صحة الأطفال

هل من الممكن أن يكون أطفالنا مدمني نيكوتين؟

كانون الاول 21 , 2019

بقلم: سارة حجازي.

تظن العديد من الحوامل أن الجنين محمي في بطن والدته ولن يتأثر بتدخينها للسجائر أو الأرجيلة، لكن في الحقيقة إنَّ التأثيرات السلبية للتدخين على الأطفال متعددة ولا يمكن حصرها، بداية بالحساسيات المختلفة والربو وانتهاء بأمراض مزمنة تؤثر على حياة الأطفال سنذكرها بالتفصيل تباعاً.

وقد التقينا الدكتورة تانيا السعيد وهي طبيبة أسرة متخصصة في مجالها والتي أكدّت بدورها أن الطفل يتعرَّض لسموم التدخين وهو جنين في رحم والدته، سواء كانت هي مدخنة بالأصل أو تتعرض للتدخين السلبي من المحيطين بها، خصوصاً أن الأم الحامل وإن رغبت بترك التدخين في فترة حملها فإنها لا تعلم عن الحمل قبل مرور شهر على الأقل من تكوّن الجنين، هذا الشهر الذي يعد الأهم في تكوين الجنين جينياً.

أما إذا استمرت الأم الحامل بالتدخين أثناء فترة حملها، فإن الآثار السلبية لذلك لا تُعد ولا تحصى بداية بتغيرات وطفرات جينية (1) أثبتتها الدراسات الحديثة، حيث أنه قد تم تسجيل ما نسبته 12% من الطفرات الجينية والأمراض صعبة التشخيص عند الأطفال المولودين لأمهات مدخنات، إضافة إلى ارتفاع نسبة الإصابة بالأمراض السرطانية وخاصة سرطان الدم عند الأطفال "اللوكيميا" ومشاكل متعددة في الحمل بحد ذاته مثل الإجهاضات المتكررة.

كما أن التدخين يرفع نسبة وفاة الجنين داخل رحم والدته إلى 50% وهي نسبة مرتفعة جداً وتفسّر شيوع هذه الظاهرة في الفترة الحالية، وزيادة نسبة ولادة الطفل بشفة أرنبية أو بدون أطراف وتشوهات القلب والأصابع والكلى، فهل تستحق السيجارة أو الأرجيلة المُخاطرة بكل هذا؟

ضمن بحثنا عن سيدات لم يقلعن عن التدخين أثناء فترة حملهن وجدنا هبة "وهو اسم مستعار حيث أنها لم ترغب بنشر اسمها حتى لا يحمل هذا المقال ذكرى سيئة لابنها حين يكبر" استمرت هبة بالتدخين طوال فترة حملها وذكرت أن الطبيب أكَّد لها خطورة التدخين أثناء الحمل إلا أنها لم تستطع التوقف فهي تعمل في صالون لتصفيف الشعر جميع العاملات فيه وزبائنه مدخنات، حتى وضعت طفلها في الشهر السابع بلونٍ أزرق بسبب نقص الأوكسجين.

 بقي طفل هبة في الخداج فترة طويلة جداً حتى سُمح له بالخروج لكنه يعاني حتى اليوم من عدة مشاكل تنفسية ومشاكل في الدم جرَّاء تدخين والدته .... تؤكّد هبة أنها لم تكن تتوقع ما حدث أبداً كما كان من الممكن تفادي كل ذلك بالتوقف عن التدخين فقط.


صورة تعبيرية عن القصة (ليست حقيقية)

يمكنكم الاطلاع على قصة أماندا المشابهة لقصة هبة هنا موثقة بشكل يوضح عِظم الضرر المباشر الذي يمكن أن يلحق بأطفالنا، حيث أننا لم نتمكن من تصوير أو ذكر أي سيدة في مجتمعنا لحساسية الموضوع.

لقد وجدنا أن بعض أطباء النسائية يسمحون للسيدات الحوامل بتدخين عدد معين من السجائر وتظن عندها السيدة أن جنينها في أمان عند التزامها بهذا العدد، لكننا حاولنا التواصل مع عدد من الأطباء الذين يسمحون بالتدخين أثناء الحمل ورفضوا جميعهم الإدلاء برأيهم أو التأكيد على النسبة المسموحة، ولم نجد أي دراسة تسمح بتعرض الجنين لأي نسبة كانت من سموم التدخين، من جانبها وضَّحت الدكتورة تانيا أنه لا يوجد حد مسموح للتدخين أثناء الحمل فلا يمكننا أن نتوقع ما هي الكمية التي ستحدث الأثر السلبي على الجنين.

أما بعد ولادة الطفل تظهر مشاكل متعددة تبدأ بالالتهابات التنفسية والتهاب القصبات والربو، وحتى أن الدراسات الحديثة (2) أثبتت أن بعض صعوبات التعلُّم وقلة التركيز وتأخر القدرة على القراءة والكتابة وفرط النشاط مرتبطة بالتدخين أثناء الحمل أو التعرض للتدخين القسري.

