أسس تربوية

نحن وأولادنا والإلكترونيات

شباط 14 , 2018
حنان زين الدين
أتمت حنان الماجستير في علم النفس من الجامعة الأردنية عام 2005، حيث كان موضوع رسالتها التي أعدتها لنيل الماجستير يتناول التعلق لدى المراهقين وعلاقته بت...المزيد

لا يكاد يخلو منزل الآن من الأجهزة الإلكترونية الحديثة، وبالأخص الهواتف الذكية والحواسيب اللوحية. ولم تعد المسألة إن كان لديك جهاز إلكتروني، بل كم عدد الأجهزة، وما مقدار استخدامك لها، وإن كنت أنت من تمتلكها أم هي ما يمتلكك!

دعونا ننظر إلى المشهد التالي: عائلة في المطار، وطفلٌ في السادسة من عمره يبكي بحرقة ويقول: “أريد أبي.. أريد أبي”. ماذا تتوقعون أن تفعل الأم؟ هل أجبت عن السؤال؟ حسناً.. في الواقع إنها تنظر إلى هاتفها الجوال ولا تولي اهتماماً لطفلها، رغم أنه على ما يبدو بحاجة ماسة إلى المواساة والطمأنة. لقد حدث هذا الموقف أمامي، ولا أدري إن كان الأب قد ذهب قليلاً وسيعود، أم إن كانت الأسرة ستذهب إلى بلد آخر من دون الأب، لكنني أدري أن الطفل سيفكر في أمر واحد: “لا أحد يهتم بي، وهذا الجهاز الصغير بين يدي أمي أهم مني بالنسبة إليها.”

على كثرة ما قرأنا ونقرأ من مقالات تحذر من خطر الإلكترونيات على الأطفال، فإن أثرها على الكبار ذو ضررٍ كبير أيضاً: فالإحساس الزائف بالإنجاز الذي تثيره الأجهزة الإلكترونية والرد الفوري على الرسائل والاطلاع على ما تمتلئ به مواقع التواصل الاجتماعي من مستجدات يشبه في تأثيره تأثير الإدمان،

إلا أننا لا نقرأ عن هذا كثيراً في المواقع الإلكترونية؛ لأننا إن انتبهنا إليه وقللنا من تواجدنا على الإنترنت فعلى الأرجح أن تقل أرباح المشاهدات في تلك المواقع! لكن المقالات أخذت تتزايد حول هذا الموضوع بشكل كبير.

كما أن الإلكترونيات تقلل من الإبداع. فبشكل عام، يعمل الدماغ عادةً وفق إعدادين (إن صح التشبيه بإعدادات الحاسوب): الإعداد الخاص بالعمل؛ وذلك حين تركز على القيام بمهمة محددة، والإعداد الخاص بالسّرحان أو ما يشبه أحلام اليقظة، وهنا المفاجأة: السرحان مهم جداً لربط المعلومات من أجل الإبداع! وفي الحقيقة، فإن التعلق الحالي بالإلكترونيات يقلل من وقت السرحان إذ ينخرط العقل مرة أخرى في الكثير من القرارات الصغيرة في البرامج المتاحة على الهاتف أو الحاسوب: هل أفتح هذه الرسالة التي وصلتني أم لا؟ هل أقرأ هذا المنشور على فيسبوك أم أنتقل لما يليه؟ هل أشاهد هذا الفيديو الذي يبدو مضحكاً أم لا؟ نعم! هذه كلها قرارات، وحين تستنفد طاقتك في هذه “القرارات” الصغيرة، أو ربما السخيفة، فإنك لن تجد ما يكفي من طاقة عقلية حين يأتي وقت القرارات المهمة والكبيرة، المخطط لها مسبقاً أو المفاجئة، لذا، من الضروري التقليل من التشتيت والإلكترونيات ما أمكن، فعقلك يعمل طوال الوقت حتى لو لم تكن تدرك ذلك، وإن أنهكته مبكراً فسيؤثر ذلك عليك وعلى أدائك.

كما أننا نرسم بسلوكياتنا هذه قدوة لأبنائنا؛ فمهما قلنا لأطفالنا لا تمسكوا بالهاتف أو الحاسوب اللوحي، فإننا ننفخ في قربة مقطوعة طالما أننا أنفسنا ننشغل بها ونمنحها وقتاً أكثر مما ينبغي.

بل إننا لا نبالغ إن قلنا إننا ربما نكون مدمنين عليها. قد يبدو مصطلح الإدمان للوهلة الأولى مبالغة، لكنه أصبح تشخيصاً رسمياً من بين الاضطرابات النفسية، وفيما يلي أعراض الإدمان على الهواتف الجوالة:

  • الحاجة إلى استخدام الهاتف بشكل متزايد أكثر فأكثر من أجل تحقيق الأثر المرغوب نفسه.
  • الفشل في محاولة التقليل من استخدام الهاتف بشكل مستمر.
  • انشغال الفكر باستخدام الهاتف.
  • اللجوء إلى الهاتف عند الشعور بمشاعر غير مرغوب بها؛ مثل القلق أو الاكتئاب.
  • الاستخدام المفرط، ويمكن الاستدلال على وجوده بفقدان الإحساس بالوقت.
  • تعريض العلاقات أو الوظيفة للخطر بسبب الاستخدام الزائد للهاتف.
  • التحمل؛ بحيث يزداد استخدام الهاتف لمدة أطول، أو لتطبيقات أكثر، أو لهواتف جديدة.
  • الأعراض الانسحابية عند عدم القدرة إلى الوصول إلى الهاتف أو الشبكة، وتتمثل في: الغضب، والتوتر، والاكتئاب، والتململ، وسرعة الاستثارة.

