قصص حقيقية

قصتي مع ابنتي غيرتني وأخرجت مني ما لم أتوقعه!

شباط 04 , 2019

بقلم: هبة العسة، أم لطفلة.

 

بدأ ألماً ثم ما لبث أن صار أملاً ....

ترددت كثيراً قبل كتابة قصتي مع طفلتي الصغيرة علياء.. تلك القصة التي علمتني.. غيَّرتني وأخرجت مني ما لم أتوقعه من صبرٍ وقوةٍ وإصرار.. زادتني رقةً وحباً وحناناً.

لكنني قررت أن أسردها، علّها تكون أملاً أو مواساة أو دافعاً إيجابياً لأمٍّ أخرى..

ولدت علياء في الأسبوع ال٣٠ من الحمل بعملية قيصرية طارئة، إثر تعرُّضها لضائقة نقص الأكسجين قبل الولادة مما أدى إلى اختناقها وتوقفها عن الحركة، لكن وبفضل الله تم إنقاذها باللحظة الأخيرة واستطاع الأطباء إنعاشها ونقلها إلى العناية الحثيثة، أذكر ذلك اليوم بكل تفاصيله برهبته.. بخوفه وبألمه ...

كنت كلما سألت عن علياء قالوا لي:" إن شاء الله خير"، كان قلبي يعلم أن هناك خطبٌ ما لكنني لم أعلم شيئاً حينها. لم ولن أنسى ما قاله الطبيب لزوجي حين رأى علياء وفحصها لأول مرة:" لا أعرف ماذا سأقول لك، ولكن ليس هنالك عضو من أعضائها يعمل!"، اسودّت الدنيا بأعيننا وبدأت أسوأ السيناريوهات تخطر في بالي، ورحت أردد: "لاحول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون".

في اليوم التالي طلب الطبيب رؤيتنا مرَّة أخرى وهنا كانت الصاعقة الثانية ...

"لقد قمنا بعمل صورة للرأس وتبين أن هناك نزيف داخلي في الدماغ من الدرجة الرابعة، وهي أقوى درجات النزيف"، أذكر أنني لم أعد أشعر بقدمي حينها، وبدأ قلبي يخفق بسرعة.. لم أعد أقوى على حمل رأسي فوضعته على كتف زوجي وبدأت بالبكاء، ولم أسمع شيئاً مما قاله الطبيب بعدها!

وبعد عدَّة ساعات تمالكت نفسي، وأمسكت هاتفي ثم بدأت بالبحث عن معنى النزيف الدماغي من الدرجة الرابعة تحديداً. فعلمت أن ما نسبته 80-90% من الأطفال الذين يصابون بهذه الدرجة من النزيف لا يستطيعون العيش طويلاً فيتوفون في أول أيامهم، أما النسبة التي تعيش فتعاني من إعاقات شديدة مختلفة نتيجة التلف الكبير للدماغ.

أما أنا فقد كنت أترقب بخوفٍ وألمٍ كبيرين، هل ستعيش طفلتي؟ وإن عاشت فكيف ستكون حياتها!

ولكم أن تتخيلوا كيف أصبح شعور الأم التي كانت تنتظر مولودتها بفارغ الصبر..

والأسوأ من هذا كله كان عدم معرفة الأطباء لمكان النزيف أو مدى الضرر الذي أحدثه لصغر حجم الدماغ عند الأطفال، فكل ما كان علينا فعله هو مراقبة الطفلة لمعرفة الضرر الذي حصل، وذلك من خلال تطوُّرها ونموِّها.

عشت أياماً في تلك الفترة لا أحسبها من عمري، فكل ما يدور في ذهني كان: "يا ترى حتشوف... ياترى حتسمع ... رح تتحرك أو رح تفهم؟"

كانت تلك الأسئلة لا تفارق عقلي وكأنها مقطوعة تتكرر تلقائياً حتى أجد نفسي في دائرة مظلمة، لأعود وأمسك بهاتفي وأعاود البحث والقراءة عن الموضوع من جديد.

وبعد قراءاتي المطوَّلة أيقنت أنه لا حل ولا علاج فيما حصل لعلياء سوى أن ندعو لها الله أن يحميها ويخفف عنها وأن يكون الضرر طفيفاً -وهذا كان احتمالاً ضعيفاً- كما أخبرنا الأطباء.


في الخداج مع طفلتي

بقيت علياء ٤٥ يوماً في العناية المركزة، كنت أقضي نهاري في المستشفى أحملها على صدري من ٥ إلى٨ ساعات متواصلة، فقد قال لي طبيبها: "حبك وحنانك هو علاجها الآن!"، وأصرَّ عليَّ أن أحملها لساعاتٍ طويلة حتى تكون قريبة مني معظم الوقت. كنت أغني لها وأهدهد، وأقص عليها حكاياتٍ عديدة، وأدعو لها دائما: اللهم متَّعها بسمعها وبصرها وعقلها وجسدها.