كما أن للتدخين آثاراً سلبية على الأزواج الذين يتَّجهون للتلقيح الصناعي عند استحالة الحمل الطبيعي حيث تنخفض نسبة نجاح التلقيح بشكل ملموس عند المدخنين سواء كانت الأم هي المدخنة أو الأب.

من المؤسف أن مجتمعنا يسهِّل جميع الطرق أمام أطفالنا ليكونو مدخنين، فبيوتنا ومدارسنا مليئة بالمدخنين الذين هم المربون والمدرسون أنفسهم، فينشأ الطفل مقتنعاً بأنه يجب أن يكون مدخناً ليكون مقبولاً في هذا المجتمع، حيث أننا راقبنا إحدى مدارس البنين لنجد أن أغلب الطلبة مدخنون عند أسوار المدرسة، وإن لم تكن السجائر العادية فهي السجائر الإلكترونية التي تُباع بكل سهولة في دكّان مجاور للمدرسة دون رقيب أو حسيب بألوانها وأشكالها الملفتة لنظر الطلبة بشكل كبير.

يبدأ الأطفال بالتجربة عند بلوغهم عشر سنوات للأسف، ويصبح التدخين أكثر شيوعاً بين المراهقين كجزء من هذه المرحلة التي يحاولون خلالها إظهار استقلاليتهم ... فقد فوجئنا بدراسة موقع Tobacco Atlas  التي أظهرت وجود 9000 طفل مدخن في الأردن أعمارهم ما بين العاشرة والرابعة عشر(3)، وما خفي كان أعظم، أما بالنسبة لمستقبلهم، فأظهرت الدراسات أن ما نسبته 80% من المدخنين في مرحلة المراهقة هم مدخنون في ما بعد.

كل هذا يعني أن الأطفال يصبحون مدمنين على النيكوتين في أعمار مبكرة مما سيؤثر سلباً على صحتهم النفسية والجسدية على المدى القريب والبعيد؛ فالنيكوتين هو مادة إدمانية تؤثر على الناقلات العصبية في جسم المدخن، كما أنها ربما تفوق الهيروين في تأثيرها عليه (2)، وهذا هو السبب الذي يمنع المدخنين من التوقف عن التدخين مهما سمعوا عن الآثار السلبية على صحتهم وصحة عائلاتهم، فالنيكوتين كأي مادة إدمانية أخرى تعرّض مدمنها لأعراض انسحابية صعبة ومزعجة تبدأ بعد حوالي ساعتين إلى ثلاث ساعات من آخر تعرّض لها، تبدأ بالانزعاج والتوتر والرغبة بالتدخين مرة أخرى كما يصيب المدخن صداع وصعوبة بالتركيز ولا يشعر بالارتياح حتى أثناء النوم، إضافة إلى اضطرابات معوية وسعال قوي ... مما يجعل التوقف عن التدخين أمراً صعباً وقد يختصر المدخن كل هذا بإشعال سيجارة جديدة عِوضاً عن التوقف!

لذلك، من المهم جداً أن نكون قدوة لأطفالنا والابتعاد عن التدخين بجميع أشكاله لحمايتهم وحماية أنفسنا، وإن لم تستطع التوقف بنفسك يمكنك طلب مساعدة عيادات الإقلاع عن التدخين المتواجدة في جميع أنحاء المملكة.

إلا أن الآثار السلبية لا تتوقف عند حدود المنزل فقط ... لنفترض أن الطفل يعيش في بيئة صحية وغير معرض للتدخين هل هذا يعني أنه في أمان من مضار التدخين؟ ؟ ...لا!

فهم مدخنون سلبيون عند استعمالهم للمواصلات العامة مثلا، أو عند خروجهم لتناول وجبة الغداء في مكان مما له آثار سلبية كبيرة على الأطفال والحوامل.لا ننكر أننا قد رأينا خطوات إيجابية منذ بداية هذا العام لمنع التدخين في الأماكن العامة لكنّها ليست كافية، ما زلنا نرى المدخنين داخل المستشفيات والمدارس وحتى أماكن لعب الأطفال في الأردن وهو أمر لا يمكن تجاهله حيث أن هذه المنشآت تحديداً هي الأهم من حيث ضرورة منع التدخين داخلها.

 

لنتعاون معاً في التبليغ عن تجاوزات المدخنين في أماكن تواجدنا وتواجد أطفالنا عن طريق الخط الساخن لوزارة الصحة 065004545، وعن طريق تطبيق أمانة عمان الكبرى "بخدمتكم" لأننا إن قبلنا على أنفسنا إستنشاق الهواء الملوث طواعياً سنقف جدياً دفاعاً عن حقوق أطفالنا في استنشاق هواء نظيف.


المراجع:

(1) موقع Up to date  التدخين والحمل https://bit.ly/2t3lq7w

(2) النيكوتين مادة إدمانية قد تفوق الهيروين https://adf.org.au/drug-facts/nicotine/

(3) عدد الأطفال المدخنين في الأردن https://tobaccoatlas.org/country/jordan/