإضافة إلى إتاحة معظم خيارات وسائل منع الحمل بعد الولادة الطبيعية لي.

وكان بإمكاني العودة إلى النادي الرياضي بعد مضيّ 6 أسابيع، في الوقت الذي لم أتمكن من ذلك إلا بعد 6 أشهر من العملية وبحذر أيضاً.

 

أخيراً:

الولادة القيصرية هي نعمة تستحق الشكر، فلولاها لما تمكن الأطباء من إنقاذ حياة الكثير من الأمهات والأطفال، وهي خيارٌ رائع وآمن حين الحاجة إليه، فلا تترددي في المضي قدماً إن كانت هيَ خيارك الوحيد، وتأكدي بأنك قادرة على احتمال الأمر وتجاوزه بشكلٍ رائع، أما إن لم تكوني بحاجةٍ لها، فالولادة الطبيعية هي الأفضل.

  

 

مواضيع قد تهمك

اسألي خبراءنا مباشرة الآن!

الأكثر شعبية