أسس تربوية

تخبُّطات تربوية: كيف نصنع إنساناً غير مبالي، مبتز ومتمرد؟

شباط 20 , 2020

بقلم: رانية الكيلاني، مدربة المهارات الحياتية لليافعين، وكاتبة قصص للأطفال.

انتشرت ظاهرة انقلاب الأدوار بين الأهل والأولاد، حيث أصبح الأولاد هم من يمتلكون السلطة والقيادة، ولا يجرؤ الأهل على الرفض أو قول كلمة أمام طلبات أولادهم المتكررة باليوم الواحد، بالمقابل لا يقوم الأولاد بتلبية طلبات الأهل حتى وإن كانت متعلقة بمصلحة الأولاد أنفسهم!

ولكي يريح الأهل ضميرهم ويتخلصوا من مسؤوليتهم تجاه تصرفات أبنائهم، نرى الكثير منهم يبررون ذلك ويلقون باللوم على الآخرين مثل: (تربية حديثة أو جيل جديد ما حدا بقدرله، الخ..)

في الحقيقة، هنالك عدة أسباب أوصلتنا كأهل لحالة أسميها تخبّطات تربوية وفقدان السلطة الوالدية

التخبّط الأول.. بين المفاهيم التربوية القديمة والحديثة

قال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله: "بعد حياة القسوة والشدة في التربية التي رافقتنا في حياتنا، وعدم توفر كل ما نرغب ونشتهي، أصبحنا نخشى على أبنائنا من تأثيرات قسوة الحياة، وبتنا نتحمل عنهم المسؤولية ونلبي لهم دائماً ما يرغبون به".

 

وخوفاً من الوقوع في أخطاء التربية القديمة والتي كان جزءاً منها يتمثل بمبدأ الوصايا والتحكم والسيطرة التامة والقسوة، تم رفض كل ما كان فيها بالمجمل من إيجابيات وسلبيات، واستبدالها كاملة بمفاهيم التربية الحديثة بما تحمل من سلبيات وإيجابيات. بحيث صنعنا بهذه الطريقة المتطرفة جيل لا يخشى ولا يحترم أحداً، لا يبالي إلا بنفسه، وغير مسؤول ينادي بالاستقلالية والحرية وهو غير قادر على إتمام أبسط أمور حياته لوحده.

 

التخبط الثاني.. بين تلبية الحاجات والرغبات
في زمن كثرت فيه المغريات وتعددت فيه الخيارات في المقتنيات، رجحت لدى أولادنا دفة شراء ما يريد على ما يحتاج، بل أصبحت الرغبات من ضمن الحاجات لديهم لأن الجميع أصبح يمتلكها (اشمعنا أنا؟!).

ولكي يحصل أولادنا على ما يرغبون من الأهل، يبدؤون باستخدام أسلوب "الابتزاز العاطفي" لعلمهم بضعف عواطفنا تجاههم، مثل (إنتوا ما بتحبوني، كل أصدقائي عندهم كذا إلا أنا، شوفوا الأهل شو بعملوا لأولادهم الخ....)، فيقع الأهل فريسة سهلة لهذا الابتزاز وهم يحاولون إثبات حبهم وتفانيهم لأبنائهم.

في هذه اللحظة نكون قد صنعنا بأيدينا من أطفالنا أشخاصاً مبتزين عاطفيا لا يقنعون بشيء، ويحصلون على ما يريدون وليس ما يحتاجون!

 

أما الحل، فيكون كما يلي:

أولاً، أود أن أنوه على ضرورة الالتزام بالقاعدة التربوية المهمة ألا وهي.. ٩٠٪ من التربية تغافل إلا في ثلاث:

  1. أن لا يمس تصرفه الحلال والحرام.
  2. أن لا يترتب عليه ضرر أو أذى.
  3. أن لا يكسر القوانين أو الأعراف (طالما الأعراف لا تخالف الشرع).

 

وهنا أؤكد على ضرورة وضوح القوانين المنزلية وعرضها ومشاركة الأولاد في وضعها، فحال البيت من دون القوانين المنزلية كحال المدرسة أو الدولة من دونها.

وإليكم أمثلة على كيفية وضعها وتطبيقها:

مثال ١: يمكن للأطفال أن يبدعوا في قلب البيت وتحويله إلى قلعة أو عالم خيالي، لا مانع في ذلك طالما أنهم سيساعدون الأهل في الترتيب بعدها (قانون منزلي).

مثال ٢: رفض الخضوع لإصرار الطفل على ارتداء ملابس صيفية في موسم الشتاء، استخدمي أسلوب حصر الخيارات وأخبريه عن الضرر الذي سيترتب على ذلك.

مثال ٣: طلب ابنك موبايل وهو ليس بحاجة له، فقط لأن الجميع يمتلكونه. وهنا يأتي قانون الحاجات، مع التأكيد على الأبناء أن هذا لصالحهم وهو ما سيجعلهم أفضل.

 

الخطأ الذي يقع فيه الأهل هو وضع القوانين من غير وضع العواقب أو فقدان الحزم في تنفيذها إن تم كسر القوانين.

ففي المثال الأول في حال رفض ابنك المساعدة في الترتيب فقومي بحصر خياراته.. "إما أن أساعدك أو تقوم بالترتيب لوحدك أو لن تلعب بهذه اللعبة في المرة القادمة."

فإن كان خياره رقم ٣ فيجب على الأهل أن يكونوا حازمين وأن يلتزموا بما قالوا وإلا صنعوا طفلاً متمردا، وهنا الحزم لا يعني أبدا الغضب كما يعتقد بعض الأهل، وإنما أن تكونوا بكامل هدوئكم لكن تكلموا بلغة جادة وأنتم تنفذون ما قلتم.

فأولادنا صناعتنا ومرآتنا، فإن أردنا التغيير علينا أن نبدأ بأنفسنا لا بهم.