أسس تربوية

كيف نبني علاقاتنا ونساعد أبناءنا في بناء علاقاتٍ سوية؟

حزيران 21 , 2018
حنان زين الدين
أتمت حنان الماجستير في علم النفس من الجامعة الأردنية عام 2005، حيث كان موضوع رسالتها التي أعدتها لنيل الماجستير يتناول التعلق لدى المراهقين وعلاقته بت...المزيد

"إنه زميل ابني في المدرسة ويجلس إلى جواره، لكنه يضايقه باستمرار ويأخذ منه أغراضه ولا يعيدها، وإن رفض ابني فإنه يغضب منه ويهدده بقطع علاقته به ويصفه بأنه صديق سيئ."

"أنا أعيش في دولة أجنبية وقليلون هم العرب حولي، ولي جارة عربية مثلي، لكن أطفالها يضربون أطفالي ويؤذونهم والأم لا تحرك ساكناً بحجة أنهم أطفال وأن هذا هو الطبيعي. لا أدري ماذا أفعل."

"بدأ طفلي يتلفظ بكلماتٍ وشتائم لا نستخدمها مطلقاً، لأكتشف أن ابن عمه المقرب منه هو الذي يتفوه أمامه بهذه الأمور ويلقيها على مسمعه أو يصفه بها."

هذه بعض الشكاوى والحكايات القصص التي نسمعها قليلاً أو كثيراً. والآن، دعوني أشارككم موقفين مررت بهما قبل أن نتطرق إلى صلب هذا الموضوع: كنت أتمشى صباحاً مع طفلتي عندما كان عمرها أقل من سنتين، والتقيت بجارتي التي عمر ابنتها بعمر ابنتي وهي تأخذ طفلتها إلى الحضانة فسرنا ونحن نتحدث. أخبرتها أننا بدأنا التفكير في التعليم المنزلي، فقالت لي: "صديقتي تفكر بذلك لابنتها أيضاً. دعيني أعرفكِ عليها." وقد فعلت وتزاورنا، وورغم اختلاف الجنسيات والتوجه الديني لكلينا، إلا أن صداقةً جميلةً وُلدت بيننا وبين طفلتينا، كما أننا نشجع بعضنا بعضاً ونتشارك تجاربنا وأفضل الخيارات والمصادر التي نستخدمها، وأصبحت علاقة جميلة للجميع.

الموقف الثاني جمعني بشخصية من بلدي مع أبنائها في إحدى الزيارات الجماعية، ورغم سروري بلقائها بدايةً، لكن سرعان ما كان تعاملها مع أبنائها بالشتائم والألفاظ غير الملائمة وعدم المراعاة والضغط عليهم قد ضايقني وقبض قلبي بشدة. ورغم أنني عادةً أبادر بطلب رقم الهاتف للبقاء على اتصال مع من أمامي، وجدت أنني أقول لنفسي: "لن نكون أصدقاء أبداً." ولم أفعل. لم أُرِد أن تشهد ابنتي المزيد من السلوك غير السوي في تعامل الأم مع الأطفال أو تعامل الأطفال مع بعضهم بعضاً، والذي سينعكس عليها في عمرها الحساس هذا بالتأكيد. ليس الأمر هنا بأنني أعتقد بأن تلك السيدة أقل مني في شيء، بل إنني متأكدة أن ظروفها غير سهلة، لكن الأهم بالنسبة إلي هو اختيار العلاقات السوية التي ستؤثر في تشكيل شخصية ابنتي منذ نعومة أظافرها.

في الواقع، فإن اعتياد سلوكٍ سلبي أو إيجابي ما منذ الطفولة يؤثر تأثيراً كبيراً على تشكيل عادات الأطفال وما يعتبرونه طبيعياً أو غير طبيعي. ونشهد ذلك في كثير من العلاقات حولنا بإيجابياتها وسلبياتها: الأب الذي يضرب أبناءه بحجة أنه تربى هكذا وهذه هي الطريقة الأمثل لكي يصبح ابنه "رجلاً"، والمرأة التي تكره إنجاب البنات لأنها لا تريد أن تتعذب ابنتها مثلها أو لأنها تشربت ممن حولها معتقداً مفاده إن الابنة عار، أو تلك التي تدلع ابنها وتضغط على ابنتها لأنها وجدت آباءها وأجدادها يفعلون ذلك. مثل هؤلاء الأشخاص يندهشون، بل وينصدمون أحياناً، حين يجدون النماذج المعاكسة: ذلك الأب الذي يمضي وقتاً في اللعب مع أطفاله ومشاركتهم، والذي يساعد زوجته في المنزل، وتلك الأم الرؤوفة بأطفالها والتي تعطيهم القدر الكافي من الاهتمام، لا زائداً مبالغاً فيه ولا ناقصاً يشعرهم بالحاجة إلى طلبه ممن حولهم، وتلك التي تستمع إلى أبنائها فيثقون بها ويشاركونها تفاصيل يومهم من تلقاء أنفسهم. هنا، يصبح النموذج السوي مستغرباً، بل ومستهجناً، لدى الأهل من المجموعة الأولى، مع أنك لو سألت أبناءهم لقالوا لك: نتمنى لو أن أهلنا مثل هؤلاء.

