أسس تربوية

كيف نوثق صلة أبنائنا بلغتنا العربية في الغربة؟

أيلول 27 , 2018
حنان زين الدين
أتمت حنان الماجستير في علم النفس من الجامعة الأردنية عام 2005، حيث كان موضوع رسالتها التي أعدتها لنيل الماجستير يتناول التعلق لدى المراهقين وعلاقته بت...المزيد

كثيراً ما يشكو الأهل في الغربة (بل وفي بعض الدول العربية أحياناً) من أن أطفالهم لا يستخدمون اللغة العربية ولا يتقنونها، وأنهم رغم بعض المحاولات التي يبذلونها لا يجدون نتيجةً تُذكر.

 

وحين أجلس وأفكر في الموضوع، يخطر ببالي عدد من الأمثلة التي تناقض هذه الفكرة: فتلك قريبتي في اليونان التي علمت أبناءها التحدث بالعربية وممارستها قراءة وكتابة حتى قبل عصر الإنترنت وتوافر المواد المجانية التعليمية عبره، وصديق أخي من أمٍّ روسية لم تقل إن ابني عربي في دولة عربية ولا تلزمه اللغة الروسية، بل علمت لغتها لأبنائها ليتقنوها ويستخدموها معها في المنزل ومع أقاربهم، ثم أخيراً تلك الفتاة الإنجليزية التي التقيت بها وسألتني عن حجابي ولغة حديثي مع ابنتي ثم قالت لي: "أبي من ويلز ويتحدث اللغة الويلزية، ولكنني لا أستطيع التحدث بها رغم أنني أفهم ما يقول." كل هذه الأمثلة تقول: نعم.. صدق من سمى اللغة الأساسية باللغة الأم..

 

لنعد إلى مشكلتنا: كيف نوثق صلة أبنائنا بلغتنا العربية، العامية منها والفصحى؟ فيما يلي بعض الوسائل التي أستخدمها مع ابنتي، وأخرى اطلعت عليها من أصدقاء وأقارب في الغربة:

 

  1. التحدث في المنزل باللغة الأم فقط: منذ ولادة ابنتي، بل وقبل ولادتها، وحتى اللحظة، لم أحدثها مطلقاً سوى باللغة العربية. هي لغتنا في المنزل وفي الشارع رغم عيشنا في دولة أجنبية. لقد تعلمت اللغة الإنجليزية وحدها من برامج الأطفال وتفاعلها مع صديقاتها دون أن أبذل في ذلك جهداً سوى تصحيح بعض الأخطاء في بنية الجملة لو لزم الأمر. عدا عن ذلك فإن حديثنا بالعربية فقط. حتى لو كنا في الخارج برفقة أصدقائنا ممن لا يتحدثون العربية وحدثتها بالإنجليزية فإنها ترد عليّ بالعربية، رغم أنها تشرح الكلام نفسه بالإنجليزية للآخرين، أو تترك لي مهمة الترجمة! وتفرح كثيراً إن زرنا مدينةً وصادفنا تاجراً يتحدث بالعربية! ومؤخراً، بدأت بإضافة وقت خاص للتحدث بالفصحى لمدة ساعة كل يوم. وجدت أنها تفهم كلامي، لكنها لا تقول بالفصحى إلا "نعم" أو "هيا بنا!" لا بأس، فقد بدأت معها مؤخراً فقط، والفصحى تعتبر لغة مختلفة تقريباً عن العربية العامية.

 

  1. قضاء الإجازات في دول عربية: سواءً كانت بلادنا أو أي بلد عربي آخر، فإن المخالطة ما أمكن تساعد في رؤية اللغة قيد الاستخدام في جميع أنشطة الحياة: أحاديث الناس، والتعارف، والتعامل التجاري، واللعب مع الأطفال والأقارب، والسؤال عن الحال والأحوال، والاستفسار عما يلزم. المحادثة مهارة مهمة من مهارات اللغة والتي من الضروري إتقانها.

