تنمية قدرات الطفل

٨ طرق لوضع حدود لأطفالنا

نيسان 05 , 2018

قبل أن تكمل صغيرتي عامها الثالث بعدة أيام، طلبتُ منها طلباً لا أذكر ما هو، لكنها بدل أن تقوم به كعادتها، راحت تنظر إليَّ وتضحك وتحاول تشتيت انتباهي لكي لا تقوم بتنفيذ ما طلبته! ابتسمتُ إذ أدركتُ أنها بدأت تدخل مرحلة تطورية مهمة تتمثل في إظهار شيء من الاستقلالية واختبار الحدود التي يمكن لها تجاوزها أو كسرها دون عواقب! ورغم أن هذا الأمر مستفز ومثير لغضب الأهل أحياناً، لكنه مرحلة مهمة في حياة الطفل، ومن الضروري أن نتعامل معه بطريقة صحيحة وصحية لكي نتمكن من بناء شخصية أبنائنا بحيث يتسمون بالمسؤولية وعدم التهرب من التزاماتهم مستقبلاً أو توقع التملص منها دون عواقب حالية أو مستقبلية.

وفيما يلي بعض الأساسيات العامة التي يمكن أن تساعدنا في رسم الحدود لأطفالنا:

  • التوقعات الواقعية: من المهم أن تكون طلباتنا من أطفالنا مناسبة لعمرهم ولحالتهم الراهنة جسمياً ونفسياً. فإذا عاد طفلك من اللعب في الخارج ليس هذا هو الوقت الأمثل لتطلبي منه أن يرتب غرفته، بل هو الآن بحاجة إلى الراحة وربما إلى وجبة خفيفة. وإن كان متضايقاً بسبب شجار مع أخيه فهذا وقت تهدئته واحتضانه، وليس وقت إخبارهم بأن عليهم الهدوء والذهاب لحل الواجبات.
  • مشاركتهم في المهمة إذا لزم الأمر: في أحيانٍ كثيرة، نطلب من أطفالنا أمراً قد يكون من الصعب عليهم تنفيذه، أو ربما يشعرون بالملل وليسوا متحفزين لذلك. لذا، في مثل هذه الأحوال من الأفضل أن نجعل الأمر لعبةً مرحة أو أن نشاركهم فيه. هل تكرهين ترتيب مكعبات البناء الصغيرة المتناثرة في أرجاء الغرفة؟! وأنا أيضاً! لكن أحياناً لا يكفي أن أطلب من صغيرتي أن ترتبها وحدها، بل هي تحب أن أكون معها في ذلك، لكنني أصمم على أن تقوم هي بمعظم المهمة على الأقل، فأمسك بعلبة المكعبات وأقول لها: "هيا أطعميني! أنا جائعة!" فتشعر بالحماس وتبدأ بملئها بينما أنا أصدر أصواتاً "هم نم نم!" حين تضع المكعبات، فتضحك وتكمل في انتظار الأصوات الجديدة، وحين تنتهي تقول لها "العلبة": "شكراً لكِ! لقد شبعتُ الآن!"
  • التبعات المترتبة على عدم تنفيذ الطلب: حسناً، ماذا لو كانت الطلبات واقعية وعرضتِ على طفلك مشاركتها، لكنه تهرّب بدل القيام بها؟ لا بد هنا من تبعات صغيرة قصيرة الأمد: "لن أعطيك العصير إلا حين تعيد كتبك إلى مكانها." قد يتأخر الطفل أو يؤجل المهمة، لكن طالما أن المهمة تحتمل الانتظار فلا بأس، فالمهم أن يدرك أن ما يفعله لن يمر.
  • خططي مسبقاً حين يتعلق الأمر بالخروج في وقت معين: مررنا بهذه اللحظات جميعاً: نحتاج إلى الخروج في وقتٍ معين للحاق بموعد طبيب أو للمدرسة، لكن الأطفال لديهم خطط أخرى: "لا أريد النهوض الآن!" "لا أريد هذه الملابس بل ما أرتديه الآن!" وهنا، من المهم أن تبدئي مبكراً: جهزي لكل شيء مسبقاً، وإن كنت تتوقعين ربع ساعة من التأخير فابدئي قبل ذلك بثلث ساعة. حضري الأشياء اللازمة للخروج وأخبري طفلك أن أمامه من الوقت 10 دقائق لتناول الطعام مثلاً ثم ارتداء الملابس للخروج حتى تصلوا في الموعد. في بعض الأحيان قد تحتاجين إلى وضع عواقب في حال عدم التزام الطفل إن كان يسمح الوضع بذلك، مثل ترك الطفل مع والده دون أخذه معكِ، أو حرمانه من نشاط ما كان سيقوم به لاحقاً.