نعود إلى موضوعنا: كيف نبني علاقاتنا ونساعد أبناءنا في بناء علاقاتٍ سوية في الوقت الحالي ومستقبلاً؟

  1. العلاقات السوية في المنزل:البداية تأتي منذ الولادة، بل وقبل الولادة، في بناء بيئة أسرية تتسم بالثقة والاحترام المتبادل والمودة والتراحم، بدءاً بعلاقة الزوجين ببعضهما، وعلاقتهما بمن حولهما، ثم علاقتهما بطفلهما. كلما زاد الوعي بهذا الأمر كان عاملاً مساعداً في تقوية العلاقة بين الطفل ووالديه (وعادةً تكون الأم هي المؤثر الأقوى لتواصلها المتكرر مع الطفل)، ومشاهدة الاحترام المتبادل بينهما واحترامهما لطفلهما نفسه يبدأ بتعزيز الشعور لدى الطفل بقيمة الذات، والإحساس بجو من الطمأنينة في المنزل. لذا، لكي نعلم أولادنا العلاقات السوية، لا بد أن نتعلمها نحن أولاً كأهل (حتى لو احتاج الأمر لمراجعة مختص في العلاقات الأسرية)، ونكون مثالاً جيداً بها.
  2. تقدير الذات: من المهم لنا أن نقدر ذواتنا ولا نسمح لمن حولنا بإيذائنا. حتى لو لم نكن نقوم بالسلوك السلبي بأنفسنا، إلا أن سكوتنا عنه والسماح للآخرين بتجاوز حدودهم معنا سيجعل أطفالنا يقبلون مثل ذلك السلوك على أنفسهم، أو يقومون به لأنهم يرون أن "الأقوى" هو "المسيطر" حتى لو لم تكن العلاقة سوية، والأسوأ من هذا كله أن تكون مثل هذه الإساءة باسم الحب. كم من زوجةٍ تتعرض للإهانة من زوجها وتسكت لأنها تحبه أو لأنها لا تجد أمامها طريقاً آخر، وكم من جارةٍ تعرضت للسخرية وسوء الأدب من جارتها فصمتت حفظاً لـ"حق الجيرة والعلاقة". الأسوأ من هذا كله أننا قد نجد أنفسنا نقوم بالسلوك الذي نرفضه كنوعٍ من الامتثال أو طلب القبول من الآخر. مرة أخرى: سيشاهد أبناؤنا كل هذا وسيعتبرون بأنه الأمر الطبيعي، وحين يجدون علاقةً تقل فيها المشكلات يصبح الأمر "غير طبيعي" بالنسبة إليهم، بل وربما يفكرون: "لا بد أنهم يمثلون ذلك وأن صراخهم يصل إلى آخر الشارع لو لم أكن هنا!" لذا، لا بد من تعلم وضع الحدود، والمصارحة بأدب، وطلب الاعتذار عند وجود مشكلة أو ضيق في العلاقة.
  3. اختيار العلاقات: سواءً كانت العلاقة علاقة قرابة أو جيرة أو صداقة، فلا بد من التروي في توثيقها لكي يكون المرء على بينة فيما يتعلق بعلاقاته. قد نكون أكثر وعياً بمن حولنا كبالغين حتى لو لم نتفق معهم ونحافظ على علاقة رسمية طيبة، لكن حين يأتي الأمر لمخالطة الأبناء لبعضهم بعضاً فمن المهم التروي والتحقق من طرق تنشئة الأهل لأبنائهم ومدى مراعاتهم للأخلاقيات والذوقيات ومراعاتهم لمن حولهم. أذكر صديقةً للعائلة كانت قد سكنت بجوارها جارة جديدة، وجاءت ابنتها تقول لها: "ماما، ابنة الجيران الجديدة في صفي. هل يمكنني أن أزورها؟" فوافقت الأم أن تذهب كلتاهما للزيارة الجارة الجديدة. وقد صُدمت الأم حين وجدت تلك الجارة تتيح لبناتها حريةً مبالغاً فيها من دون متابعة ولا سؤال مطلقاً، بل وإنها تستخف بذلك ولا يهمها أين تذهب بناتها ومع من. بعد العودة من الزيارة، أخبرت الأم ابنتها أنه من الأفضل ألا تستمر هذه العلاقة وأن صديقاتها فلانة وعلانة أجدر بالرفقة. وبعد 10 سنوات من ذلك الحدث تبين أن الأم على حق.