مرَّت الأيام وبدأت حالتها بالاستقرار، فقرر الأطباء إخراجها إلى المنزل.. نعم لقد جاء ذلك اليوم الغريب، الذي اختلطت فيه مشاعرنا بين فرحنا بقدومها إلى منزلنا بعد أن تعلَّقنا بتلك الروح الصغيرة، وبين قلقنا على مستقبلها وما تخبئه لنا الأيام.

كنا ننتظر بفارغ الصبر كل حركة.. كل صوت.. كل تنهيدة ...


حبيبة القلب وجميلة الروح علياء

تأخر تطوُّرها في كل شيء، فكانت أول ابتسامة لها في عمر الأربعة أشهر، بدأت علياء بالاستجابة لنا وكانت فرحتنا لا توصف، الحمد لله بدأنا نرى أنها مدركة لما حولها، ومن هنا بدأت تتطور شيئاً فشيئاً، إلّا أننا لاحظنا أنها متأخِّرة في التطور الحركي، فبدأنا رحلة العلاج الطبيعي والوظيفي من عمر الستة أشهر، كان تطورها بطيئاً جداً، لكنني علمت حينها أنها رحلة طويلة تحتاج لصبر ومثابرة ودعاء ولا مجال فيها للاستسلام.

لا أخفيكم أنني كنت أمر ببعض حالات الاكتئاب، فعندما كانت لا تتقدم رغم التدريب المكثف، كنت أعتكف أياماً في المنزل لا أرى فيها أحداً ولا أكلم فيها أحداً، وكان ل عامل الغربة تأثير قوي للمشاعر السلبية داخلي ...

لكنني سرعان ما أخرج من تلك الحالة عندما أتصفح صورها وهي في المستشفى لأرى رحمة الله ولطفه فيما حصل معها وأن توقعاتنا كانت أسوء بكثير مما هي عليه اليوم! وأن هذه الطفلة الضعيفة تعتمد علينا فلا مجال للتهاون او الاستسلام..

كما أنني لاحظت أنَّ الطفل يتأثر كثيراً بحالة والديه النفسية، ففي اليوم الذي أكون فيه مكتئبة تكون حصة العلاج عبارة عن عذاب لي ولها، فتمر ال ٤٥ دقيقة وكأنها ساعات، وعكس ذلك في الأيام التي أذهب فيها بتفاؤل وإيجابية. فالأطفال كما يقال ظلهم وروحهم شفافة... يشعرون بكل شيء!

استمرينا بحضور جلسات العلاج الطبيعي والوظيفي، وفيما بعد احتاجت إلى جلسات لتقوية النطق بسبب تأخرها في الكلام، وهي لازالت تتعالج حتى الآن.  

أتمت صغيرتي عامها الثالث منذ شهر، وعلياء اليوم طفلة مرحة جداً، حنونة، دائمة الابتسام، اجتماعية، خفيفة الظل والروح والمعشر ... وهي تعتمد على نفسها في كثيرٍ من الأمور، فقد تقدمت مراحل كثيرة منذ أن بدأنا بكل العلاجات، وكان لعامل الاستمرار والمثابرة دوراً كبيراً في تقدمها هذا.


احترفت علياء المشي على الووكر

فمثل هذه العلاجات تحتاج إلى وقتٍ طويل وصبرٍ كبير، وفي كل مرة نذهب فيها إلى الطبيب ويقرأ ملفها الطبي وما حصل معها لا يصدق أن تلك الطفلة هي نفسها التي يراها أمامه! وهنا يزول التعب وترتاح النفس أن نكون بإذن الله قد فعلنا كل ما بوسعنا لتحسين حياتها، فالحمد لله ثم الحمد لله..

أدعو الله أن يتمم عليها الشفاء والعافية، وأن أراها تمشي وتركض حولنا وتسرد لنا القصص والحكايات دون توقف..

وأخيراً، نصيحتي لكل أم تواجه صعوبات أو تحديات مع طفلها أو طفلتها كالذي أواجهه مع طفلتي:

  • الدعاء ثم الدعاء والتوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب، استودعيه عند رب العالمين واطلبي منه الشفاء وتمام العافية فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
  • أعطه حباً وحناناً بقدر غير محدود، فالأطفال الذين يواجهون مثل تلك التحديات تؤثر المشاعر الإيجابية فيهم ويجدون في حضنِك وقبلتك شيئاً من الأمان وحافزاً للاستمرار.
  • لا بأس إن مررتِ بحالة اليأس او الاكتئاب، فنحن بشر، ولكل منا طاقة معينة، لكن لا تجعليها تسيطر عليك وحاولي النظر إلى الأمور الإيجابية وتذكري أن طفلك أمانة بين يديك.
  • أحبي طفلك كما هو وتقبليه وقدِّميه لكل العالم كما هو، لا تحاولي أن تضغطي عليه أو أن تشعريه بالنقص أبدا، فالأطفال يشعرون بكل شيء.
  • استمري بالعلاج حتى لو طالت النتيجة ولا تهملي أي وقت مع طفلك سواءً بالجلسات أو في المنزل، فعلاج المنزل مكمِّل للعلاج مع الاختصاصيين.

دعائي لكل أطفالكم أن يحميهم الله ويحفظهم ويجعلهم لكم قرة عين