 

  1. التواصل مع أشخاص وأطفال آخرين يتحدثون العربية: عدا عن السفر، فإن إيجاد أسر عربية قريبة يتحدث أبناؤها العربية -لا اللغة الدارجة في البلد- أمر يساعد في توثيق اللغة. يحزنني أن عدداً من العائلات العربية حولنا ممن تتقارب أعمار أبنائهم مع أعمار ابنتي يتحدثون بالإنجليزية حتى في المنزل، حتى أن ابنتي تظن أنها لغتهم وتحدثهم بها، ولا تدري أنهم يفهمون العربية. الجميل أن هنالك أسراً أخرى تتحدث العربية، وهذا يشجع ابنتي على استخدامها، لكن يبقى عليَّ أحياناً تذكيرهم بأن يكلموها بالفصحى وألا يتحولوا للإنجليزية!

 

  1. الكتابة والنسخ: أخبرتني قريبتي أن أمها كانت تحضر لها الجرائد العربية -قبل شيوع الإنترنت- وتطلب منها نسخ بعض مقاطع الأخبار وإخبارها بمحتواها. ورغم أن ذلك كان شاقاً بالنسبة إليها في صغرها، لكنها تدرك الآن كم أن هذا كان مفيداً لها في تقوية لغتها هي وإخوانها، وقالت لي: "لا أحد مثلنا من حيث اللغة العربية في الدولة التي نعيش بها." لقد أعجبتني الفكرة جداً، وحين تصبح ابنتي قادرة على بدء تكوين الكلمات كتابةً وحدها إن شاء الله فسوف ألجأ لهذه الطريقة بدوري.

بطاقات أستخدمها مع ابنتي لنكتب عليها الكلمات بالعربية، ويمكن مسحها والكتابة عليها مرة أخرى..سواءً توافرت لديكِ هذه البطاقات أم لا، يمكنك أيضاً طباعة أوراق الأنشطة المجانية من الإنترنت،
ثم تجليدها حرارياً واستخدامها كبطاقات يمكن الكتابة عليها ومسحها. خصوصاً للأعمار الصغيرة.
 

  1. برامج وأغاني الأطفال بالفصحى: مع توافر الإنترنت، أصبحت معظم البرامج متاحةً بشكل مجاني. ولحسن الحظ فإن الكثير من البرامج الإنجليزية التي تحبها ابنتي تتوافر بنسخة عربية عبر الإنترنت، لذا تكون متحمسة لمشاهدتها باللغة العربية. من المهم الانتباه للغة العربية وإتقانها في الدبلجة؛ إذ إن بعض البرامج تكون فيها الترجمة حرفية وسيئة، وأحياناً تكون الفصحى بلكنة دولة معينة ولا تكون فيها مخارج الحروف واضحة فأحاول تجنبها. من ناحية أخرى، هنالك برامج أخرى عربية مميزة مثل افتح يا سمسم، وقنواتٌ للأطفال مثل آدم ومشمش، والتي تحمل قيمة تعليمية وقريبة من ثقافاتنا في الوقت نفسه.

 

  1. التدريس الخاص: سواءً في مدرسة تعلم اللغة العربية، أو بدروسٍ باللغة العربية مع مدرس خاص، فإن هذا يمكن أن يكون مفيداً أيضاً في حال لم يجد الوالدان كثيراً من الوقت لتعليم الأبناء الأسس اللغوية للأطفال. أؤؤكد مرة أخرى على ضرورة الانتباه إلى سلامة مخارج الحروف لدى المدرّس لكي يتمكن الطفل من إتقانها بدوره. كثيرٌ من المدارس في الخارج يديرها آسيويون أو عرب لا يتمكنون من نطق الكلمات من مخارجها الصحيحة، وهذا يؤثر على الطفل سلباً حتى لو كان متقناً لنطق تلك الحروف من والديه!

 

في النهاية، أود أن أنوه إلى أمر ضروري: الصبر، ثم الصبر، ثم الصبر! اللغةُ ليست طبخةً تنتهي خلال ساعة أو اثنتين؛ بل هي مشروع أبدي.

 

من المهم أن نثابر عليها ونحافظ على استخدامها في المنزل وعلى تثبيت الأبناء على استخدامها في التحدث معنا ومع بعضهم بعضاً في المنزل. سيستغرق الأمر وقتاً وجهداً وربما شكوى أحياناً، لكن الصبر هو المفتاح. وكلما وجد الأطفال تطبيقاتٍ أكثر لاستخدام لغتهم العربية سيكون ذلك دافعاً أكبر لهم لإتقانها. لذا، علينا أن نحاول القيام بذلك ما أمكننا.