  4. الحماية من الأذى: لا بد أن نحمي أولادنا خصوصاً في الأعمار الصغيرة التي يصعب فيها أن يدافعوا عن أنفسهم، والتي تؤثر فيهم وفي تشكيل شخصياتهم بقوة. فإن كان أبناء قريبتك عدوانيين لفظياً أو جسمياً مع أطفالك وناقشتِ الأمر مع أمهم ولم تجدي آذاناً صاغية، وحاولتِ بطرقٍ مختلفة أن تعدلي الأمور دون فائدة، فسيكون اختصار مثل تلك العلاقات أفضل. مرة أخرى: سيعلم هذا أبناءكِ أن يحموا أنفسهم من العلاقات "المسممة" بدل تقبلها باسم الجيرة أو القرابة. والمعيار هنا هو: هل أتقبل السلوك الذي أراه أمامي؟ هل سيؤثر على أبنائي سلباً؟ هل يمكنني تعديل ذلك الأثر بسهولة واستسقاء الدروس منه؟
  5. تحديد ما يمكننا تحمله وما لا يمكننا تحمله في العلاقات: فهل يضايقك إهمال الأم الثانية لتوجيه أبنائها أم لا؟ هل تجدين أن عمر أطفالك ووعيهم كافيين لتوضيح المواقف لهم وهذا يكفي حتى لو كان أصدقاؤهم صعبي المراس أحياناً؟ هل تضايقك كلماتٌ معينة أو لا تهتمين لها؟ هل تستمع صديقتك أو جارتك إليكِ وتستطيعان النقاش حول تربية الأطفال بوعي؟ وإن لم تكن كذلك، فهل تجدين أن أطفالها يتجاوبون حين تعاملينهم بلطف بحيث يساعد ذلك في تفاعلهم مع أبنائك؟ كيف ترين ذلك مستقبلاً؟
  6. التوازن: هل هذا يعني تجنب أي موقف سلبي أو أي أهل قد يبدو أن هنالك سلوكاً واحداً يضايقني منهم؟ بالطبع لا! لكن من المهم الوعي بطبيعة السلوك غير المرغوب فيه والقدرة على التعامل معه، ومدى توازن الأهل ومحاولتهم في تنشئة أبنائهم بطريقة جيدة ما أمكن أو لا، وقدرتك على التحاور معهم فيما يتعلق بأبنائهم. فعلى سبيل المثال: في أحد الأيام قالت إحدى صديقات ابنتي الأكبر منها: "أنا أطول منكِ!" وكان رد فعل الأم: "نعم لأنك أكبر منها، وأختك أطول منكِ!" فكان هنالك توضيح من الأم، وحين وجدت ابنتي لاحقاً متضايقة لأن صديقتها الثالثة أطول منها، أخبرتها أنه لا بأس بذلك والأطوال تتفاوت. مثل هذه السلوكيات تؤثر في الطفل لو تركت دون توضيح ودون شرح. هنالك سلوكيات أخرى قد أتقبلها أنا ولا يتقبلها غيري، مثل إلقاء التحية على الجميع؛ إذ تحب ابنتي ذلك وأنا أشجعه أيضاً، بينما غيري يفضل عدم التعاطي مع الغرباء مطلقاً. لكن مرة أخرى، فإن السلوك البسيط الذي يمكن توضيحه والتعامل معه بوعي من الأهل، خصوصاً لو كان تقليداً لسلوك شخص آخر لمرة واحدة أو خطأً غير مقصود، يختلف تماماً عن الإيذاء وعدم التوجيه مطلقاً لدرجة يمكن أن تصل إلى الإهمال.

بعض الخيارات صعبة، إذ قد يكون الحل في بعض الأحيان هو الانتباه مع قليلٍ من التوضيح، وفي أحيانٍ ثانية يمكن تقليل التواصل فقط مع الانتباه جيداً إلى تفاعل الأطفال مع بعضهم بعضاً، وفي أحيان ثالثة قد يكون الحل الوحيد هو الابتعاد تماماً عن تلك الأسرة خصوصاً في الأعمار الحرجة للأطفال. وفي كل الأحوال، لا بد من الوعي والحرص في الاختيار وفي مساعدة أبنائنا على الاختيار ما أمكن.