  •  حين تضعين حدوداً، من الضروري أن تلتزم بها الأسرة بكاملها: فإن كنت تصرين على طفلكِ أن يلتزم بوقت الاستحمام بينما يستطيع أخوه أن يرفض الاستحمام دون أي مشكلة، فأنتِ هنا، بالنسبة إلى طفلك، تفرقين بينهما في المعاملة. كذلك الأمر بالنسبة إلى الترتيب والمساعدة في المنزل مثلاً، فإن كانت الابنة مطالبة بالترتيب بينما الولد ليس كذلك، فأنتِ تعلمين ابنكِ أن هنالك من سيتولى مسؤولية أفعاله عنه، بينما ابنتكِ ستشعر بالظلم وربما يزيد تهربها من المساعدة بسبب التمييز بينها وبين أخيها. حتى الكبار يجب أن يلتزموا ببعض القواعد التي تنطبق على كل الأسرة؛ مثل عدم استخدام الإلكترونيات في وقت الطعام أو خلال ساعات معينة.
  • اسمحي لطفلك أن يتحكم بالأمور أحياناً: يحتاج الأطفال إلى الشعور بشيء من الاستقلالية الآن كتمهيدٍ لاستقلالهم مستقبلاً. من المؤكد أنكِ مسرورة بأن طفلك يستطيع الذهاب للحمام وحده مثلاً (أو تنتظرين ذلك اليوم بفارغ الصبر!). لذا من المهم أن تشجعيه في بعض الأمور التي يمكن له الاختيار من بينها أو اتخاذ قرار بشأنها. على سبيل المثال، فإنني لا أفرض على ابنتي أنواع طعامٍ معينة، بل أترك لها حرية الاختيار، ولا أجبرها على إنهاء كامل الطبق؛ فهي أدرى متى تشعر بالجوع أو الشبع. وعند ارتداء الملابس، يمكنك أن تطلبي من طفلك أن يختار ماذا سيلبس للخروج أو للنوم. هذه الأمور الصغيرة تساهم في إشعار الطفل بنوع من التحكم.
  • اختاري معارككِ! اختاري الأوقات التي يمكنكِ أن تكوني لينة فيها وتلك التي يجب أن تكوني صارمةً بها. كل أمٍّ تختلف في خيارات هذه النقطة، لكن اللين في كل شيء أو الشدة في كل أمر نقيضان لهما تبعاتٌ سيئة. ذكرتُ أعلاه مثال الطعام وكيف أنني أترك لابنتي حرية الاختيار فيه، إلا أن كثيراً من الأمهات يعتبرن هذا الأمر جدياً ويجب ضبطه. أحد الخطوط الحمراء بالنسبة إلي مع ابنتي هو الأذى أو المضايقة، إذ لا أسمح لها أن تضايق أحداً أو تؤذيه حتى لو فعلت ذلك من باب المداعبة، وأكون صارمةً معها في هذا الأمر وأخبرها بأنني متضايقة أو يكون لذلك تبعاته. أنوِّه هنا أنني لا أقول لها أنني تضايقت أو غضبت من سلوكها إلا فيما ندر؛ لذا فهي تأخذ هذا الأمر بجدية وتشعر بالندم وتأتي لتعتذر. أما إن كان هذا الأمر مستمراً ويومياً وبسبب أو من دون سبب فلن يجدي مع الطفل، بل قد يشكل إما اهتماماً سلبياً قد يكرر الطفل السلوك الخاطئ للحصول عليه، أو أن يشعره بعدم الأمان لأنه لا يستطيع أن يتوقع ردود فعلكِ كأم.
  • الحفاظ على الحدود في كل زمان ومكان: إن كنتِ صارمة مع طفلكِ في أمر ما في المنزل لكنكِ تتراخين فيه في الخارج، أو العكس، فإن هذا سيجعله يشعر بأن هنالك أوقاتاً يمكنه فيها الإفلات من تبعات سلوكياته. كما من المهم أن تكون الحدود مفروضةً لأنها مهمة، وليست مرتبطة، مثلاً، بوجود أحد الأقارب أو أمام الناس. من الضروري أن نربي لدى أبنائنا وازع الحدود بحيث يكون داخلياً ليتعلموا مراقبة أنفسهم بدل أن يفكروا في ردود فعل الناس. كذلك من المهم ألا ترتبط الحدود بمزاجكِ، فحين تكونين مرتاحة توافقين على كل ما يطلبه طفلك وحين تتضايقين ترفضين كل شيء. مرة أخرى: يجب أن تكون هنالك قواعد للرفض وللموافقة لكي يعرف طفلك ما المسموح به وما هو غير المسموح.

قد يكون وضع الحدود والصبر أمام اختبار طفلك لقدرته على كسرها أمراً صعباً، لكنه مثمر على المديين القريب والبعيد. لذا من المهم أن تلتزمي جيداً بما تضعين من حدود، وفي حال قمتِ بتغييرها عليكِ إبلاغ الطفل بذلك التغيير وبسببه (مثل تقليل وقت الإلكترونيات بسبب معلوماتٍ جديدة عرفتها مثلاً)، وأن تناقشيه فيها. أتمنى أن تفيدكِ هذه النصائح في التعامل بشكل أفضل مع طفلكِ.

حنان زين الدين
أتمت حنان الماجستير في علم النفس من الجامعة الأردنية عام 2005، حيث كان موضوع رسالتها التي أعدتها لنيل الماجستير يتناول التعلق لدى المراهقين وعلاقته بتقدير الضغوط النفيسة وتدبرها....المزيد