أسس تربوية

هل تنجح التربية الحديثة في تعزيز الخلق والاعتماد على النفس؟

تشرين الأول 03 , 2018
م. رلى زيد الكيلاني

رلى الكيلاني أخصائية تواصل وذكاء عاطفي محترفة ولديها حماسٌ دائم بنشر الوعي. تحمل الجنسيتين البريطانية والأردنية....المزيد

نسمع كثيراً عن مصطلح التربية الحديثة بما يتضمنه هذا المفهوم من أبعاد مختلفة، بما فيها بعض المآخذ أن التربية الحديثة لم تعد تعزز مفاهيم الخلق والذوق والاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية، بحسب ما تطرحه فجوة الأجيال بين جيل الأجداد المتمسك بالعادات والتقاليد وجيل الآباء الأكثر مرونة وعملية في هذا الخصوص.

إن لمن أهم ما تقدمه أبحاث علم النفس مؤخراً وعلوم الدماغ والأعصاب Neuro-science ما جاء من تأثير علم النفس الإيجابي على تطور فهمنا لقدرات الدماغ والذكاء عند الطفل، إضافة إلى النمو النفسي الصحي وأثره في بناء حياة تتسم بالرضا وتذوق السعادة والتغلب على التحديات بثقة وإيجابية.

فما هي التربية الإيجابية؟

التربية الإيجابية هي التربية التي تعتمد على توجيه سلوك الطفل نحو القيمة التربوية الحميدة وتعزيز الأثر الإيجابي في النفس من خلال التركيز على ما هو جيد، وتعليم الطفل التفكير بنتائج الفعل واختيار السلوك الجيد. وتأتي فكرة التربية الإيجابية من مبدأ أن كل طفل هو طفل جيد، إنما هناك سلوك سيء أو غير مقبول وسلوك محمود.

لماذا التربية بإيجابية مهمة؟

التربية الإيجابية مهمة لأنها تعزز الأثر الإيجابي في النفس

وتزيد من وعي الطفل بنفسه وبمن حوله وبأثر سلوكه على الآخرين

 

تكمن قوة تأثير التربية الإيجابية من خلال فهمنا كأهل ومربين لتأثير المفاهيم التالية:

  • التربية بالعنف تعزز ثقافة العنف: يفهم منها الطفل أن العنف مسموح ويحق له التعدي جسدياً أو لفظياً على الآخر كما يتم التعامل معه تماماً. فالقدوة أو الأهل يعتمدون العنف وبالتالي سينشأ على هذه اللغة.
  • التأنيب والتعنيف اللفظي والجسدي يعكس قلة احترام الطفل، ويزرع في الطفل ضعفاً يشعره بقيمته المتدنية.

تشير أبحاث الدماغ أن العنف اللفظي كما الجسدي يمنع عملية التعلم.

فالأطفال المعرضون للعنف هم أكثر عرضة لتطوير المشاكل النفسية والاجتماعية والسلوكية في عمر المدرسة وقد يندرج تحت ذلك: مشاكل الصحة العقلية، صعوبات التعلم، الإعاقات اللغوية وضعف التفاعلات الاجتماعية، صعوبة فهم العواطف، ضعف السيطرة على الانفعال وإدارة الذات، بالإضافة إلى ضعف القدرات التفكيرية والمشاكل السلوكية.

 

  • الذاكرة العاطفية يحملها الطفل معه طوال عمره. ومن هنا يجب علينا كأهل أن نعتمد التأثير الإيجابي والتركيز على الجيد في سلوك الطفل وتشجيعه على الخيارات الأفضل سلوكاً ونتيجة لأن ما سيحمله في ذاكرته ويظل معه في رحلة نضجه سيعزز فيه الثقة بقدرته على الاختيار الجيد.

قد يظن البعض أن التربية الإيجابية هي التربية المتساهلة، وهو خطأ يقع فيه الكثير من المربين، ذلك أن التربية الإيجابية لابد أن يتوافر فيها عاملان: اللطف والحزم، فاللطف بدون حزم لن يعلم الطفل الانضباط، والحزم بدون لطف لن يعلم الطفل الاحترام.

  • التربية ما هي إلا الرعاية التي تهدف إلى تعليم الطفل تبني السلوك الجيد والابتعاد عما يضره ويضر غيره. فلنركز على الهدف الأصلي وهو إكساب الطفل المهارات العاطفية الضرورية ليصبح قادراً على اتخاذ القرار وإدارة سلوكه بنفسه وبشكل إيجابي. فنحن نربي ونوجه حتى يصبح الطفل قادراً على عمل السلوك المرغوب بنفسه.

 

 ومن هنا يتوجب علينا كأهل لعب دور المدرب وتعريض الطفل للتجربة والخطأ وتعليمه كيف يفكر بالنتائج، بدلاً من إملاء النتيجة المتوقعة من السلوك. ذلك أن الطفل سيعيش حياته المتغيرة بظروفها وبمن يقابل من الناس وباختلاطه مع العالم المتغير بمعطيات التكنولوجيا والتواصل المختلفة تماماً عما تعودنا عليه نحن كأهل، لذا علينا أن نركز على تعليم المهارة حتى يكتسب السلوك، بدلاً من التركيز على إملاء ما هو جيد وغير جيد وحرمانه من مهارة التفكير بالنتيجة والاختيار. لذلك علينا أن نساعد الطفل بتعريضه لمواقف مختلفة  وتشجيعه على التجربة من أجل إيجاد الحلول والتعاطف مع غيره حتى يتبنى خيارات وعادات سلوكية إيجابية وبناءة.

 

تذكر أن الطفل يكرر الفعل الذي يوصله لنتيجة جيدة!

 

وأخيراً، إن لمن أهم نتائج التربية الإيجابية هي أنها تعزز بناء الرابط العاطفي القوي بين الأهل والطفل، وهو أمر يحمله الطفل معه طوال حياته، ويجعله أقوى وأكثر ثقة بنفسه وبقيمته بين أهله وفي مجتمعه.