فإذا توافرت 4 من هذه الأعراض على الأقل فإن الشخص يعاني من الإدمان على الهاتف. لذا من المهم أن ننتبه إلى مقدار استخدامنا لها، وما الذي نفعله بأنفسنا وبأبنائنا. وبالنسبة إلى الأطفال، فقد بدأ الأخصائيون يحذرون من أن تقديم الهواتف الجوالة للأطفال أشبه بإعطائهم غراماً من الهيروين، بل إنهم أصبحوا يسمون الوقت الذي يمضيه الطفل على الشاشة بالهيروين الرقمي (Digital heroin).

ماذا نفعل إذاً؟

حسناً.. من الأفضل أن نبدأ بتقليل الإلكترونيات بأنفسنا أولاً؛ فلن نطلب من أبنائنا ما لا نفعله أنفسنا. وفيما يلي بعض الأفكار التي يمكن أن تساعدنا في التقليل من أثر الإلكترونيات على حياتنا:

  • من الأفضل أن نبدأ بفترة من “إخراج السموم الإلكترونية” من جسمنا وعقلنا، فنوقف استخدام الهاتف تماماً لأسبوع مثلاً. أو حتى ليوم واحد كامل على الأقل. لماذا؟ لكي نرى مقدار تأثير هذا الجهاز الصغير علينا! قمت بتجربة هذا بنفسي في العام الماضي بالتوقف عن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لشهر كامل. والنتيجة: أصبحت أدرك حجم ما يضيع من وقتي بسببها، ومقدار ما يمكنني أن أنجزه من غيرها، وحتى الشعور بالملل الذي أتاني، كنت أفتقد وجوده! فهو ما يجعلني أنظر حولي (بدلاً من النظر إلى هاتفي) لأقوم بما أريد القيام به من أعمال تهمني وتهم أسرتي.
  • ليكن وقت الإنترنت محدوداً ومحدداً؛ كنصف ساعة يومياً في الوقت نفسه. من كل يوم. يمكنك توزيع اليوم إلى ٣ أجزاء، فتفتح الإلكترونيات كل ٨ ساعات مرةً واحدة، وتطلع على ما تريد، ثم تنهي استخدامك للإلكترونيات.
  • إذا كنا نستخدم الحواسيب للعمل، فمن المهم ألا نشتت أنفسنا بكثرة المواقع التي قد نفتحها في أثناء العمل. من الأفضل إغلاق المتصفح أساساً (إلا الموقع الذي ربما تستخدمه في العمل)، وأخذ فترات استراحة بين الحين والآخر لإراحة العينين، والالتزام بالعمل فقط.
  • تذكر ما هي الأولويات المهمة بالنسبة إليك في الحياة: ربما تكون مثلاً: صحتك، وأسرتك، وأصدقاؤك، وعملك، ومنزلك. أي مشتت آخر عير الإلكترونيات لا داعي له.
  • من المفيد تخصيص “محطة” للإلكترونيات؛ بحيث نضع فيها جميع الأجهزة في مكان واحد بدلاً من أن نبقيها في أيدينا، ولا نستخدمها إلا في الساعات المحددة لها. قد يكون من المفيد وضع بطاقة عند تلك المحطة تحدد أوقات الاستخدام الخاصة لكل فرد!
  • ألغِ اشتراكك في الصفحات غير المهمة، والمواقع الإلكترونية التي ترسل لك الإعلانات، وما إلى ذلك؛ إذ يخفف هذا من التنبيهات إلى حد كبير. في الأسبوع الماضي، حين فتحت موقع فيسبوك (وقد خصصت له يوماً في الأسبوع)، وجدت ٧٠ تنبيهاً؛ ١٠منها تهمني حقاً فقط و3 منها مكررة مما يجعلها ٧ تنبيهات! كم يستهلك هذا منا من وقت وجهد!
  • إذا شعرت بالحاجة إلى استخدام الهاتف، اسأل نفسك لماذا تريد ذلك حقاً! وإن كان السبب هو الملل، فأحضر ورقة وقلماً واكتب كل ما تحب القيام به عادةً، أو ما لا تجد له وقتاً عادةً، وقم به! فها هو الوقت بين يديك!

هذا بالنسبة لنا كأهل. ماذا عن أبنائنا؟ سأفرد لهذا مقالاً خاصاً أتناول فيه هذا الأمر حسب المرحلة العمرية للطفل، مع ردود فعل الأبناء المعتادة وكيفية التعامل معها.